كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء "5"

صحراء النقب الثائرة فلسطينية الهوية وعربية الانتماء "5"

تاريخ النشر: 2022-01-23 | 18:38

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

أهلنا في النقب عربٌ أقحاحٌ، وبدوٌ كرامٌ، وفلسطينيون أصلاء، ما زالوا على أصالتهم القديمة، وفطرتهم الصادقة، وطهارتهم الصافية، ونقائهم الأصيل، وخلقهم النبيل، يحافظون على بساطتهم وتواضعهم، وكرمهم وسخائهم، وحبهم للضيف وترحابهم بالغريب، وإغاثتهم الملهوف وعونهم المحتاج، ويحرصون على حفظ موروثاتهم القديمة، وعاداتهم الأصيلة، وتقاليدهم الخاصة، وقيمهم الدينية وتعاليمهم الإسلامية، التي بها يتميزون ويفتخرون، وعليها يصرون ويتواصون، وبها يغيظون العدو ويزعجون، ويتمسكون بها ويصمدون، فهي والأرض أساس وجودهم وعماد ثباتهم، وقد أثبتت السنون والأحداث، والتحديات والصعوبات، أنهم أقوى منها وأثبت، وأكثر رسوخاً في الأرض وأعمق جذوراً فيها.

أهلنا في النقب يعشقون مضارب العشيرة، والخيام وبيوت الشعر، ويتمسكون بحرفة الرعي وتجارة الأغنام، ويحرصون في كل قبيلةٍ على سرادق الضيافة، وخيمةٍ كبيرة يستضيف فيها شيخ العشيرة ضيوفه، ويلتقي بها مع أهل عشيرته، يتقدمها "كانون النار"، وفوقه "البكرج"، يحمله بين الحين والآخر صباب القهوة مرحباً بالضيوف ومؤهلاً بهم، و"الهاون" الذي به يسحنون قهوتهم دقاً بـــ"المهباش"، وما زال الحبل والبئر، والجرة وجراب الماء، والبعير والماعز والأغنام، وحليب النوق والماعز وساعات الصباح، والنار المشتعلة ومواقد الحطب، وأفران الطين وخبز الطابون، وغير ذلك مما اعتاد البدو على الاحتفاظ به واقتنائه، وهم على يقين ببقائه، ما بقيت شمسهم تسطع، وربابتهم تصدح، والماء من آبارهم ينضح.

عشائر العرب في النقب كبيرة وكثيرة، تنتشر على كامل تراب الصحراء الأصفر الممتد، وتمتد إلى صحراء سيناء المصرية، ولها بطونٌ وأتباعٌ وأبناءٌ في قطاع غزة، وما زال شيخ العشيرة هو سيد القوم وكبيرهم، وزعيمهم الذي لا يتقدم عليه أحد، ولا يرد أو "يكسر" كلمته أحد، فهو الآمر الناهي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة، وعلى الجميع أن يصغي إليه ويسمع، وأن يطيع ويخضع، وهو الذي يجمع رجال عشيرته في سرادقه الكبير وخيمته الواسعة، وفيها تشتعل النار وتوقد الكوانين، وتعلق البكارج وتصب القهوة، ويدور الساقي على الرجال يقدمها، في طقوسٍ عربيةٍ أصيلةٍ، وشيقةٍ جميلةٍ، يعتز بها البدو ويفتخرون، ويحرص الفلسطينيون عموماً من أهل الحضر والمدن وسكان القرى والبلدات على تقليدهم.

والويل كل الويل لمن يخرج من البدو عن الطاعة، ويخالف شيخ العشيرة ويعصي أمر زعيمها، أو يشق عصا الجماعة ويخالف قرار القبيلة، أو يأتي بفعلٍ شائنٍ وعملٍ غير لائقٍ، فإن لعنة العشيرة وغضب القبيلة ينصب عليه، ويصبح ملعوناً مطروداً، لا يحدثه أحدٌ، ولا يخاطبه أو يساعده، ولا يزوجه أو يصاهره، وقد تشتد العقوبة وتقسى إذا أصدر شيخ لعشيرة إلى ذوي العاصي المخالف بمقاطعة ابنهم، وعدم السماح له بالدخول إلى بيتهم، أو الاجتماع بأهله وأولاده، حتى يأذن له شيخ العشيرة ويسمح له، ما لم تعلن العشيرة البراءة منه والتخلي عنه، وعدم الاعتراف به أو العفو عنه.  

يملك البدو في صحراء النقب بيوتاً عصريةً، ومباني جميلةً، وإن كانوا يحتفظون بالخيام وبيوت الشعر، التي تصلها الكهرباء، وتزود بخدمات الانترنت والصحون الفضائية اللاقطة، التي يشاهدون من خلالها مختلف المحطات التلفزيونية المحلية والعربية والدولية، وينشطون بهواتفهم النقالة الحديثة على مختلف وسائل التواصل الاجتماعي، ويتناقلون خلالها أخبارهم، ويوجهون دعواتهم، ويذكرون بمناسباتهم، ويتبادلون التهاني والمباركات، ويعممون تعليماتهم والتزاماتهم، وغير ذلك مما يجعلهم جزءً من المجتمع الحضاري، وبعضاً من نسيجه الحديث، الذي يستفيد من كل التقنيات الحديثة والتكنولوجيا المتطورة.

لكن بيوت الشعر والخيمة، والجلابية والعقال، والثوب المزركش والزنار، والمضارب والربابة، وخضاضة اللبن "السعن" وقربة الماء الجلدية، والأغنام والمرعى والكلأ، والحمير والبغال والدواب، والنوق والجمال والدواجن، علاماتٌ بارزةٌ في حياة أهل النقب، وحاجاتٌ ضرورية ولوازم معيشية، لا يستغنون عنها ولا يفرطون فيها، ولكنها وإن دلت على القديم، وأشارت إلى الماضي، فإنها لا تمنعهم أبداً عن مواكبة العصر ومتابعة التطورات، ومسايرة الموضة والاستفادة من التقنيات، واستخدام أجمل العطور وأطيبها، وأكثرها شهرةً وأغلاها ثمناً، والظهور بأشكالٍ أنيقة والتعامل بصورةٍ حضارية تتوافق مع العصر والزمان، ولا تتناقض مع التطور والحداثة، ولا تتصادم المجتمع وتتعارض من البيئة.

أما المرأة البدوية ابنة النقب، ساكنة الخيمة وراعية الغنم، فقد يظن البعض أنها أميةٌ جاهلةٌ، وأنها لم تتعلم ولم تتثقف، وأنها بقيت حبيسة البيت ورهينة القبيلة، تحكمها طبائع العشيرة وتقيدها تقاليدها القديمة، وأنها تتلفح البرقع وتتخفى خلف ثوبها، الذي لا يظهر منها شيئاً ولا يشي بطبيعتها لأحد، ولكن الحقيقة التي نراها بأم العيون تقول أن المرأة البدوية الفلسطينية ثائرة كالرجال، ومنتفضة ضد الاحتلال، وأنها مربية الأجيال وأم الأبطال، وهي متعلمة ومثقفة، وتتقن إلى جانب لغتها العربية الفصحى البليغة، لغاتٍ أخرى كالعبرية والإنجليزية، وتحسن الحديث بطلاقة، وقد أظهرتها وسائل الإعلام تتحدث باللغة الانجليزية بطلاقةٍ وجرأةٍ وتحدي، وتحسن التعبير بها عما تريد وبما تعاني.

وهي المرأة نفسها التي تعتني بنفسها وتهتم بجمالها، وتتأنق بلبساها، وتحرص على أثوابها القشيبة وملابسها المطرزة الجميلة، التي تظهر قدها، وتبدي حسنها، وتميزها عن بنات جنسها، ويتنافس الرجال على خطبتها والاقتران بها، لجمالها ونسبها، ولسانها وعلمها، ولعل الأفراح وحفلات الزواج التي يعقدها البدو في مضاربهم، في سرادقات ضخمة للرجال وأخرى للنساء، يدعون إليها جميع أبناء العشيرة والقبيلة، ويبالغون في مظاهر الفرح والسرور، بإطلاق النار في الهواء، وعقد حلقات المبارزة بالسيوف، وأخرى للدبكات الشعبية والرقصات الفولوكلورية، التي ورثوها عن آبائهم وتميزهم عن غيرهم.

وفيها يذبحون مئات الذبائح من الإبل والغنم، ويولمون أعظم الولائم، يدعون إليها القريب والغريب، والضيف ومار الطريق، ليشاركوهم الفرحة، ويكونوا معهم في فرحتهم التي يعدون لها أشهر طويلة، وينفقون فيها أموالاً طائلة، وما زال أبناؤهم يتغنون بحفلات زواجهم، ويتباهون بأيام احتفالاتهم، ويعلمون الأيام ويميزونها بمثل هذه الأيام العظيمة، وعليها وغيرها من عاداتهم الأصيلة وخلالهم النبيلة، سيحافظ أهلنا النقبيون حتى يستعيدوا ووطنهم العزيز فلسطين الحرية والعزة والكرامة والتحرير والاستقلال.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط