كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شو صار بالأمة حتى صار أبو يائير الملهم رمزاً ، وصاروا يحكوا علناً عن إسرائيل الكبرى؟ …

شو صار بالأمة حتى صار أبو يائير الملهم رمزاً ، وصاروا يحكوا علناً عن إسرائيل الكبرى؟ …

تاريخ النشر: 2025-08-18 | 15:39

شهدت المجتمعات العربية خلال العقود الأخيرة تحولات فكرية وسياسية عميقة ، جعلت بعض الشرائح تنظر بإيجابية إلى شخصيات كانت تُعدّ خصوماً تقليديين للعرب والفلسطينيين ، وتحديداً إذا كانت مسؤولة عن ابادة شعب بالكامل ، ويطرح هذا التحول إشكالية جوهرية : كيف وصلت الأمة العربية إلى هذا المستوى من الإنحطاط في وعيها الجمعي؟ ، ولم يعد مستغرباً أن نرى في بعض المناطق العربية – مثل السويداء في سوريا – صور بنيامين نتنياهو تُرفع في الميادين ، حيث كانت صور جمال عبد الناصر تزين المكان في 60 القرن الماضي ، إن هذا التحول لا يمكن فهمه بعيداً عن أزمة الهوية وضعف المشروع القومي العربي أو الإسلامي ، الذي بدأ بالتراجع منذ 70 القرن العشرين .

تؤكد الشواهد التاريخية أن التعليم كان ركيزة أساسية لنهضة المسلمين في العصر العباسي ، إذ تدرج المتعلم عبر مراتب الفهم والاستيعاب حتى بلوغ الإجازة العلمية ، أما اليوم ، فقد تراجع مستوى التعليم إلى مجرد شهادات شكلية لا تُترجم إلى إبداع أو إبتكار ، هذا التدهور انعكس على الإنتاجية والابتكار في العالم العربي ، مقابل استمرار الغرب في تطوير منظوماته التعليمية عبر سياسات تطويرية مستدامة ، وتقوم الجامعات الغربية الكبرى – مثل هارفارد وأكسفورد وكامبريدج – على استقلالية مالية وإدارية واسعة ، تمنحها حرية البحث والإبداع ، وفي المقابل ، عرفت الحضارة الإسلامية نموذجاً مبكراً للاستقلالية عبر ما يعرف بالوقف ، الذي مكّن المؤسسات التعليمية من الإستمرار والإزدهار ، فقد بلغت قيمة الوقف التعليمي في هارفارد اليوم نحو 36 مليار دولار ، وهو إمتداد لفكرة الوقف الإسلامي التىّ أسستها المدارس النظامية في بغداد بإدارة الإمام الغزالي ، لم يكن تأثير الحضارة الإسلامية في أوروبا شكلياً ، بل كان بنيوياً وعميقاً ، فقد أسهمت المدارس والوقفات العلمية في ترسيخ عقلية جدلية نقدية ، إنعكست لاحقاً في تطور الجامعات الأوروبية ، ويؤكد مؤرخو التعليم أن أوروبا مدينة للعالم الإسلامي في تأسيس الكثير من مفاهيم الحرية الأكاديمية والمنهجية البحثية .

إن إنتقال بعض العرب من رفع صور عبد الناصر إلى رفع صور نتنياهو ليس مجرد حدث عابر ، بل هو إنعكاس لأزمة وعي ممتدة الجذور ، بدأت مع إنهيار منظومات التعليم وفقدان الاستقلالية الفكرية ، ولا يمكن إستعادة المشروع العربي النهضوي إلا بإصلاح التعليم ، وتعزيز إستقلال الجامعات ، وإحياء قيم الوقف العلمي ، تماماً كما فعلت الأمة الإسلامية في عصور أزدهارها …

يبدو أن خطاب نتنياهو لا يمكن اختزاله في كلمات عابرة ، إذ إنه ينطوي على دلالات سياسية واستراتيجية عميقة ، فهو لا يعبّر فقط عن نزعة خطابية قومية يهودية ، بل يُقدَّم كتصور إستراتيجي ذي بعد كولونيالي يتجاوز اللحظة الراهنة (Pappe, 2006) ، إن إشارته المتكررة إلى “المسؤولية التاريخية” في تحقيق ما يُسمّى بحلم إسرائيل الكبرى لا يُعدّ مجرد تعبير حماسي أو هذيان سياسي ، بل هو جزء من سردية تاريخية تسعى إسرائيل من خلالها إلى تثبيت حضورها المؤسسي داخلياً وتوسيع نفوذها خارجياً (Shlaim, 2014) ، وتتجسد هذه الرؤية في بنية المؤسسات التعليمية والبحثية الإسرائيلية ، التىّ تُسهم في دعم القوة الناعمة للدولة ، وتمتد آثارها إلى النفوذ السياسي والاقتصادي في القارة الإفريقية (Makinda, 2019) ، فالحضور الإسرائيلي في إفريقيا لا يُمكن تفسيره بالعلاقات الدبلوماسية التقليدية وحدها ، بل يتصل ارتباطاً مباشراً بالمنافسة الدولية على المعادن الإستراتيجية الضرورية لصناعة البطاريات والشرائح الذكية (IEA, 2022).

ولقد تحوّلت المعادن في العقدين الأخيرين إلى مورد أكثر أهمية من النفط والغاز ، نتيجة العوائد الإقتصادية الضخمة للصناعات المرتبطة بها مقارنة بالموارد التقليدية مثل الذهب والفضة (World Bank, 2020) ، وإذا كان الذهب قد عُدّ في السابق المعدن الأكثر قيمة ، فإن السيليكون والليثيوم اليوم يتقدمان المشهد ، لما لهما من دور محوري في صناعة الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا المتقدمة (Sachs & Warner, 2021) ، ولا تنفرد إسرائيل وحدها بهذا الوعي الإستراتيجي ، إذ تشهد القارة الإفريقية تنافساً حاداً بين الولايات المتحدة والصين ، في محاولة للسيطرة على مستقبل التكنولوجيا والطاقة (Alden & Alves, 2017 ) ، وقد وجدت الدول الإفريقية نفسها أمام ضرورة تبنّي سياسة توازن حذرة بين هذين العملاقين ، في هذا السياق ، تسعى إسرائيل إلى تعزيز موقعها ، ليس فقط عبر الإقتصاد والتكنولوجيا ، بل أيضاً من خلال التحكم بالموارد الحيوية مثل المياه ، وتوسيع نفوذها ضمن المنظومة المالية العالمية وآلياتها المستحدثة (Klein, 2020) …

يُظهر خطاب نتنياهو بعداً يتجاوز الطابع الخطابي المباشر ، إذ لا يمكن اختزاله في كلمات قليلة أو النظر إليه بإعتباره مجرد حماسة قومية يهودية ، بل هو تعبير عن رؤية إستراتيجية متجذّرة في مشروع كولونيالي طويل الأمد ، فإشارته إلى مسؤوليته التاريخية في تحقيق ما يُعرف بـ”حلم إسرائيل الكبرى” لا تعكس وهماً سياسياً أو خطابات دعائية ، بقدر ما تعبّر عن إدراك متجدد بأنّ إسرائيل الراهنة ليست سوى مرحلة تأسيسية لإسرائيل المستقبلية ، القائمة على بناء مؤسسات متينة وفاعلة ، ويتجلّى هذا التوجّه في السياسات التعليمية التىّ تبنّتها إسرائيل ، والتىّ لم تقتصر على الداخل فحسب ، بل امتدّت إلى تعزيز نفوذها في المحيط الدولي ، وخاصة في القارة الإفريقية ، هذا الحضور لم يأتِ اعتباطياً ، بل يرتبط عضوياً بالسباق العالمي نحو السيطرة على المعادن الاستراتيجية التىّ يُطلق عليها في بعض الأدبيات “الحمّى الحمراء” .

وتكتسب هذه المعادن أهميتها من دورها المحوري في الصناعات التكنولوجية المتقدمة ، مثل البطاريات الكهربائية والشرائح الذكية ، وهي صناعات باتت تفوق في قيمتها الاقتصادية لأي شيء سابق ، وإذا كان الذهب في الماضي يُعتبر المعدن الأكثر جاذبية ، فإنّ السيليكون أصبح اليوم “الذهب الجديد”، لما تمثله الرقائق الإلكترونية من عنصر حاسم في الإقتصاد الرقمي العالمي ، في هذا السياق ، أصبحت القارة الإفريقية ساحة صراع جيوسياسي ، حيث تسعى كل الدول الكبرى إلى ضمان موقع متقدّم في صناعة المستقبل ، وإلى جانب ذلك ، برزت إسرائيل لاعباً فاعلاً في هذه المنافسة ، مدفوعة بوعيها المبكر لأهمية المتغيرات الصناعية والتكنولوجية ، كما انخرطت في مشاريع استراتيجية تتعلق بالتحكم في الموارد الطبيعية لفرض أشكال جديدة من الهيمنة العابرة للحدود .

وعليه ، فإنّ خطاب نتنياهو لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات العالمية في مجالات التكنولوجيا ، الطاقة ، والسياسة الدولية ، إنه يعبّر عن محاولة إسرائيلية لصياغة موقع إستراتيجي فاعل داخل بنية النظام الدولي الجديد ، حيث تتحوّل السيطرة على الموارد والمعرفة إلى محدد رئيس في القوة والهيمنة …

تسعى الحركة الصهيونية إلى توسيع نفوذها في المنطقة العربية والإقليمية ، مستفيدةً من الخبرات التىّ إكتسبتها في أوروبا وأمريكا ، وعلى الرغم من وجود حركات شعبية واسعة ضد السياسات الإسرائيلية في أوروبا ، إلا أن الصهاينة إستطاعوا بناء شبكات نفوذ قوية في المؤسسات العامة والخاصة ، بما في ذلك المجال المالي والاقتصادي والاجتماعي (Pappe, 2010) ، ويرى بعض الباحثين أن الصراعات الكبرى في القرن 20 ، مثل صعود النازية والشيوعية ، كانت مرتبطة إلى حد كبير بالإقتصاد العالمي ومحاولات القوى الكبرى السيطرة على الموارد والأسواق (Evans, 2005) ، ففي ألمانيا ، أعتبر النازيون أن السيطرة الاقتصادية العالمية من قبل بعض الجماعات تهدد سيادة الدولة القومية ، بينما رأى الرأسماليون الغربيون في هتلر تهديداً للنظام القائم (Kershaw, 2000) .

وقد شهدت الفترة نفسها تحولات اجتماعية وسياسية كبيرة في روسيا وأوروبا ، حيث لعبت التوترات الاقتصادية والسياسية دوراً في إندلاع الثورات والحروب ، وكان فهم التوازن بين القوة الاقتصادية والنفوذ السياسي أمراً محورياً لجميع القوى الكبرى في تلك الفترة (Strachan, 2004) .
في القرن 21 ، يستمر تأثير هذه الديناميات التاريخية على السياسات الدولية والإقليمية ، بما في ذلك تطورات المشروع الإسرائيلي وعلاقاته مع الدول الكبرى والإقليمية ، ويُلاحظ أن التمويل الدولي والشبكات الاقتصادية لا تزال تلعب دوراً في تشكيل السياسات الاقتصاديّة والأمنية للدول ، واذا تمكنوا الصهاينة من إبادة الشعب الفلسطيني بعد محاصرته ، فإن الأخرين سيتم لاحقاً إبادتهم بنشر الفقر والتخلف والفساد

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط