كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

شيرين نصرٌ متعددُ الجبهات وشهادةٌ تحاصرُ الاحتلالَ

شيرين نصرٌ متعددُ الجبهات وشهادةٌ تحاصرُ الاحتلالَ

تاريخ النشر: 2022-05-13 | 12:30

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

عربيةٌ فلسطينيةٌ هي شيرين أبو عاقلة، مقاومةٌ كسائر أبناء شعبها، ومرابطةٌ كأهلها على تراب وطنها، لا تميز نفسها عنهم، ولا تتعالى عليهم بجنسيتها الأمريكية ونجوميتها الإعلامية، ولا تنأى بنفسها عن قضيتهم، ولا تتخلى عن دورها بينهم.

تشاركهم الهموم والأحزان، وتشاطرهم الآلام والأوجاع، وتكابد وإياهم ويلات الاحتلال، وتعاني مثلهم من سياساته العنصرية وإجراءاته القمعية، ولا تشعر بأن مهنتها الصحافية تمنحها الحصانة، وتحميها من غدر الاحتلال وحقده، ولا تعتقد أن سترتها الصحفية وشارتها المميزة تحول دون استهدافها، وتمنع الاحتلال من قتلها.

وقد هيأت نفسها لمثل هذا اليوم واستعدت له، ودأبت في منشوراتها الخاصة وأحاديثها الشخصية تذكر أنها قريبة من الشهادة، وأنه قد يطالها ما طال أبناء شعبها، وقد كان ما توقعته، ووقع ما كانت تكتب عنه وتواجهه ولا تهرب منه.

إلا أن شهادة الإعلامية الفلسطينية المتألقة شيرين أبو عاقلة، التي استحقت بجدارة لقب "أيقونة الإعلام الفلسطيني المقاوم"، لم تكن شهادة عاديةً ولا تصفيةً عابرةً، بل غدت جريمة اغتيالها حرباً جديدةً ومعركةً كبرى، حقق فيها الفلسطينيون على العدو الإسرائيلي نصراً عزيزاً وفتحاً كبيراً، ولو أنه جاء بالدم القاني الطاهر، وبخسارةٍ كبيرةٍ لقامةٍ إعلاميةٍ وطنيةٍ عريقةٍ، صادقة اللهجة قوية العبارة، جرئية الجنان بليغة اللسان، واثقة الخطى سباقة إلى الواجب، تؤمن برسالتها وتضحي من أجل قضيتها.

دم شيرين المهراق على أرض الوطن فلسطين، قريباً من أرض البطولة والتحدي، وعلى مداخل مخيم الصمود والمواجهة، مخيم جنين الذي احتفى بشهادتها، ورفع جثمانها فوق الرؤوس وساماً، وطاف به رجاله في أرجائه تيهاً وفخاراً، وأقسموا وهي على أكتاف المقاومين عزيزةً، أن يواصلوا المسيرة، وأن يستكملوا المعركة، وأن يثبتوا أمام جنود الاحتلال ثباتهم أمامه أول مرةٍ، وأن يكبدوه خسائر أكبر، ويجبروه على دفع ضريبةٍ أكثر وجعاً وأشد ألماً، وهي التي هيأت نفسها للمشاركة فيها إعلامياً، وقد خطت صبيحة استشهادها كلماتها الأخيرة، داعيةً كل من أراد العزة والكرامة، وكل من يتطلع إلى النصر والمواجهة،أن ييمم وجه شطر جنين.

شيرين أبو عاقلة فضحت الاحتلال الإسرائيلي المفضوح أصلاً وعرته أكثر، وكشف أوراقه السوداء وسياساته الحمقاء أمام المجتمع الدولي كله، الذي لا تكاد توجد فيه دولةٌ واحدة لم تدن الجريمة وتستنكرها، فقد شجبت جريمةَ اغتيالها كبرى العواصم الدولية، وأصدرت أغلبها بياناتِ إدانةٍ لم تخلُ من عبارات الغضب ومفردات الإدانة شديدة اللهجة، وهو أمرٌ لم نعتد عليه في فلسطين، ولم نشهد مثله من قبل، ولكن دماء شيرين التي روت أرض فلسطين وجنين، كان لها من الخير والبركة ما يعم الوطن ويفيض على الشعب.

أجبرت شيرين المتلحفة بالعلم الفلسطيني، والمتزينة بثوبٍ مقدسيٍ مطرزٍ موشىً قشيب، العدو الإسرائيلي وهي جثةً ترقد في أحد مستشفيات مدينة القدس، على أن يخضع لقداسها وأن يتراجع أمام طقوس دفنها، فُرُفعَ العلم الفلسطيني رغم أنفه خفاقاً في سماء القدس، ورفرف فوق السواري والبيوت، وبقبضات الرجال وأيدي النساء، رغم محاولاته ثني الفلسطينيين ومنعهم من رفع علم وطنهم والتلويح به، إلا أن دم شيرين قهره وجثمانها هزمه، وأصر أبناء شعبها على الوفاء لها والانتصار لدمها وعدم خذلانها، فأعادوا علم فلسطين بجثمانها إلى سماء عاصمتها القدس.

كما أجبرته شيرين على أن تجري مراسم التشييع والدفن في مدينة القدس، مسقط رأسها وعاصمة بلادها، وأن تدفن في ثراها إلى جانب أبيها، وأن يشارك رفاقها وزملاؤها وأبناء شعبها في مراسم التشييع والدفن.

وأعلن أكثر من ثمانية عشر سفيراً أوروبياً عن نيتهم المشاركة في مراسم الدفن، الأمر الذي أغاظ سلطات الاحتلال وكبلهم، ومنعهم من استخدام القوة لتفريق المشيعين وإفساد مراسم التشييع والعزاء.

ولعل إعلان السفارة الأمريكية في القدس عن إمكانية مشاركة مندوبين عنها في التشييع، يعتبر سابقةً في تاريخها، وخطوةً قد يكون لها ما بعدها، خاصةً أن الإدارة الأمريكية ودول أوروبا يطالبون بإجراء تحقيق مسؤولٍ لكشف ملابسات اغتيالها.

نجحت شيرين أبو عاقلة في جمع كلمة الفلسطينيين وتوحيد صفوفهم، مسلمين ومسيحيين، فكما قرعت كنائس القدس وفلسطين أجراسها، فقد رفع الآذان وتهليلات الله أكبر في المسجد الأقصى ومساجد القدس وفلسطين، فيما بدا أنه أجمل تلاحمٍ وأوضح رسالةً إلى العدو الإسرائيلي وإلى العالم كله من بعده.

أثبتت شيرين بدمها أن شعبَ فلسطين شعبٌ واحدٌ، يجمعهم همٌ واحدٌ ومصيبةٌ واحدةً، وأنهم جميعاً يداً واحدة في مواجهة الاحتلال والتصدي له، وها هم جميعاً مسلمين ومسيحيين في شوارع القدس يتحدون جيش الاحتلال، ويتصدون لإجراءاته التي تحول دون مشاركتهم في وداع ابنتهم والسلام عليها، وإلقاء النظرة الأخيرة عليها.

شهادة شيرين أبو عاقلة موجعة مؤلمة قاسية، تدمي القلوب وتفجعها، وتفطر الأكباد وتفتتها، ولكن عزاءنا في شهادتها أنها قاتلت بدمها، وقاومت بجثمانها، وجعلت من شهادتها فتحاً قريباً ونصراً لشعبها وقضيتها مبيناً، ولا أظن أن الأيام القادمة ستطوي الجريمة، وستنسي الفلسطينيين ألمهم، بل إن مواراة شيرين الثرى سيبعث في شعبناً أملاً جديداً وعزماً كبيراً، أننا بالدم نقاوم وبه ننتصر، وأن عدونا أمامه ضعيف وبه ينكسر، وكما كانت شهادتها لشعبها نصراً ولقضيتها فرضاً، فإن جنازتها ستكون على العدو لعنةً، ودفنها سيكون لكيانه زوالاً ودفناً.

×
أخبار
تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط