كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شهداءُ بيت لاهيا أيتامٌ على مائدةِ اللئامِ

شهداءُ بيت لاهيا أيتامٌ على مائدةِ اللئامِ

تاريخ النشر: 2019-08-20 | 11:12

توشح قطاع غزة بالسواد، وشمله حزنٌ عميقٌ، وسكنه أسىً كبير، وساد الصمت شوارعه، والوجوم بيوته ومساكنه، وحبس الناس أنفاسهم وهم يسمعون الأخبار ويترقبون النتائج، فقد تضاربت الأنباء وتعددت الروايات، وطافت في سمائه سحبٌ قاتمةٌ سوداء، ونشطت طائرات العدو في فضائه كالغربان، ودوى هديرها في المنطقة كنعيق البوم ونذير الشؤم، فقد منيت غزة كعادتها بشبابها اليافع، وأبنائها الصِيدِ الغيارى، الذين يسقطون في كل ساعةٍ وحينٍ في كل مكانٍ من قطاعهم الحبيب، على حدوده الشرقية وأمام أسلاكه الزائلة، وخلال مسيرات العودة، وفي المواقع وعلى الثغور، وفي نقاط الرصد ومراكز الرباط.

شبانٌ فرسانٌ ثلاثة، محمد سمير الترامسي، ومحمود عادل الولايدة، ومحمد أبو ناموس، وحدهم سقطوا على الأرض شهداء، وغدوا فوق ترابها غرباء، لا يشاركهم الوغى أحدٌ، ولا يتبنى مقاومتهم حزبٌ أو تنظيم، ولا تنسبهم إلى نفسها حركةٌ أو جبهةٌ، بل تبرأ منهم الصغير والكبير، والفسيل والفصيل، وأعلن عدم مسؤوليته عنهم الحاكم والمحكوم، والسلطة الفعلية واللجنة التنفيذية.

بدا الشهداء الثلاثة الذين كانوا يضجون بالحياة، أيتاماً لا أب لهم يفخر بهم، ولا أم تزغرد لهم وتباهي بهم، ولا من يرفع صورهم أو يذيع أسماءهم، وهم الذين ضرجوا الأرض بدمائهم الطاهرة، ورووا بها ظمأ أرض غزة العزة، ورسموا على تراب شماله قوس قزحٍ شعبيٍ بتلاوينهم وتعدد مشاربهم، اللهم إلا من انتمائهم الواحد للوطن، وحبهم الصادق لفلسطين، وعشقهم لغزة التي يتضورون فيها جوعاً، ويعانون فيها ويلاً، ويشكون فيها ألماً، ويقاسون داخلها حصاراً.

حزن غزة على شهدائها الثلاثة مختلفٌ عن حزنها على بقية الشهداء، حزنٌ فيه غصةٌ وألمٌ، وفيه حسرةٌ وغضبٌ، وثورةٌ ولهبٌ، وفيه صمتٌ ووجومٌ، ورفضٌ ومعارضةٌ، واستغرابٌ واستنكارٌ، وإن كانت لا تفرق أبداً بين أبنائها، ولا تميز بين شهدائها، ولا تبخل بعطائها ولا تضن برجالها، إلا أن هؤلاء الثلاثة قد أدموا قلبها، وأحزنوا أهلها، وأبكوا سكانها وآلموا أحبابها، وأثار استشهادهم حراكاً شعبياً واسعاً، وجدلاً دينياً لافتاً، ونقاشاً سياسياً مسؤولاً، نأمل ألا تخبو ناره ولا يخمد جمره حتى يستبين الناس الحق، ويعرفوا الصواب، ويتعلموا مما حدث، ويأخذوا منه الدروس والعبر، لئلا تتكرر المحن ويدفع الشعب الثمن.

بعيداً عن الموقف من عمليات التسلل الفردية، ومحاولات الاشتباك الذاتية، التي سأفرد لمناقشتها مقالاً خاصاً، فإنه ما كان ينبغي أن ننكر الشهداء، أو أن نتنصل من المسؤولية عنهم، أو نتخلى عنهم ونتركهم لقمةً سائغةً للعدو يلوكهم بحقده، ويتشفى بهم بغيظه، ويقسو عليهم بلؤمه، ولا يحق لنا أن ندينهم وقد سقطوا شهداء، ونتهمهم بأنهم تصرفوا من تلقاء أنفسهم، وأنهم اجتهدوا وأخطأوا، ولم ينسقوا مع أي جهة، ولم يتعاونوا مع أي طرفٍ، وكأنهم يقولون أنهم يستحقون ما أصابهم، ويستأهلون ما لحق بهم.

إننا بهذا الفعل المنافي للمروءة والمناقض للنبل والشهامة، نزيد في حزن أهلهم، ونعمق المأساة في قلوبهم، ونتركهم وحدهم في محنتهم، وكأننها نجرعهم مر الكأس مرتين، كما أننا نحط من قدر أبنائهم ونستخف بهم، ونخدش شهادتهم ونعيب عليهم مقاومتهم، ونبريء العدو من جريمتهم ونطهره من دمائهم، ونحملهم أنفسهم مسؤولية ما حل بهم.

ما كان سيكون حال الشهداء الثلاثة على هذه الصورة المستنكرة، وكأنهم إثمٌ يتبرأ منه الجميع، ودنسٌ يتطهرُ منه الكل، لو أنهم نجحوا في اجتياز الحدود، واشتبكوا مع الجنود، وأوقعوا فيهم قتلى وجرحى، حينها كانت القوى والتنظيمات والأحزاب والحركات ستتنافس في تبنيهم، وستعلن مسؤوليتها عن عمليتهم، وستعلو أصوات الناطقين باسمها أنها كانوا ينتمون إليها وينتظمون في صفوفها.

وكانت التنظيمات ستتسابق في إقامة بيوت العزاء لهم وفتح سرادقات التهنئة لأهلهم، وسيرفعون صورهم المزدانة بشعاراتهم، وكأنهم لا يتبنون إلا نصراً، ولا ينسبون إلى أنفسهم إلا كسباً، لكن قدر الشهداء الثلاثة أن يسقطوا مقبلين غير مدبرين على السياج الفاصل، قبل الاجتياز ودون اشتباكٍ.

أيها الشهداء الأبرار قروا عيناً وطيبوا نفساً واهنأوا عيشاً، فإن الله عز وجل قد قبلكم عنده، واستضافكم في رحابه، وأسكنكم فسيح جناته، وأودع أرواحكم في حواصل طيرٍ خضرٍ معلقةً في قناديل تحت عرشه، وجمعكم من أنبيائه ومن سبقكم من الشهداء، فلا يضيركم إن تخلى بعض الناس عنكم، ونأت التنظيمات بنفسها عن شهادتكم، ولا يحزنكم الجدال الذي ثار بعدكم.

فشعبكم أيها الشهداء الأطهار يتبانكم ويحتضنكم، ويعتز بانتسابكم إليه ويفخر بانتمائكم إليه، والله وحده الذي كفى عبده يكفيكم، وهو الذي اختاركم وانتقاكم، وهو سبحانه وتعالى الذي يعلي مقامكم، ويبقي ذكركم ويحفظ أسماءكم، ويخلد أعمالكم، ويبارك في دمائكم، ويشفعكم فيمن تأخر أو قصر من أهلكم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط