كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صحافة (تجفيف) العواطف! 

صحافة (تجفيف) العواطف! 

تاريخ النشر: 2022-08-17 | 13:01

سأظل أذكر قصة الباحثة والصحفية السويدية التي زارتْ قطاع غزة عام 2001م لتنجز رسالة ماجستير في جامعة، أوبسالا العريقة عن النساء الفلسطينيات، رافقتُ هذه الباحثة إلى منزل إحدى أمهات الشهداء، وهي أم لشهيدين، الشهيد الثاني كانت قوات الاحتلال قد قتلته منذ يومين في ذلك الوقت، كانت الأم تقدم شرابا للمعزيات وهي تزغرد وسط النساء، وتشير إلى صورة ابنها الشاب المعلقة، وهو يرتدي زيا عسكريا، ويحمل رشاشا!

كانت مفاجأة لهذه الصحفية التي لم تعتد أن تشاهد هذا المنظر، قالت: ألهذه الحال وصلتْ أمهات فلسطين، أن يُبدلن الحزنَ فرحا؟! اعتقدتُ أنها تشجع ذلك، كانت ترغب في أن تكتب تفسيرا على لساني حينما قلتُ لها: "إن الفَقدَ غالٍ لا يظهر بعد يومين أو ثلاثة، بل يظهر بعد رحيل المعزين، حينئذٍ تتفجر عواطف الحزن، وتفيض مخزونات الألم"!

قالت: "إن حزن الأم على فقدان الابن مقدسٌ، يُظهر نُبل العاطفة، ويؤثر في المحيط أكثر بكثير من (ادعاء) الفرح، لأن معظم الصحفيين في بلادنا لا يمكنهم فهم هذه الصورة، إذ أن كثيرين يربطون صور الأم، بما يتردد على ألسنة كثير من الأوروبيين أنّ العرب والمسلمين (حجريو) العواطف، أي أنهم عنيفون يشبهون جمل الصحراء، هذا ما اعتدنا على سماعه منذ نشأتنا، وهذا أيضا يُعزز ادعاء الإسرائيليين أنهم يحاربون الفلسطينيين الذين لا يملكون حتى عواطف الألم لفقد الأبناء، لماذا تُعلق الأمُ صورةَ الابن الشاب وهو في لباس عسكري، وليس في لباس مدني احتفالي بمناسبة سعيدة لأن ذلك أكثر تأثيرا في النفوس؟!" 

وفي هذا الإطار، اعتاد كثيرون من الصحفيين أن يُفضلوا (الخبطة) الصحفية على مضمون القصة الإخبارية، وبخاصة في قضايا الأطفال الفلسطينيين، فما أكثر الصور الصحفية للأطفال وهم مصابون بجروح وبتر للأقدام والأرجل وهم يرقدون في أسرة المستشفيات، حين تداهمهم عدسات الكاميرات، وتلتقط صور الجروح والبتر، وتنظم معهم لقاءات صحفية، وتسألهم وكأنهم مختصون في شؤون الحرب والسلام، يسألونهم عن آرائهم، وعن نصائحهم، وعن رسالاتهم للعالم، متناسين أن هؤلاء عندما يكبرون ستظل هذه الصور تطاردهم مدى الحياة، ولن ينسوا هذه الصور، مما يؤثر سلبا على نفسياتهم، وهذا ما يتعارض مع أبسط قوانين الصحافة!

كتبت عام 2006 عن حادثة استشهاد أسرة بكاملها على شاطئ بحر غزة بقذيفة مدفعية، بقي من الأسرة ابنة صغيرة تعرضت هذه الابنة الصغيرة إلى حملة صحفية واسعة، استضافوها في قناة فضائية مشهورة، وكان معهم طبيب نفسي، وصف إصابة الطفلة بما بعد الصدمة، وأنها تبول في ثيابها أثناء النوم، وهي عاجزة عن الحديث، سألتها المذيعة حتى عن مصدر القذيفة التي أصابت عائلتها، كتبتُ نقدا لهذا البرنامج لأنه يمس بنفسية الطفلة حين تكبر! إن نزع الطفولة من الأطفال لا يُبرره الادعاء بأن الهدف خدمة القضية الوطنية! كما أن نشر صور الأطفال ووجوههم ملطخة بالدم، وتركيز الصور على الجروح والإصابات وإلباسهم الزي العسكري لا يُحدث الأثر المطلوب ولا يعزز الرواية الفلسطينية، بقدر ما يصب في مجرى الدعاية المغرضة، وهي أن الفلسطينيين قساةٌ لا يهتمون بمستقبل أطفالهم، وصحتهم النفسية!

كلنا يعرف بأن في وطننا فيضا هائلا من خريجي الصحافة والإعلام، يضاف لهم هواة التقاط الصور، هذا الفيضان غير المنظم، أصبح مشكلة فلسطينية حقيقية، ظهرتْ خلال الأزمات والحروب! قال أحدُ المسعفين عقب عملية اغتيال الشهداء في غزة يوم 7-8-2022م: "كان الصحفيون هم مشكلتنا ونحن ننقذ الجرحى والمصابين، فقد كانوا يعرقلون عملنا، كانت الصورة عندهم أهم بكثير من الإنقاذ، لدرجة أنني دفعتُ أحدهم بقوة لأبعده عن سرير نقل المصابين!"

أخيرا، هل يجب على الفلسطينيين أن (يُجففوا) عواطفهم الفطرية؟ وأن تُعزِّزَ الصحافةُ هذا التجفيف؟ وهل هذا التجفيف يُعزز النضال ضد الاحتلال، ويسهم في حشد المناصرين والأصدقاء؟! أم أنَّ إبراز العواطف الفطرية العفوية يقوي نضالنا باعتبارنا بشرا أصحاء، نفرح في مناسبات الفرح، ونحزن في المآسي، أي أننا نشارك الآخرين في (الإنسانية)؟!

 تذكروا أنَّ صور العواطف الفطرية الصادقة الجياشة، تؤثر في العالم بلا ترجمة أو لغات!

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط