كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صفحاتٌ من يوميات العدوان الإسرائيلي على لبنان .... مشاهد وصور وسردياتٌ وقصصٌ

صفحاتٌ من يوميات العدوان الإسرائيلي على لبنان .... مشاهد وصور وسردياتٌ وقصصٌ

تاريخ النشر: 2025-02-03 | 15:22

غادرت وزوجتي التي رافقتني طيلة أيام الحرب بيتي فجر يوم السبت الثامن والعشرين من شهر أيلول/سبتمبر، في تمام الساعة 4:20 فجراً، قبيل آذان الفجر بساعةٍ ونيفٍ، وذلك بعد عشر ساعات من الغارة العنيفة، غارة المطارق، التي استهدفت سماحة مقر إقامة السيد حسن نصر الله، أمين عام حزب الله.

لما كان بيتي لا يبعد أكثر من 500 متراً عن المكان الذي استهدف بالغارة، وكان من السهولة علينا أن نرى من شرفة منزلي الشارع العام المؤدي إلى المقر المستهدف، فقد شعرنا بقوة الانفجار، الذي عصف بالبيت فاهتزت جنباته، وتحرك من مكانه لشدة الانفجار الكنب وأثاث البيت، الذي لم يهتز أو يضطرب، بل تزلزل وتحرك من مكانه علواً وانخفاضاً.

استمرت الغارة 100 ثانية، كانت كافية لنا أن نفكر فيما يحدث، وأن نتساءل ما الذي يجري، ولم يكن يدر في خلدنا أن الغارة بعيدة عنا، فقد ظننا أنها استهدفت بيتنا، أو محيط سكننا، وأن البيت لا شك قد قصف، وأنه عما قليل سينهار بنا وعلينا.

لكن المائة ثانية كانت كفيلة بأن نلتقط أنفاسنا، ونغادر صالون البيت الذي شعرنا به يضطرب تحت أقدامنا، وأقبلت علي زوجتي جزعة لكنها كانت للحق واثقة، فعانقتني وقالت نستشهد معاً، لا نفترق عن بعضنا ويستشهد أحدنا دون الآخر، وعانقتني لا خوفاً، بل يقيناً أن ساعة الأجل قد حانت، وأن الشهادة دنت، فأرادتها أن تكون لنا معاً، وسكنت طيلة ثواني القصف، وران الصمت بعدها، ولزمنا مكاننا ولم نتحرك، بل لم نجرؤ أن نفتح الشرفة ونطل منها إلى الشارع، إلا بعد أن سمعنا أصوات الجيران، وحركة السيارات، والأبواق العالية، والدخان الكثيف المنبعث من هناك، من مكان الغارة.

توقفت الغارات، وغابت الطائرات، وبدأت وسائل الإعلام تتناقل الأخبار وتتكهن، كلٌ يعلن أن المستهدف فلان أو فلانٌ، ولكن أحداً لم يكن يتوقع أو يتجرأ أن يتوقع أن المستهدف بالغارة كان سماحة السيد حسن نصر الله.

كانت الغارة قبيل أقل من ساعة من آذان المغرب، صليت وزوجتي صلاة المغرب جماعةً معاً، فكانت صلاة خوفٍ وكانت سكينةً في آن، إذ توقفنا عن التفكير، وعجزنا عن القرار، ولكن شوارع المنطقة لم تخل من المغادرين، ومن سكان المنطقة "الهاربين خوفاً، فقد كانت الغارة حقاً مروعةً جداً.

ولما كان الكثير من أصدقائي وإخواني يعرفون أن بيتي يقع قريباً من مكان الغارة، وهو في قلب الضاحية الجنوبية، بين برج البراجنة وحارة حريك، فقد انهالت علينا الاتصالات من لبنان ومن خارجه، من بناتي المقيمات مع أزواجهن في تركيا، والثالثة المقيمة وزوجها في الشويفات، قريباً من الضاحية الجنوبية لبيروت، التي لم تسلم بعد ذلك من الغارات الإسرائيلية.

 

توالت الاتصالات من كل الجهات، حتى أن أهلي وأهل زوجتي في غزة، رغم ظروفهم الصعبة، والحرب الهمجية التي يشنها العدو عليهم، وحالة النزوح المتكرر التي فرضت عليهم أكثر من مرةٍ، حتى غدوا جميعاً بلا بيوت تؤويهم، ولا مكانٍ يجمعهم، في ظل الجوع والخوف والحرمان، إلا أنهم شعروا بالخوف علينا وأصروا على أن نغادر المنطقة، التي يبدو أنها ستكون في الأيام القادمة خطرة، وستكون مرشحة لمزيدٍ من الغارات وعمليات القصف المستمرة، واستغلت ابنتي وزوجها إصرار أهلي في غزة على مغادرة بيتي، فكثفا اتصالاتهما، وألحا علي بطريقةٍ لم أتمكن بسببها من إخفاء ضيقي وتذمري من إلحاحهما، إلا أنهما أصرا وواصلا اتصالاتهما.

لم نصغ السمع لأحد، وقررنا كلانا، أنا وزوجتي أن نبقى في بيتنا ولا نغادر، وأن ننتظر حتى الصباح، فقد تهدأ الأحداث وينقشع الغبار عن حقيقة ما جرى، وأيدني أحد الأخوة الثقات إذ التقيته في مسجد الحي في صلاة العشاء، فأشار علي ألا أغادر، وأن الغارة يتيمة، ولن يكون لها ما بعدها.

لكن صديقي هذا الذي نصحني بالبقاء، غادر بيته والمنطقة قبل منتصف الليل، بعد ساعاتٍ قليلةٍ من نصحه لي بالبقاء، ورغم مغادرته وأنا أثق فيه، فقد آثرت البقاء في البيت، في حين أن كل جيراني قد غادروا المبنى، وسكان الحي قد أخلوا أماكنهم.

 

لكن زوجتي التي نزلت عليها السكينة، وبرد قلبها لقرارنا بالبقاء، أسكتت بناتها، وردت على المتصلين علينا بإلحاحٍ للمغادرة، وأخبرتهم أننا سنبقى ولن نغادر، ونحن نشعر بالراحة لقرارنا، وقد سلمنا أنفسنا لله، وأودعناه حياتنا وأرواحنا، ونحن لسنا أغلى من أهلنا في غزة، وأرواحنا ليست أعز على الله عز وجل من أرواحهم الطاهرة البريئة، ولا أغلى ممن يسقطون في لبنان انتصاراً لغزة ونصرةً لفلسطين ومقاومتها الشريفة.

للحق فإن زوجتي قد ساعدتني في قراري بالبقاء، ساعدتني بقبولها وتسليمها، وبصمتها وطمأنينتها، وتوكلها على الله سبحانه وتعالى، واستحضارها لأهلها وأهلنا جميعاً في قطاع غزة، ومن أهلها وأهلي في غزة من سقطوا شهداء وارتقوا إلى العلياء، فما كان منها إلا أن أصابها النعاس وكأن الله عز وجل قد بعثه عليها فنامت، واستغرقت في نومها وسلمت أمرها لله عز وجل ولم تدر ما يدور حولها.

 

خلال نومها، ولساعاتٍ ثلاث، لم تتوقف الغارات على الضاحية الجنوبية لبيروت، في محيط بيتنا وبالقرب منه، وفي حينا والمناطق المجاورة، غاراتٌ عنيفةٌ جداً، وأصوات صواريخ المسيرات أكاد أسمع أزيزها قبل أن تنفجر، وقد كثرت الانفجارات وتكثفت الغارات، وأصابني التوتر الشديد من كثرة اتصالات بنتي المقيمة في الشويفات، التي كانت تسمع وترى، فأصابها الخوف والقلق علينا، فألحت في اتصالاتها، وضغطت علي بمكالماتها، فقررت إهمال اتصالاتها، وعدم الرد عليها، بينما زوجتي تنام بالقرب مني، وكلما سمعت أصوات القصف أو شعرت بغاراتٍ تهز أركان البيت، لا أجد إلا أن أضمها إلي لئلا تسمع شيئاً، ولئلا تستيقظ من نومها مذعورةً خائفةً.

لكنها فجأة استيقظت، وكانت الغارات قد اشتدت وتواصلت، وعادت ابنتي وزوجها للاتصال بنا بإلحاحٍ من جديد، وقد كان زوجها يرقب من منزله المرتفع نسبياً في الشويفات، ويرى الأماكن المستهدفة من الغارات والأماكن المقصودة، فأصر بدوره على أن الأوضاع باتت خطرة، وأن الخروج والمغادرة باتت ضرورية، لكننا لم نكن نستطيع المغادرة في هذه اللحظات لو أننا قررنا، فالغارات كانت كثيفة ومتوالية، وقاسية وعنيفة، وبعضها كان مزلزلاً ومرعباً.

اتفقت وزوجتي على أن نغادر في الصباح مهما كانت الظروف والأوضاع، وأن نبقى الليلة في بيتنا رغم أنه لم يبق أحدٌ في المبنى غيرنا، لكن هدوء القصف لدقائق طويلة، وتوقف الغارات فجأة، دفعنا لأن نفكر في مغادرة البيت بسرعةٍ، لكننا لم نبلغ أحداً بقرارنا، ولم نتصل بأحدٍ نخبره بعزمنا، فجمعنا القليل من متاعنا، وبعض حاجاتنا الخفيفة التي ظننا أننا نستطيع حملها، ونزلنا من البيت بارتباكٍ واضطرابٍ، حتى أن بعض أغراضنا قد سقطت على درج المبنى وتدحرجت وفسدت.

وهكذا خرجنا وغادرنا بيتنا في ضاحية بيروت الجنوبية .........

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط