كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شمال سورية يأتي بـ "دويلة" أو بحلّ سياسي؟

شمال سورية يأتي بـ "دويلة" أو بحلّ سياسي؟

تاريخ النشر: 2019-02-21 | 09:56

في مؤتمر ميونيخ للأمن وصف وزير الخارجية الفرنسي السياسة الأميركية في شمالي سورية بأنها «لغز»، وحين يأتي ذلك من عضو في التحالف الدولي له هو الآخر قوات على الأرض، فليس فيه أي مبالغة. ذاك أن واشنطن لم تستطع بل لم تسعَ الى جلاء أهدافها، سواء كانت تخطّط لسحب كلّ قواتها من تلك المنطقة أو لإبقاء عدد رمزي من العسكريين والمعدّات للدلالة الى «وجود سياسي» دائم. وما زاد اللغز تعقيداً أن جميع اللاعبين على الأرض السورية لم يتلقّوا أي إيضاحات من الإدارة الأميركية، سواء من «الحلفاء» كالأتراك وخصومهم الأكراد أو من الخصوم والأعداء كالروس والإيرانيين بالإضافة الى النظام السوري، أما الإسرائيليون فيبدو أنهم وحدهم مَن يعرفون «السرّ» ولم يستشكل أي أمر لديهم، كونهم ينسّقون مع الاميركيين والروس في آن.

لكن، مع انتهاء مؤتمر ميونيخ، كان بعض معالم السياسة الأميركية قد اتضح، فالاميركيون لن ينسحبوا لمصلحة أي من الأطراف بل يعتقدون أن «ظلّهم» سيكون كافياً لإبقاء «إقليم شمال سورية» خارج سيطرة روسيا وحلفائها، وربما يستعينون بقوات فرنسية وبريطانية من التحالف سواء لطمأنة الأكراد وحمايتهم أو لحراسة التركة الأميركية نظراً الى أهميتها الاستراتيجية بالنسبة الى ضمانات الحل السياسي في سورية. غير أن الترتيبات التي يدرسها الاميركيون مع الأكراد استفزّت روسيا الى حد اعلان وزيرها سيرغي لافروف أن واشنطن تعمل على تقسيم سورية وإقامة «دويلة» شرقي الفرات.

مع اقتراب نهاية كل وجود جغرافي معروف لتنظيم «الدولة» (داعش) في سورية، استعدّ دونالد ترامب لإعلان «النصر النهائي» وأيضاً للتذكير بأحد أهم أسباب قراره المتّخذ بالانسحاب.

وقبل أن يفعل كان نائبه مايك بنس يقول أن ما يجري في سورية «تغيير في التكتيك، وكان جنرالاته يشيرون الى أن المعركة مع «داعش» لم تنتهِ، فـ «المرحلة التالية» تستهدف خلاياه النائمة ومقاتليه المنتشرين في البادية السورية، أي أن الوجود الاستخباري سيستمرّ لإدارة المهمّات المقبلة لـ «قوات سورية الديموقراطية» (قسد) التي طالب قائد القيادة المركزية جوزف فوتيل بمواصلة تسليحها «بعد الانسحاب».

لكن، إذا كانت الحال كذلك، فلماذا يناشد الأكراد الدول الأوروبية «عدم التخلّي عنهم» ولماذا يملأون الاعلام صراخاً بمخاوفهم من اجتياح تركي بات مستبعداً في مختلف السيناريوات. إذ تراجع ترامب عن تسليم الشمال الشرقي الى رجب طيب اردوغان، ومع أن فلاديمير بوتين راغب في استمالة اردوغان إلا أن استجابة طموحاته مسألة أخرى.

في أي حال، لم تعد مخاوف الأكراد كما كانت، ما يعني أنهم تلقوا ما يفيد بأن «تغيير التكتيك» الاميركي سيكون بمشاركتهم وليس على حسابهم، أقلّه في المدى المنظور. ومع أنهم يواظبون على التحاور مع موسكو إلا أن اندفاعهم نحو النظام لم يعد كما بدا في الشهرين الماضيين، وهذا ما يفسر الرسالة التي خصّهم بها بشار الاسد بقوله في خطابه الأخير أن الولايات المتحدة لا تحمي من يراهنون عليها وأنه «لن يحميكم سوى دولتكم، ولن يدافع عنكم سوى الجيش العربي السوري». قد لا يكون الاسد مخطئاً في تقويمه للحماية الأميركية إلا أنه مخطئ في البديل الذي يعرضه، «دولتكم» و»جيشكم»، لأنه لم يعد مقنعاً، ليس للأكراد فحسب بل لعموم السوريين.

كانت لدى النظام فرصة في الحوار مع الأكراد، فلو توصّل معهم الى اتفاق سياسي لكان كسب نقطة يمكن أن تشكّل مدخلاً لاستعادته السيطرة على محافظتَي الرقة ودير الزور. لم يكن متوقّعاً لهذا الحوار أن ينجح، فحتى لو كان النظام موافقاً نظرياً على المطالب الكردية إلا أن الإقرار بها سيبدو تنازلاً بل سيغدو سابقة واختراقاً في نهج التعنّت والغطرسة الذي اعتمده منذ بداية الأزمة. وعلى رغم تفهّم الروس تلك المطالب وحاجتهم الى اجتذاب الأكراد في هذه المرحلة إلا أنهم لم يضغطوا على الأسد، فأي اتفاق مع الاكراد سيتناول بالضرورة مسائل ستكون موضع تجاذب لاحقاً في مناقشات اللجنة الدستورية، ويُفترض أن هناك ممثلين للأكراد في هذه اللجنة، وهؤلاء ليسوا - أو ليسوا جميعاً - ممثلين لـ «الاتحاد الديموقراطي - العمال الكردستاني» كما هي حال مَن يتحاورون الآن مع النظام.

حتى لو تواصل الحوار فإن الفرصة التي وفّرها تبدو ضائعة، إذ أحبطها الاميركيون بشكل حاسم بعدما كانوا تركوا انطباعاً بأنهم يباركون هذا الحوار ولا يمانعون عودة مناطق «قسد» الى سيطرة النظام وبإشراف روسي. تغيّر التوجه الأميركي مع اقتراب موعد الانسحاب، بنهاية نيسان (ابريل) المقبل، ليطرح مقاربة لا تخلو من المخاطر، وقوامها إبقاء المعادلة الجغرافية على حالها، بوجودهم أو بغيابهم. فجأة تلقى أكراد «قسد» انذاراً اميركياً بأن تحالفهم مع روسيا والنظام يعني وقف المساعدات عنهم. كان ذلك قبل أن يعلن المبعوث الخاص جيمس جيفري في مؤتمر ميونيخ أن اميركا ترفض عودة شمال شرقي سوريا الى النظام، وقبل أن يسمع الأكراد من الجنرال بول لاكاميرا أن القانون الأميركي يحظر التعاون مع روسيا ونظام الأسد، وبالتالي فإن تسليح الأكراد وتدريبهم يستمران طالما بقي هؤلاء شركاء لاميركا.

في ضوء ذلك يريد الاميركيون أن تبقى المنطقة في أيدي «قسد» وقد باشروا التنسيق معها لليوم التالي بعد الانسحاب، ولم يعودوا حرجين بكون القادة الرئيسيين في «قسد» من حزب العمال الكردستاني (بي كي كي)، أو لعلهم يعتبرون ذلك ميزة تعزّز ارتباط هذا الحزب، المصنّف ارهابياَ، بواشنطن التي منحته فرصة محاربة «داعش» لتطهيره من هذا التصنيف، فإذا تخلّت عنه سيفقد كل الامتيازات العسكرية والسياسية ولن يستطيع تعويضها مع الروس ولا مع النظام أو ايران. تبقى مسألة ضمانات الحماية التي يحاول الاميركيون توفيرها عبر قوات فرنسية وبريطانية واحتمال ادخال إسرائيل على الخط. لكن الأهم أن الاميركيين تنبّهوا أيضاً الى أن الوضع الكردي نفسه في الشمال يحتاج الى تطبيع داخلي، إذ أن «الكردستاني» وفرعه «الاتحاد الديموقراطي» لا يمثلان غالبية أكراد سورية، ولذلك دعا مستشار قوات التحالف ممثلين عن «المجلس الوطني الكردي» للبحث في مصالحة تفضي الى انشاء إدارة جديدة تتمثّل فيها مكوّنات الشمال السوري كافةً من عرب وسريان وأرمن وغيرهم. لا تبدو هذه المصالحة مشروعاً سهلاً، لأن «الكردستاني» وفرعه مارسا اضطهاداً قاسياً ضد الأكراد المعارضين لهم وقد زادتهما الحرب تسلّطاً، كذلك لأن «المجلس» لم يعد حزباً سياسياً فحسب بل ان لديه قوات «بيشمركة» جرى اعدادها وتدريبها في كردستان العراق.

ليس واضحاً بعد كيف سيهندس الاميركيون هذه المصالحة، ولا لأي هدف. لكن موسكو استشعرت توجّهاً نحو تقسيم سورية واتهمت واشنطن بانتهاك الالتزامات التي حددتها القرارات الدولية، ما يتطلّب ايضاحاً للنيات الاميركية. وكانت روسيا وشريكتيها في صيغة «سوتشي - استانا»، تركيا وايران، واظبت على افتتاح بياناتها بتأكيد التزامها وحدة سورية، وقد رحّبت في قمتها الأخيرة بعزم الولايات المتحدة على الانسحاب، وها هي تكتشف أن هذا الانسحاب لن يكون فرصة لها بل ربما يفسد المحاصصات التي أجرتها وتجريها. في المقابل لا يستطيع الروس الادعاء بأن نياتهم واضحة بالنسبة الى الحل السياسي في سورية، إذ انتهى مبعوثون اميركيون عديدون الى خلاصة أبلغوها الى محاوريهم من الأتراك والمعارضة السورية، وهي أن سيطرة الروس والإيرانيين والنظام على ادلب وشمال شرقي سورية من شأنها أن تدفن الحل السياسي نهائياً، وأن أنقرة اهتمّت بمصالحها ولم تستطع إحداث أي تغيير جوهري في الموقف الروسي. فمنذ بداية الأزمة السورية يلعب الروس على الغموض، وقد اتضح أن عدم كشف رؤاهم وفشلهم في دفع النظام الى التفاوض على انتقال سياسي منظّم ودأبهم على العبث بتركيبة وفود المعارضة ثم بتركيبة اللجنة الدستورية كانت مناورات لتبديد الوقت والجهد وبالتالي لفرض حلّ الأمر الواقع ببقاء الأسد من دون أي تنازلات.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط