كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء "1"

صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء "1"

تاريخ النشر: 2022-01-14 | 15:36

صعد نجم صحراء النقب وسما في الأيام القليلة الماضية، وُسلِّطت عليها الأضواء الإعلامية، وإليها شدَّ الرحالَ الإعلاميون والسياسيون، والمتعاطفون والشامتون، والمعتدلون والمتطرفون، والمؤيدون والمراقبون، ومن قبلهم سبق إليها الشرطة والعسكر، وقادة الجيش وأعضاء الحكومة الإسرائيلية، فتحولت بلداتها الصغيرة إلى ما يشبه الثكنات العسكرية، وبات جيش الاحتلال يجوس فيها ويخرب، ويهدم ويدمر، ويهدد بالمزيد ويتوعد بالأسوأ.

وإلى جانب جنود الجيش وقف رجال الشرطة يدققون في محاضر الهدم، ويشهدون على عمليات الجرف، ويدفعون من يعترض، ويعتقلون من يقاوم، ويقتلون من يعلو صوته ويهدد، وقد صاحبتهم جرافاتٌ ضخمة وشاحناتٌ كبيرة، عمياء تدوس، وكالفيلة تخوض، فما أبقت جداراً قائماً، ولا بيتاً عامراً، ولا أسرةً مجتمعة، واغتالت بجرائمها البسمة وقتلت الفرحة وخمدت الضحكة، وتسببت في سكب الدموع وآهة الصدور وكسر القلوب.

أحاول هنا على حلقاتٍ في ظل الأحداث المأساوية التي يمر بها أهلنا في النقب، أن أسلط الأضواء عليه ما استطعت، مبيناً هو النقب، وما هي صحراؤه، ومن هم أهله وسكانه، وعمَّاره وأصحابه، وماذا يواجه ومن يواجه، وهل يصمد ويتحدى، أم يسقط وينهار.

تغطي صحراء النقب الجنوب الشرقي من فلسطين، وتزيد مساحتها قليلاً عن نصف مساحة فلسطين التاريخية، إذ تبلغ مساحتها 14.000 كيلو متراً مربعاً، وهي تشكل امتداداً لشبه جزيرة سيناء المصرية، وتكاد تتشابه معها في الطقس والطبيعة الجغرافية، وترتبط معها بشريطٍ حدودي يتجاوز المائتي كيلو متراً، الأمر الذي أدى إلى اختلاط السكان وانسياحهم بين النقب وسيناء، حيث كانت قبائلهم وعشائرهم قبل العام 1948 واحدة، تتوزع بين مصر وفلسطين، ولا تعترف بحدودٍ ولا تلتزم بسيادة، بل تعتبر أرضها واحدة، وتجيز لنفسها حرية الانتقال من جانبٍ إلى آخر ومن بقعةٍ إلى أخرى، وهو الحال الذي ورثته عن الحكم العثماني للمنطقة، الذي كان يعتبر النقب وسيناء صحراءً واحدة.

مناخها صحراوي جافٌ تعوزه الرطوبة، ونهارها حارٌ جداً يصل إلى الخمسين درجة أحياناً، وليلها باردٌ نسبياً يلامس السبعة درجاتٍ، وأمطارها قليلة ومتفرقة، ورياحها محملةٌ غالباً برمالٍ صفراء ناعمةٍ، وأرضها المزروعة قليلة، وأشجارها المثمرة معدودة، جعلت بلداتها متفرقة وقراها متباعدة، وسكانها يتنقلون تبعاً للماء والكلأ.

لكن مدينتها التاريخية وعاصمتها الشهيرة بئر السبع، تخالف صحراءها أحياناً لجهة الحرارة والأمطار، والأشجار والثمار، فيبدو طقسها وسط الصحراء معتدلٌ، وأمطارها معقولة، وأشجارها وفيرة وكثيفة، وثمارها كثيرة ومتنوعة، وفيها كان يقيم أكثر سكانها.

لكن بلداتها إلى جانب مدينة بئر السبع كثيرة، وإن كانت أصغر منها مساحةً وأقل سكاناً، إلا أنها كثيرة ومتنوعة ومنها رهط وهي المدينة الثانية في صحراء النقب، وعررة وتل السبع وعراد والكسيفة، وتل عراد وحورة واللقية وأم حيران، وغيرها الكثير من البلدات الكبيرة، والقرى الصغيرة والتجمعات المتناثرة والمتباعدة، التي تشكل بمجموعها النسيج العربي للنقب، وتحافظ بعاداتها وتقاليدها ولسانها على الوجود الفلسطيني الأصيل فيه، وتضرب بجذورها في عمق الأرض، وتعيش وسط المحن والصعاب كالصبار وسط الصحراء، يكفيه الندى ولا يقتله العطش، ويصبر سنين طويلة على جفاف الأرض وشح السماء.

يُشهَدُ لأهل النقب، وجلهم من العرب البدو، أنهم حافظوا على أرضهم، وتمسكوا بديارهم، ولم يغادروا بلداتهم وقراهم وتجمعاتهم السكنية، وبقوا متمسكين بترابهم الوطني، لم يغادروه رغم قسوة الظروف، ورعونة الاحتلال، وجور سلطته وعسف قراراته، ومحاولاته المستمرة اقتلاعهم من أرضهم، ونفيهم خارج حدود بلداتهم، والتضييق عليهم وسحب هوياتهم منهم، وتجريدهم من حقوقهم وامتيازاتهم، وهدم بيوتهم وتجريف قراهم، أو تجويعهم وتعطيشهم، ومصادرة أرضهم ومنعهم من الاستفادة منها، وحرمانهم من حرفة الرعي التاريخية ومنعهم من ممارستها، فضلاً عن إقدامهم غير مرةٍ على تسميم مواشيهم أو إطلاق النار عليها بقصد قتلها، أو ترويعهم وإياها ليغادروا المراعي، ويتخلوا عن الأراضي التي اعتادوا على ممارسة مهنة الرعي فيها.

ما زال أهلنا العرب البدو في صحراء النقب يحافظون على لهجتهم الأصلية، وكلماتهم القديمة الموروثة، يتقنونها ببراعةٍ، ويحافظون عليها بأصالةٍ، ويتمسكون بها باعتزاز، ويتحدثون بها بفخرٍ، ويورثونها أولادهم كدينٍ وعقيدةٍ، فلا يبدلونها بالكلمات الحضرية، ولا باللهجات المدنية، ويعود من اغترب من أبنائهم وجال من سكانهم إلى بلداتهم الأصلية، يتحدث بلهجتهم البدوية التي لا عوج فيها ولا انحراف، إذ حافظوا على استقامة ألسنتهم وذلاقتها، وبلاغة كلماتهم ومتانتها، فبقيت الكلمات البدوية الصحراوية الخشنة كما هي، لم تغيرها السنون، ولم تؤثر فيها الغربة، ولم تبدلها القناعات والاعتداءات ومحاولات الهيمنة والسيطرة، رغم أنهم يتقنون العبرية ويتحدثون بها، وبعضهم يتقن الإنجليزية ويبرع فيها.

أما الأزياء البدوية الفلسطينية الأصيلة الجميلة فقد حافظت على أصالتها، وبقيت على فرادتها، تتزين بها المرأة العربية البدوية، وتتيه بها أمام النساء وتفخر، فأثوابهن زينة، وتطريزها صنعة، وألوانها بديعة، وأنواعها عديدة، وأشكالها كثيرة، وأسعارها عالية، وكلفة حياكتها وتطريزها كبيرة، تلبسها الفتيات والشابات، وتحرص على اقتنائها النساء، وتحملها العروس مع كسوتها وزينتها إلى بيت الزوجية، إذ بها تكتمل الكسوة وتزدان العروس، ولا يكاد يخلو بيتٌ من بيوت النقب، من هذه الأثواب القشيبة، الغالية النفيسة، التي يقبل على شرائها الزوار، ويقتنيها عامة الفلسطينيين.

رغم أنها صحراء قد تبدو قاحلة، وأرضٌ قفرٌ جرداء لا خضرة فيها، ولا خيرات طبيعية تسكن جوفها، ولا حياة صاخبة تعمرها، ولا سكان يرغبون فيها، ولا نفوس للمتعة تهوي إليها، ولا قلوب تشتاق إليها وتتعلق بها، ولا مقدسات تهفو قلوب المؤمنين إليها، إذ هي صحراء كبيرة تمتد رمالها الصفراء، وتسطع شمسها الحارقة، وتغيب عنها حيوية النهار وجلبة العمل، وسمر الليالي وصخب السهر.

إلا أنها تبقى صحراء فلسطين الشهيرة، ونقبها الأغر، وفضاؤها الفسيح، وأفقها الممدود، وتبرها النفيس، ومعدنها الأصيل، وذهبها الأصفر، وهويتها القديمة، وانتماؤها العربي النقي الأصيل، فيها أصولنا العربية تلتقي، وإلى بطونها القبلية والعشائرية عائلاتنا تنتمي، فتستمد منها القوة، وتشعر معها بالعزة.

سلاماً وتحيةً لأهلنا في النقب، المرابطين البواسل، القابضين على جمر الحق، والمتمسكين بنواصي العدل، أبناء قبائلنا العتيدة وعشائرنا المجيدة، قبائل الترابين والسعيدين والحناجرة والظُلام والتياها والعزازمة والقديرات والجبارات وغيرهم، ممن يعمرون صحراء النقب، ويحافظون على هويتها الفلسطينية العربية الإسلامية، ويصبغون بها وجوههم، ويلونون بها سحناتهم، ويعربونها بألسنتهم، فهيا نفتح على حلقاتٍ دفاترهم، ونقرأ أسفارهم، ونتعرف على الغريب في كتابهم، والجديد في حياتهم، والعظيم في سيرتهم، والبطولة في رجالهم، والحزين في أيامهم، والمحنة في زمانهم.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط