كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صعود المسيحية السياسية في لبنان وهبوطها

صعود المسيحية السياسية في لبنان وهبوطها

تاريخ النشر: 2019-07-28 | 11:29

حازم صاغية
حازم صاغية

إبّان الحرب العالميّة الثانية، مالت عواطف المسيحيين اللبنانيين إلى «فرنسا الحرّة» وديغول. القوميّون العرب والقوميّون السوريّون تعاطفوا مع حكومة فيشي.

تلك كانت إشارة إلى أنّ وعي المسيحيين اللبنانيين كان لا يزال أميناً لمحطّتين تقدّميّتين سابقتين: الأولى ما عُرف بـ«النهضة العربيّة»، اللغويّة والثقافيّة، التي بدأت أواخر القرن التاسع عشر في جبل لبنان. والثانية إنشاء «لبنان الكبير» في 1920، كإدراك مبكر لضرورة الدول - الأمم بعد انهيار الإمبراطوريّات.

ذاك السجلّ لم يكن عسلاً خالصاً: تعدّديّة الكيان الوليد لم تقم على المساواة بين مُكوّناته، والإحياء الثقافي مارس التمييز الذي كرّسته مناهج التعليم، لصالح المسيحيين. لكنّ الماضي لا يُحاكَم بمعايير اليوم، والأهمّ أنّ الأمور أوحت أنّها مُشرَعة على احتمالات: السياسة في الجبل، وفي لبنان، استقطبت الطوائف والجماعات ذات الانشقاقات المُركّبة: مسيحيّون ودروز ومسلمون يؤيّدون بشارة الخوري أو إميل إدّه أو لاحقاً كميل شمعون. الرأسماليّة، في عهد شمعون، خصوصاً مع فؤاد شهاب، جعلت تتوسّع نحو الأطراف، حاملة طرقها ومدارسها وكهرباءها. وإذ تنامى التسليم الإسلامي بلبنان وانكمش المطلب الوحدوي إلى مطلب «المشاركة»، لاقاهم المسيحيّون بالإصرار على علاقات عربيّة قويّة، أقلّه حرصاً على اقتصاد الوساطة والخدمات. شمعون، أبرز زعماء تلك الحقبة، كان «عروبيّاً» بالمعنى الذي كانه شكري القوّتلي أو نوري السعيد. أمّا حيال إسرائيل، فتبنّت صيغة «الهدنة» و«المقاطعة» الموقف العربي الذي يصون الحدود اللبنانيّة. «العرب» لم يكونوا حينذاك معنى مضادّاً لـ«الغرب».

والداخل بدا على العموم معقولاً. في 1952 نشبت «ثورة بيضاء» أظهرت الاحتمالات الخصبة للتغيير السلميّ. وفي الحرّيّات والاقتصاد والتعليم، تقدّم لبنان أشواطاً على جوار يحكمه العسكر.

رياح السموم هبّت، من السويس، في 1956: إنّه التهديد الناصري وحرب 1958 الأهليّة بعد أشهر قليلة على وحدة مصر وسوريّا. شمعون كان زوّر انتخابات 1957 كي يجدّد لشخصه ونهجه، وبدا أنّ شيئاً أساسياً في التعاقد الوطني قد انكسر. ذاك أنّ العروبة لم تعد ثقافيّة بل صارت سياسيّة، ولم تعد عنصراً لتوطيد الدول بل باتت أداة لتصديعها. هكذا غلب شعورٌ بالحصار عزّزه لجوء مسيحيين من مصر وسوريّا والعراق، وانتقال رساميل لمسيحيين وغير مسيحيين هربوا من التأميمات.

الصورة كما ارتسمت للبنانيين كثيرين كانت صورة للحرية مقابل السجن، مستلهمة حال أوروبا الديمقراطيّة حيال «الستار الحديديّ». المثقّفون السوريّون الذين عارضوا الناصريّة والعروبة العسكريّة، أو آثروا التجريب في الكتابة واللغة، أو الخروج على المألوف والمقدّس، كانت بيروت وجهتهم. وفي 1963 كان «التقدّمي الاشتراكيّ» كمال جنبلاط، كوزير للداخليّة، مَن منع رقصة «التويست» لـ«خلاعتها»، وطرد المطرب الفرنسي جوني هاليداي.

مع هذا، لم تستنفد المسيحيّة اللبنانيّة المرضوضة أدوات تكيّفها مع الحقبة القوميّة العسكريّة. هكذا كانت المقايضة الشهابيّة: نقلّم الحرية لنحظى بالاستقرار. وإذ سقطت الناصريّة في 1967 خرج المكبوت المسيحيّ، مدفوعاً بالفعل وردّ الفعل، بأسوأ مما حصل في تزوير انتخابات 1957: تعبئة طائفيّة في انتخابات 1968، ثمّ استدراج العمق الريفي إلى الرئاسة ممثّلاً بسليمان فرنجيّة. والحال أنّ الطوائف بذاتها تنتج الرديء كقاعدة، والمفيد كاستثناء. وكي تنفّذ هذه المهمّة الأخيرة ينبغي أن تكون واثقة بنفسها وبالعالم المحيط. هذا بات عملة صعبة في 1970.

الضربة التي لا قيامة بعدها كانت التسلّح الواسع الذي انفجر في 1973 حرباً صغرى مهّدت لحرب 1975، القيادة صارت للمحاربين وللأرياف. بشير الجميّل، كقائد ميليشيا، قضى على آخر احتمال لتحوّل «الكتائب» حزباً مسيحيّاً ديمقراطيّاً. وجهٌ كريمون إدّه، عدوّ العنف الذي يضع «الندى في موضع السيف»، بات مستحيل التكرار. حرب الجبل جاءت كارثيّة بكسرها العمود الفقري للمسيحيين، وللبنان أيضاً. حروبهم فيما بينهم، وتوطّد نظام الوصاية السورية، وهجرة شبّانهم وتعاظم الاختلال الديموغرافي لغير صالحهم، كلّها عزّزت الشعور بالحصار حتّى صار هذائيّاً. «المؤامرة» أطبقت ووزّعت قادتهم بين السجون والمنافي: للضبّاط السوريين السلطة. لرفيق الحريري الاقتصاد. لـ«حزب الله» الحرب والسلم. لنا الله!

الانسحاب السوري لم يحلّ المشكلة: نشأ التحالف الرباعي في 2006، وراح «14 آذار» يتداعى. وما بين شعور بفقدان البلد و«استعادة» جلفة له، صعدت العونيّة معبّرة عن القيم الأكثر محافظة، والوطنيّة الأكثر قوميّة وشكليّة فيما تضخّم جيبها العنصريّ. عنف بشّار الأسد وما أدّى إليه من لجوء سوري كثيف، و«داعش» وأهوال مسيحيي المنطقة، ترافقت مع ازدهار الشعبويّة في العالم بوصفها أملاً للمحبَطين. الغرب، وهو «النموذج الحضاريّ»، بات من مسارح الازدهار هذا.

تردّي المنطقة على أصعدة أخرى فعل فعله أيضاً. بيروت هاجت لأنّ برنامجاً تلفزيونيّاً قلّد حسن نصر الله، وهو ما تكرّر في 2013، والمسيحيّون الذين كانوا تقليديّاً يتجاوزون قليلاً على «المعتقدات» كما يغضبون قليلاً لأجلها، صاروا، هم أيضاً، يغضبون كثيراً.

وفي هذا كلّه، كان عبد الناصر وحافظ الأسد وياسر عرفات والخميني وأبو بكر ناجي شركاء لجبران باسيل وعبدو أبو كسم. هذا ما لا يُرى دائماً بوضوح كافٍ.

عن الشرق الأوسط اللندنية

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط