كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صفحاتٌ من الحربِ الروسيةِ الأوكرانيةِ (7) مصالحُ الدولِ وأماني الشعوبِ

صفحاتٌ من الحربِ الروسيةِ الأوكرانيةِ (7) مصالحُ الدولِ وأماني الشعوبِ

تاريخ النشر: 2022-04-04 | 13:43

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

رغم أن الحرب الدائرة منذ أكثر من أربعين يوماً، هي بين روسيا وأوكرانيا، إلا أن العالم كله يدرك أنها بين أمريكا وحلفائها التقليديين في أوروبا وبين روسيا، التي تحمل عقل وحلم وإرث وطموحات الإتحاد السوفيتي السابق، وأن القتال الضاري والعمليات الحربية المتصاعدة بين الطرفين، هي محاولة لتغيير الأوضاع الراهنة، وتغيير قواعد النظام الدولي التي تشكلت إثر الحرب العالمية الثانية، واهتزت بقوة في بداية العقد الأخير من القرن العشرين، عندما تفكك الاتحاد السوفيتي وانهارت امبراطوريته، وانكمشت في حدود الدولة الروسية الحالية، وغدت الولايات المتحدة الأمريكية تتربع وحدها على عرش القوة الدولية، كأقوى دولة في العالم.

 

كلُ دول العالم وشعوبها طرفٌ في هذه الحرب، قد لا تكون لغالبيتهم مشاركة مادية وتدخل مباشر فيها، لكن الكل عنده أمنيته ورغبته الخاصة، التي يتمنى أن تتحقق منها، وأن تكون نتيجتها لصالحه، بعضهم يعمل بصمتٍ ويتدخل بصورة غير مباشرة، وبعضهم تورط فيها عملياً، وشارك بالمواقف السياسية وإمدادات الأسلحة والتعبئة والتحريض الإعلامي، وآخرون آثروا الحياد التام، وعدم التدخل الفعلي، لكنهم يراقبون سير المعارك ومسار الأحداث، وقد تتغير مواقفهم وتتبدل تبعاً لتغير الظروف وتبدل الأوضاع، علماً أن العالم كله قد تأثر اقتصاده وتدهور بسبب هذه الحرب، التي هزت الأسواق العالمية وأحدثت اضطراباتٍ كبيرةٍ فيها.

 

روسيا تريد العودة إلى اتفاقيات العقد الأخير من القرن العشرين، وتتطلع إلى الالتزام ببنود الاتفاقيات التي نصت على عدم انضمام دول الاتحاد السوفيتي السابق إلى حلف الناتو، وتصر على نزع سلاحها واحتفاظها بالحياد التام، وهي في سبيل ذلك على استعداد لمواصلة الحرب، وتمزيق الدول التي تهدد أمنها في أوكرانيا وغيرها، ودعم الحركات الانفصالية وخلق دويلاتٍ عرقيةٍ موالية لها.

 

أما أمريكا فهي تريد هزيمة روسيا، وتوريطها في حربٍ مكلفةٍ طويلة الأمد، تستنزف قدراتها وتدمر اقتصادها، وتفرض حصاراً دولياً عليها، وتشيطن دورها وتشوه سمعتها، وتمنعها من محاولة تغيير النظام العالمي السائد، وفرض نظامٍ جديدٍ يقوم على الثنائية أو التعددية القطبية.

 

لا يوجد دولة في العالم ليس لها مصلحة في الحرب الروسية الأمريكية، فدول أمريكا اللاتينية التي عانت الويلات من السياسة الأمريكية الظالمة لها والمجحفة بحقها، وكذلك المكسيك التي تشكو من العجرفة والكبرياء الأمريكي، وسياسات الاستعلاء التي تفرضها إدارتها عليهم، تتمنى أن تنجح روسيا في كسر أنف أمريكا، وإضعاف قوتها وتراجع نفوذها والتقليل من تأثيرها على أمنها وسيادة بلادها.

 

أما الهند والصين، وكذلك إيران وكوريا الشمالية، ومعهم باكستان أخيراً، فهم يتطلعون إلى كسر الشوكة الأمريكية، وقص مخالبها ونزع أنيابها، وحصر نفوذها في غرب آسيا، ومنع تدخلها في شؤون دولها، ويتمنون فرض نظام اقتصادي جديدٍ، لا يكون فيه للدولار الأمريكي دور ولا سيادة، ويتطلعون إلى العودة إلى نظام النقد القديم الذي كان قائماً على الذهب، أو فرض نظم نقدية جديدة تحترم العملات الوطنية وتقدرها، وتحافظ على اقتصادياتها المحلية وتحول دون محاربتها وتخريبها.

 

في حين أن دول أوروبا الغربية منقسمة على نفسها، فبعضها لا تريد أن تتورط في حربٍ مع روسيا، وتتطلع إلى علاقاتٍ إيجابية معها، كونها الجار الأقرب والشريك الاقتصادي الأكبر، وتخشى من أن تزايد التوتر معها قد يؤثر على أمن بلادها ومصالح شعوبها، وتتصدر فرنسا وألمانيا هذه الدول، إلا أنها تبدو ضعيفة أمام أمريكا التي تسوقهم وتفرض عليهم الالتزام ببنود ومبادئ حلف الناتو.

 

بينما تقف بريطانيا وبولندا وبعض الدول الأوروبية الأخرى كرومانيا، التي كانت قديماً جزءً من حلف وارسو، إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية، تؤيدها في سياستها، وتساعدها في برنامجها، وتفتح بلادها وتسخر قدراتها لتنفيذ مشاريعها، فهي تخشى إن انتصرت روسيا في حربها، ونجحت في إخضاع أوكرانيا لإرادتها، أن تتمدد وتتوسع، وتفرض شروطها وتستعيد نفوذها، وتخضع الدول التي كانت قديماً تؤيدها وتدور في فلكها، لسياستها ونفوذها، سواء رغبةً منها وبالاتفاق معها، حرصاً على مصالحها وحفاظاً على أمنها، أو بالقوة والإكراه كما أكرهتها القيادة السوفيتية في خمسينيات القرن الماضي.

أما بلادنا العربية فهي تائهة ضائعة، حائرة مترددة، ضعيفةٌ هزيلةٌ، لا تعرف أين مصلحتها، ولا تملك سيادتها، ولا تتمتع باستقلالها، ولا تدري مع من تقف ومن تعارض، ولعل ماضي أنظمتها القديمة، وجذورها الأولى في النصف الأول من القرن التاسع، إبان الحربين العالمية الأولى والثانية، تحركها وتوجهها، عندما أضاعت البوصلة وأخطات التحالف، وقبلت أن تكون أداةً بيد غيرها، طمعاً في عطائه وأملاً في وفائه، فما كان من المنتصرين إلا أن مزقوا بلادها، وقسموا حدودها، واحتلوا أرضها، وانتزعوا منها درتهم العزيزة، فلسطين المباركة، وزرعوا فيها الكيان الصهيوني، ليبقوا بيننا ويرهنوا أرضنا وينهبوا خيراتنا، ولعله اليوم هو أكثر المستفيدين من هذه الحرب، إن انتصرت روسيا وتوسعت فهو المستفيد، وإن هزمت وكسرت فهو من غريمتها مستفيدٌ.

كم نتمنى نحن، العرب والفلسطينيين، أن نخرج من هذه الحرب مستفيدين، فلا نستباح من جديد، ولا نستناخُ مرةً أخرى، وأن تكون لنا كلمتنا وإرادتنا، وصوتنا وموقفنا، وسيادتنا واستقلالنا، ونفضنا وغازنا، نوظفه لخدمة أهدافنا ومصالح شعوبنا، ومستقبل أجيالنا.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط