كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شهداء الصمت وتباريح الألم

انتهى العدوان الإسرائيلي البغيض على قطاع غزة، ووضعت الحرب الكريهة أوزارها، وطويت أيامها السوداء، ولياليها الملتهبة الحمراء، وتوقف قصف الأبنية، وتدمير البيوت والمساكن، وتخريب المنشآت والمساجد، واستهداف الأشخاص وقتل الأطفال، وأُعلن من رام الله والقاهرة عن انتهاء كافة الأعمال الحربية، ووقف كل أشكال العدوان على قطاع غزة، على أن تنكفئَ الدباباتُ الإسرائيلية، وتسكت مدافعها، وتعود طائراتها لتحط في قواعدها، فلا تغير من جديد، ولا تقصف مرةً أخرى، ولا تخرق الاتفاق، ولا تتجاوز الهدنة.

توقف إطلاق النار، وسكتت المدافع، وخيم السكون، وهدأت السماء، وكفت الطائرات عن الهدير، ولكن الحزن لم ينقشع، والألم لم يخف، ونعيب الدم لم يتوقف، والجراح لم تشف، والنفوس لم تهدأ، وعداد الموت لم يستقر على حاله، ونبش الأرض وفتح القبور لم ينتهِ، وفتح بيوت العزاء واستقبال المواسين لم يتوقف، وكأن الحرب ما زالت ماضية، وآلتها الحربية ما زالت تقتل وتحصد الأرواح، وتزيد في عدد الشهداء، وتفاقم في حجم المآسي، وتراكم الحزن فوق الحزن، وتزيد الدموع على الدموع.

ولكن آلة القتل الباقية مؤلمة وقاسية، وبطيئةٌ وعنيفة، وعنيدةٌ وموجعة، مبضعها صدئ، وسكينها مثلمة، واليد التي تحملها مرتعشة، وآلامها لا تتوقف، ومعاناتها لا تتراجع، وجراحها لا تندمل ولا تشفى، فقد عاد ذوو الشهداء من المقابر، بعد أن واروا شهداءهم الثرى، وأسلموهم إلى رب الأرض والسماء، لتكون أرواحهم عنده سبحانه، في قناديل معلقة تحت العرش، وهم وغيرهم مع الأنبياء والصديقين ومن سبقهم من الشهداء، في مقعدِ الصدق عند الله المليك المقتدر.

قد سبق الشهداء ورحلوا، وفازوا وكسبوا، فعظم الله أجرهم، وأسكنهم فسيح جناته، وغفر لهم وجعلهم لأهلهم شفعاء، ولقومهم فرطاً، يسبقونهم إلى الجنة ويأخذون بأيديهم إليها، ولكن آلام الجرحى موجعة، وأنينهم محزن، بعضهم لا يشفى ولا يطيب، ولا تسكن آلامه، ولا تتوقف معاناته، ولا أمل في غير الله في شفائه، إذ لا علاج ولا دواء، ولا اختصاص ولا مساعدة، فقد زاد الحصار في معاناتهم، وقرَّب الضيق في أجالهم، ولكنهم يموتون بألم، وتتحشرج نفوسهم بحزن، وهم يرون أنفسهم يموتون على الفراش، وقد فاتتهم الشهادة في الميدان أو أثناء المواجهة.

إنهم جرحى العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة، وهم آلافٌ من الأطفال والنساء والشيوخ، ممن أصابتهم آلة القمع الإسرائيلية وجرحتهم، فأوجعت بعضهم بإصاباتٍ بالغةٍ، وجراحاتٍ غائرة، يستعصي منها الشفاء، ويتعذر فيها العلاج، ومنهم من عجلت الإصابة ببتر أطرافه، أو أصابته في أماكن حساسةٍ من جسده، فأقعدت بعضهم، وأصابت غيرهم بشللٍ رباعي، وآخرين بموتٍ سريري، وغير ذلك من العلل الموجعة، والأمراض المستعصية.

إنهم كثرٌ ينتظرون، وثلةٌ كبيرةٌ يعانون، بعضهم قد رحل ولحق بالركب الطاهر، بينما غيرهم ما زال ينتظر، وهو يتوقع الخاتمة، وينتظر بصبرٍ مصيره ولا يضجر، ويترقب شهادته ولا يحزن، وهو على العهد باقٍ لم يبدل، ولكن الأهل مكلومين، والأصحاب محزونين، وهم يرون أحبتهم يذهبون بصمت، ويفارقون بهدوءٍ، الواحد تلو الآخر، وهم أمامهم عاجزين، لا يقدرون على شئ، ولا يستطيعون تقديم العون لهم، ولا تخفيف المعاناة عنهم، فآلامهم أكبر من مجاملتهم، وجرحهم أعمق من مواساتهم.

الشهداء الجرحى يؤلمون أكثر ممن سبقهم بقصفٍ أو قنصٍ، أو بغارةٍ واشتباك، فأولئك رحلوا بلا ألم، ولم يشعروا من ألم الشهادة إلا كما يجد أحدنا من وخز الإبرة، لكن الجرحى يتألمون كل يوم، ويتأوهون أمامنا بحسرة، ونحن نقف أمامهم، ونرى ضعفهم، ونشهد هزالهم، ونتابع انهيار صحتهم، وذهاب عافيتهم، ولكننا لا نستطيع فعل شئ، فلا دواءً نملك، ولا مستشفياتٍ مجهزة عندنا، ولا معداتٍ بقيت في حوزتنا.

هؤلاء الشهداء أعظم درجةً وأكبر مقاماً، فقد ضحوا مرتين، يوم أن أصيبوا بجراحٍ وصبروا، ويوم أن استشهدوا ولحقوا، ولكن يختلفون عن الشهداء السابقين، في أن من يتحمل وزرهم، والذي تسبب في معاناتهم ثم في شهادتهم، ليس العدو الإسرائيلي فقط، وهو الذي أصابهم بناره، ولكن الذي يتحمل المسؤولية الأكبر بعد الإصابة هم الذين حجزوا الجرحى، ومنعوا عنهم الدواء والعلاج، وهم الذين يحاصرون قطاع غزة، ويمنعون إدخال العلاج والدواء إليه، ويحتجزون الأطباء المتطوعين، والأجهزة الطبية المساعدة، والأسرة والمعدات، ويحولون دون دخولها إلى قطاع غزة.

إن حياة الشهداء الجرحى في أعناق الذين يحاصرون القطاع، ويتحكمون في بواباته، ويمنعون انتقال الجرحى من ذوي الحالات الصعبة والمستعصية إلى الخارج للعلاج، علماً أن دولاً كثيرة استعدت لاستقبالهم، وأعلنت جهوزية مستشفياتها لاستقبالهم، وأنها على استعدادٍ لنقلهم إلى بلادها حال السماح لهم بمغادرة قطاع غزة إلى مصر، وأنها تتكفل بنفقات العلاج ومرافقة المرضى طوال فترة وجودهم في الخارج.

ألا فليعلم المحاصرون والمضيقون، أن هؤلاء الشهداء سيكونون لعنةً عليهم، وسيلقون الله عز وجل وجرحهم ينعب دماً، ويسأل الله أن ينتقك من قاتله، وأن يحاسب من حال بينه وبين العلاج، ومن صده عن الدواء، ومن حرمه من الرعاية والاستشفاء، وحال بينه وبين السفر، وتركه يذوي أمام أهله كشمعة، ويضمر كقطميرٍ، ويرحل أمام محبيه رويداً، ويوماً بعد آخر كقمرٍ آذن رحيله، وانتهى بدره وهلاله.

بحزنٍ نفارقهم، وبأسى نودعهم، نقدر معاناتهم، وندعو الله لهم، ونسأله الرحمة لهم، والرأفة بهم، فقد عانوا كثيراً، وذاقوا مرارة الجرح وغصة المرض، وملأت الحسرة عيونهم، والدموع مآقيهم، وهم يرون أحبابهم، أولادهم وأسرهم، يغيبون عن ناظريهم، ويبتعدون عن عيونهم، لكنهم لا يملكون شيئاً إزاء قدرهم، سوى أن يبتسموا لأحبتهم، وأن يودعوا أهلهم، وأن يوصوا من بعدهم بحسن معاملتهم، قبل أن يرحلوا بصمت، ويتواروا عن الحياة بهدوء.

شفى الله الجرحى، وبلسم جراحاتهم، وخفف آلامهم، ورحم الله الشهداء، وأسكنهم فسيح جناته

 

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط