كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

صفقة القرن لا تستقيم مع أدبيات قرن

صفقة القرن لا تستقيم مع أدبيات قرن

تاريخ النشر: 2020-02-03 | 11:47

طوني فرنسيس
طوني فرنسيس

لم يعتقد أحدٌ ممن شاهدوا الحفلة التي أُعلنت خلالها (صفقة القرن) أن ما يراه ويستمع إليه يمكن أن يرقى إلى مستوى الحقيقة والواقع.

حضر الضيف بنيامين نتنياهو وإلى جانبه أركان في الحكومة الإسرائيلية وأركان المعارضة أيضاً، وانضموا إلى فريق كلَّفه رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب بتقديم تفاصيل الصفقة، يترأسه صهره ومعه نخبة من أنصار إسرائيل.

في هذه الحفلة التي استضافها الرئيس ترامب في البيت الأبيض جرى التبرع في غياب الفلسطينيين، أصحاب العلاقة، بمعظم الضفة الغربية إلى سلطة الاحتلال الإسرائيلي، وضُمَّت المستوطنات المُقامة فيها إلى الدولة العبرية، وكُرِّست القدس مدينة موحدة تحت سيادة إسرائيل.

حتى في منامه، لم يكن أي مسؤول إسرائيلي يجرؤ على الحُلم بما وعد به ترامب، وبدا للعالم أن الرئيس الأميركي إنما يحقق أفضل أمنيات نتنياهو التي أعلنها في مطلع تسعينيات القرن الماضي لدى رفضه اتفاقيات أوسلو.

وجرى تحليل الموقف، استناداً إلى حاجتين، واحدة لدى نتنياهو، وأخرى لدى ترامب. نتنياهو يطمح إلى الخروج من دائرة اتهامه بالفساد، والفوز في الانتخابات العامة الشهر المقبل، وترامب يعمل لتقوية موقعه في مواجهة محاولات عزله، استعداداً لمعركة الولاية الثانية في الخريف، وهو إذ يسعى لضمان دعم اليهود من أنصار إسرائيل، يطمح إلى كسب شريحة الإنجيليين الجدد الأكثر تعصباً لإسرائيل من يهود أميركا أنفسهم.

يجب الاعتراف بأن الاهتمام العربي والدولي بالقضية الفلسطينية تراجع منذ مطلع الألفية الجديدة ورحيل ياسر عرفات أول رئيس للسلطة الوطنية الفلسطينية، والضربة الأبرز للقضية جاءت في (انقلاب غزة)، الذي نفّذته فصائل أعلنت ولاءها للإخوان المسلمين وإيران في آنٍ.

كان ذلك الانقلاب في ربيع 2007 فاتحة تحرّك جديد لتنظيمات إيران والإخوان بعد التحريك المُلتبس لطهران لجبهة لبنان، ما أدّى إلى حرب تموز (يوليو)، التي دمّرت خلالها إسرائيل البنية التحتية اللبنانية، وقتلت مئات المدنيين، قبل أن يجري التوصل إلى القرار 1701 الصادر عن مجلس الأمن، الذي أناط أمن الحدود اللبنانية الإسرائيلية للمرة الأولى منذ 1975 بالجيش اللبناني والقوات الدولية.

كانت معركة الانفصال في غزة إشارة أولى إلى سياسة ما سيعرف لاحقاً بمحور إيران الممانع على الضفة الشرقية للمتوسط، بعدها بقليل حاول تنظيم مُستحضر باسم (فتح الإسلام) يقوده أحد عناصر المخابرات السورية، السيطرة على مخيم نهر البارد للفلسطينيين في شمالي لبنان، والتمدد منه للسيطرة على مدينة طرابلس.

كلفت المحاولة اللبنانيين والجيش اللبناني كثيراً من التضحيات قبل القضاء عليها، إلا أن المراقبين لاحظوا أن ترابطاً ما قائمٌ بين محاولتي غزة وطرابلس، خيوطه في طهران وربما في دوائر أخرى، كانت تستعد لما سيجري في السنوات اللاحقة.

اندلع (الربيع العربي)، فتقدّم الإخوان إلى الواجهة في تونس، وفي مصر قفزوا إلى السلطة، ليظهر (إخوان غزة) وكأنهم أسيادٌ في أرض الكنانة، أمَّا في سوريا والعراق ففتحت السجون أمام معتقلين، سيتحوّلون إلى (قادة جهاد)، يستدعون لمحاربتهم مجاهدين من مذهبٍ آخر.

وسرعان ما انتشرت في البلدين ميليشيات إيران المُستحضرة من أفغانستان ولبنان برعاية وقيادة (فيلق القدس) في الحرس الثوري الإيراني، لتخوض حروباً باسم محاربة الاٍرهاب بشعارات مذهبية تزيد في تمزيق مجتمعات دول المشرق العربي، وتُغرقها في تفاصيل الهموم الحياتية الأمنية والمعيشية.

تحوَّل المشرق العربي من شط العرب إلى البحر المتوسط، ومن طوروس إلى اليمن، إلى ساحة اقتتال بمشاركة وإدارة نشطة من قطبي "الإسلام السياسي" الحديث: إيران الخامنئي وتركيا أردوغان.

وفي مناخٍ كهذا، تراجع الاهتمام بالاحتلال الإسرائيلي لفلسطين إلى حدوده الدُّنيا، وتحرَّكت إسرائيل في أجواء المشرق بحرية، فانتقت أهدافها مستندة إلى حليفها الأساسي أميركا وحليفها الميداني الجديد روسيا.

وعلى الرغم من توجيهها مئات الضربات إلى مواقع إيرانية في سوريا والعراق، فإن الانشغال الإيراني بقي مُنصباً على توطيد المواقع في سوريا والعراق ولبنان واليمن، والاكتفاء بخطابٍ سنويّ مُزلزلٍ عن تحرير القدس.

لقد سارت إيران بعيداً في تحدي الشعوب العربية ودُولها، أوغلت في تحدي المصالح العربية بالخليج، وتورّطت في الاعتداء على دولٍ عربية، تحت شعار (الموت لأميركا والموت لإسرائيل)، ولم ترَ إسرائيل منها إلا "كل خيرٍ"، على الرغم من خطابات التدمير النارية.

المؤسف، أن أطرافاً فلسطينيين استمروا مع ذلك في تورّطهم مع السياسة الإيرانية رغم معرفتهم بحقيقتها ومخاطرها على مستقبل فلسطين وشعبها.

في هذه المناخات التيئيسية، يمكن للمرء أن يتوقع الكثير، ولا شكّ أن ترامب اعتقدَ أن عمق الخلاف العربي مع إيران يسمح له بتمرير ما رأى أنه حلٌ لقضية بات عمرها مئة عام، إلا أن الوقائع غير ذلك.

صحيحٌ، أن ترامب والإدارة الأميركية يتمتعان باحترامٍ كبيرٍ في أوساط واسعة من القيادات العربية، يزداد مع ازدياد الحاجة إلى التعاون مع أميركا في مواجهة التحديات الكبرى في عصرنا ومنها التحدي الإيراني، إلا أن التفرد في "إهداء" فلسطين إلى نتنياهو على النحو الذي شهدته حفلة البيت الأبيض، لم يلق قبولاً على المستوى الدولي، فكيف بالمستوى العربي قبل أن نتحدّث عن رد الفعل الفلسطيني؟

لقد ظهر أن أكثر المواقف الدولية قرباً من ترامب، في أوروبا مثلاً، لا تزال مُتمسكة بحل الدولتين أو أقله بالقرارات الدولية الأساسية الخاصة بـ"نزاع الشرق الأوسط"، وصدرت مواقف في هذا الخصوص عن الاتحاد الأوروبي ودول أوروبية أساسية.

والموقف الروسي ينسجمُ مع هذه الوجهة، وقد حرص الرئيس بوتين على إبلاغ الرئيس محمود عباس شخصياً دعمه دولة فلسطينية عاصمتها القدس، والموقف هذا تتمسّك به الغالبية العظمى من دول العالم.

أمَّا الموقف العربي، وعلى الرغم من حرص كثيرٍ من القادة على علاقات جيدة مع الرئيس الأميركي، فقد جرى التعبير عنه في اجتماع وزراء الخارجية في القاهرة: رفض الصفقة والتمسُّك بالمبادرة العربية لعام 2002.

لا ضرورة لليأس من الموقفَين العربي والدولي، فهما يختزنان تمسّكاً قديماً وثابتاً بمنطق الحق والعدالة، وهو ما تتميز به قضية الشعب الفلسطيني، إلا أن العامل الحاسم في الوجهة التي ستتخذها الأحداث لاحقاً، هو الموقف الفلسطيني نفسه، فلا شكّ أن سنوات الانقسام والاقتتال والارتهان أضعفت هذا الموقف إلى الحد الأقصى، وعودة الوحدة اليوم بوجود القيادات الفلسطينية كلها داخل بلدها أمر عظيم، وميزة تفضيلية لم تكن متوافرة في سنوات النضال السابقة.

على هذه الوحدة بالذات ينعقد الرهان، فهي ما ستتيح لنا القول إن الصفقة ماتت، أو أن فيها بقايا استمرار، أي الإغراق في الهزيمة.

عن إندبندنت عربية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط