كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صار للعيد مذاق آخر

صار للعيد مذاق آخر

تاريخ النشر: 2019-06-11 | 11:35

حين شربت قهوتي الحيفاويّة صباح الجمعة، فاجأتني زوجتي سميرة: ما دُمتَ مهتمًّا بما يكتبه السجناء وبأدب السجون، فلماذا لا تزور كميل وغيره ممّن يكتبون؟ راقت لي الفكرة وقرّرت فعلًا زيارتهم قُبيل عيد الفطر، وبعد التجربة شعرت بأنّ صار للعيد مذاق آخر.

منتصب القامة يمشي، غادرت حيفا السابعة والنصف صباح الاثنين،  عشيّة عيد الفطر، لزيارة أسير في سجن ريمون الصحراويّ. انتظرت في غرفة المحامين فأطلّ أحمد سعدات منتصب القامة. التقيته للمرّة الأولى، لا شعوريًّا وقفت لمصافحته وعناقه لكنّي شعرت فجأة ببرودة الحاجز الزجاجيّ الفاصل، رغم حرّ صحراء النقب، كان حديثنا عبر سمّاعة الهاتف الحديديّة  الصمّاء الجافّة.
تبادلنا أطراف الحديث فجاء مثقّفًا لأبعد الحدود، تحليلاته مدروسة ومنطقيّة، ملمّ بكلّ شاردة وواردة، بعيدة عن الشعاراتيّة، متجذّرة بأرض واقعنا المرير.

تحدّثنا عن الكتابة خلف القضبان، الأسير يكتب بمشاعره وأحاسيسه ويتوق لسماع صدى كلماته على أرض الواقع، عن أهميّة التعدديّة وضرورة النقد البنّاء والموجّه، عن الانقسام الفلسطينيّ المقيت، وأمور أخرى.

كلّمني بثقة، شموخ ومعنويّات ناطحت السحاب أثلجت صدري وأزالت عناء ومشقّة السفر... وجلافة السجّان.

حين غادرت جدران السجن وركبت السيارّة رافقتني كلمات سميح القاسم وصوت مارسيل خليفة:
منتصب القامة أمشي مرفوع الهامة أمشي، في كفّي قصفة زيتون وعلى كتفي نعشي وأنا أمشي
كعك العيد، تعرّفتُ إلى الأسير كميل أبو حنيش عبر رواياته التي تناولت بعضها، ورتّبت لزيارته قبل العيد.

أعدّت زوجتي سميرة علبة كعك وطلبت توصيلها لكميل.

وصلتُ سجن ريمون الصحراوي ساعات الصباح والتقيت حال وصولي بالأسير أحمد سعدات وكان عليّ انتظار نهاية طقوس عدّ الظهيرة للقاء كميل. طالت ساعات الانتظار لتزامن الأمر مع زيارة عائليّة، فضّلتُ الانتظار على حرمان أخيه فؤاد من رؤيته عشيّة العيد بعد طول انتظار.

واجهني بابتسامة عريضة وقبلات عبر "الحاجز الزجاجيّ" المقيت، كنتُ قرأت عنه الكثير واليوم أشعر ببرودته للمرّة الأولى. حقًا، كان صقيعًا رغم حرارة حزيران في صحراء النقب، فجاءتني ساعتئذٍ كلمات الراحل عبد الرحيم محمود التي تدعو  إلى الابتسام في وجه الحياة مهما كانت الصعاب:

        إن تَجِد بابَ الأماني مُغلقاً لا تُكشِّر أو تلُم من سكّرَه
        إنّ بوّابَ الأماني مرِحٌ يبغضُ اليأسَ ويخشى الكشَرَة
                             فتبسَّم يا عزيزي

تحدّثنا كثيرًا عن كتاباته ومشروعه الأدبيّ القادم، قتل فراغه بالقراءة والكتابة ليتغلّب على الفقد والحرمان واستبداد سجّانه. الابتسامة تلازمه كلّ الوقت متحدّثًا عن الجهة السابعة، الفصل الخامس والعين الثالثة، عن الانبعاث والأمل بالحريّة القادمة لا محالة رغم محكوميّته بتسعة مؤبّدات... سألني كميل عن شعوري ساعة لقائه فأجبته بعفويّة ما سمعته من جلال الدين الرومي: "ما ضرّك لو اطفأ هذا العالم أضواءه كلّها في وجهك ..ما دام النور في قلبك متوهّجا ".


أخبرتُه عن كعكات سميرة "المحجوزة" في غرفة الاستقبال فهي تخضع لفحوصات أمنيّة، إداريّة وقانونيّة  بخصوص إدخالها وإيصالها لك، وكم كانت حسرتي حين غادرت السجن وعلبة الكعك بيدي... والله حرام!!!

 فكّر بغيرك

إعتدت أن أبدأ كلّ عيد بزيارة الأهل، وأخواتي الأربع في القرية، وهذا العيد لن أزورهنّ  صباحًا بسبب زيارة عاصم. اتصلت بهنّ في طريقي لمعايدتهنّ وفكّرت بمعاناة عاصم ورفاق دربه خلف القضبان، لا يستطيعون معايدة الأهل أو لقياهم في عيدهم، يغيّب الموت أقاربهم وأحبّتهم دون وداع. تلقّيت 314 رنقيّة (رسائل نصيّة) معايدة عبر الهاتف خلال طريقي للُقياه ولم أردّ على أيّ منها لأنّ تفكيري انحصر بعزل عاصم. قبل يومين زرتُ الأسير كميل أبو حنيش وحين سألني عن مشقّة السفر من حيفا إلى سجن ريمون أجبته: "الوييز خفّفها" وتبيّن لي أنّه لم يسمع بتلك التقنيّة التي جاءت لهذا العالم بعد سجنه! فكيف لي أن أشرح لعاصم عجائب وغرائب المعايدات الواتسبيّة؟!؟

264 كم من حيفا إلى جحيم أنصار 3 الصحراويّ كلّها تفكير بعاصم ورفاق دربه، وعاصم يفكّر بوالدته التي بدأت رحلتها المنتظمة إلى السجون لتزور أبناءها الخمسة لترحل فجر عيد الفطر الجريح  28 تموز 2014 في ذروة العدوان الإسرائيليّ على غزّة... وهي بانتظار عاصم! لم تحظ بدمعة فرح في مقلتيها ساعة عناق  نجلها محرّرًا... فاض نهر أحزانها ولم يعد قلبها يحتمل مرارة أكثر، شقّت الأحزان جدول يوميّاتها ورسمت خارطة حياتها.

حُرِم عاصم من عناق والدته، رحمها الله، ومعايدة أخواته، خطيبته وذويه وأحبّته، فكيف لنا أن نُعيّد دون التفكير بغيرنا؟ بعاصم ورفاقه خلف القضبان؟

في طريق عودتي جاءتني كلمات محمود درويش فسمعت قصيدته "فكّر بغيرك" عشرات المرّات علّها تكون شعارنا:

" وأنتَ تُعِدُّ فطورك، فكِّر بغيركَ                لا تَنْسَ قوتَ الحمام
وأنتَ تعودُ إلى البيت، بيتكَ، فكِّر بغيركَ     لا تنس شعب الخيامْ
وأنت تنام وتُحصي الكواكبَ، فكِّر بغيركَ     ثمّةَ مَنْ لم يجد حيّزاً للمنام
وأنت تفكر بالآخرين البعيدين، فكِّر بنفسك    قُلْ: ليتني شمعةُ في الظلام"

حيفا   5 يونيو 2019
لكم أعزّائي أحمد، كميل وعاصم أحلى التحيّات. الحريّة لكم ولجميع رفاق دربكم من أسرى الحريّة، وكلّ عام وأبناء شعبنا بألف خير.

الأسير أحمد سعدات من مواليد 1953، من بلدة دير طريف في الرملة، حكمت عليه المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة يوم 25 كانون الأول 2008 بالسجن 30 عامًا.

*** الأسير كميل أبو حنيش من مواليد 1975، من قرية بيت دجن، أُعتقل يوم 15 آذار 2004، حكمت عليه المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة بالسجن تسعة مؤبدات.

*** الأسير عاصم الكعبي من مواليد 1978، من مخيم بلاطة، حكمت عليه المحكمة العسكريّة الإسرائيليّة يوم 04 نيسان 2004  بالسجن 18 عامًا.

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط