كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شيخوخة الغرب

شيخوخة الغرب

تاريخ النشر: 2023-04-08 | 09:04

نتحدث عن شيخوخة ديموغرافية، وليس عن شيخوخة سياسية، أو قارة «عجوز»، كما يحب ساسة أمريكيون أن يصفوها ويتوجهوا إليها بالهجاء، وأذكر أن كاتباً أمريكياً هو باتريك بوكانن، وهو من قيادات اليمين المحافظ الأمريكي، قد نشر كتاباً له قبل نحو عقدين بعنوان «موت الغرب»، تحدث فيه عن شيخوخة خطرة، تشكل قنبلة ديموغرافية، تهدد مستقبل الغرب، حيث يتناقص عدد السكان، وتتزايد أعداد كبار السن، وتنخفض أعداد الولادات، بفعل تراجع الخصوبة، وانهيار المؤسسة الأسرية، وتغير في منظومات قيمية مجتمعية.. الخ.

وتشير الإحصائيات الى أن عدد السكان المنحدرين من أصول أوروبية قبل ثمانية عقود، كان يشكل نحو ربع سكان العالم، وقد تراجع العدد إلى السدس قبل عقدين من الزمان، ويتوقع أن يكون العدد في حدود عُشر السكان في العالم بعد ثلاثة عقود، وحينها سيتجاوز عمر 36 بالمئة من الأوروبيين الستين عاماً.

ومعنى ذلك أن الشيخوخة الديموغرافية ستكون واحدة من أبرز التحولات المجتمعية، والتي سيكون لها تأثير بالغ في البنى الأسرية والروابط بين الأجيال، فضلاً عن أسواق العمل والخدمات والإنتاجية، وضغوط سياسية واجتماعية كبيرة، وبخاصة في قضايا الهجرة ومسائل الهوية الوطنية والاستقرار.

كانت الهجرة، على سبيل المثال، إلى أوروبا في مراحلها الأولى، منذ بدايات القرن الماضي، من مستعمراتها في إفريقيا وآسيا والكاريبي، وذلك لتلبية حاجات التطور الصناعي والعمراني، وفي مراحل تالية، وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية، أضحت الهجرة إليها بقصد إعادة بناء ما دمرته هذه الحرب، ومواصلة التصنيع والتعمير، وفي إطار التنافس السياسي والقيمي والاقتصادي مع المعسكر الاشتراكي أثناء الحرب الباردة، فكانت برلين الغربية مثلاً هي نموذجاً جاذباً للمشروع الحضاري الغربي.

وتطورت نوعية المهاجرين، بعد سقوط الاتحاد السوفييتي، وتفكك منظومته في شرق أوروبا، ولقي المهاجرون من شرق أوروبا ترحيباً أوروبياً، وما زال هذا الترحيب قائماً وبشدة، أما موجات الهجرة القادمة من إفريقيا، ومن دول عربية عانت حروباً أهلية وإعاقات تنموية، وإشكاليات سياسية، فإنها لاقت صدّاً أو قلقاً لدى مجتمعات وقوى سياسية أوروبية، ورأت فيها تهديداً لهُويتها الوطنية. ومازالت حتى اليوم سجالات ومناقشات وحملات إعلامية تجري في عدد من المجتمعات الأوروبية، وبخاصة في أوساط اليمين والتيارات الشعبوية، حول تأثير هذه الهجرات، وسياسات الإدماج والهُوية الوطنية، وتساؤلات حول نصيب هؤلاء المهاجرين في هذه الهُوية، فضلاً عن قضايا ذات أبعاد هوياتية وقيمية وسياسية مثل «الإسلاموفوبيا».

ولعل ذلك يثير تساؤلاً يطلق عليه الفلاسفة مصطلح «شقاء الوعي»، فالأوروبي يريد أن يكون أوروبياً، (فرنسياً أو إيطالياً أو إنجليزياً..الخ)، وألا تضم هويته إلا نفسه وقيمه وتراثه، وفي الوقت نفسه يشعر بأنه لا يستطيع الاستغناء عن هؤلاء المهاجرين ولا يستطيع إسقاطهم من مكونات هوية بلده، ومن غير «الحضاري» أن ينكرهم بعد أن أصبحوا مواطنين بالهُوية الوطنية وبالجنسية القانونية.

في أزمنة الشيخوخة الديموغرافية القادمة، سيدخل الغرب في امتحانات عسيرة، وسيواجه تحديات كبرى، في معالجة هذه المعضلة، من بينها إشكاليات زيادة معدل المواليد، وتخفيض الدعم على وسائل منع الحمل، وإعادة النظر في قضية الثقافات القيمية التي لها مردود سلبي على المؤسسة الأسرية، ومنها أيضاً تحديات تزايد معدلات العلاقات الجنسية خارج إطار المؤسسة الزوجية، وشيوع ظاهرة الشذوذ والمثلية، وضرورة مساعدة الدول النامية على توفير فرص العمل فيها، وتحسين نوعية الحياة مما يقلص من الهجرة غير النظامية، وغير ذلك من التحديات ذات الصلة بالتنوع الثقافي، وتنامي التيارات اليمينية واليسارية.

وتشير دراسات حصيفة أخرى إلى أن الصين نفسها ستواجه هذه المعضلة أيضاً، حيث يتخطى الآن حوالي ربع سكانها عمر 65 عاماً، رغم إلغاء «سياسة الطفل الواحد» وتشجيع «سياسة الأطفال الثلاثة»، في إطار الحث على الإنجاب.

وفي اليابان أيضاً، تشير الإحصائيات الأخيرة الى أن نحو ثلث السكان يبلغ أعمارهم أكثر من 65 عاماً، وفي إيطاليا نحو ربع سكانها، وكذلك الحال في ألمانيا وفنلندا والبرتغال.

وفي ما يتعلق باليابان، فإن معضلتها تكمن في أنها اتبعت سياسة «الباب المغلق» أمام المهاجرين إليها، ربما انفتحت قليلاً على هجرة منتقاة أو مؤقتة، لكنها مازالت حتى الآن ترفض سياسة «الباب المفتوح» وتذكر إحصائياتها أنها لم تستقبل في العام قبل الأخير سوى نحو ستمائة مهاجر فقط، في الوقت الذي استقبلت فيه فرنسا أكثر من خمسين ألف مهاجر.

إن فكرة اليابان، كبلد متعدد القوميات، تكاد تكون شبه مستحيلة بسبب أن تقاليدها، ولغتها وثقافتها تجعل الوطنية منصهرة تماماً في قوميتها. وهذا الأمر متجذر تماماً في أعماق الشعور الوطني للياباني.

وقرأت على لسان مسؤول ياباني: «حينما تذهب المرأة إلى المستشفى لتلد طفلاً، فإننا جميعاً نعرف مقدماً أن ذلك الطفل سيكون أسود العينين، أسود الشعر، ولون بشرته لا يختلف كثيراً عن بشرة أي ياباني آخر».

أتوقع أن يسألني صديق، بعد قراءة هذا المقال، ماذا عن مجتمعات دول الخليج العربية؟ ما هي حالة الخصوبة، ونسبة الطلاق، وملايين العمالة المؤقتة والدائمة، وطبيعة التنمية المنشورة في المستقبل، و، و،و ..الخ؟

.......

تذكرت ما قاله المتنبي في بيت شعر شهير عن «شقاء الوعي»:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعمُ

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط