كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ضوابطُ الخطابِ الفلسطيني في مواجهةِ موجةِ التطبيعِ العربي

ضوابطُ الخطابِ الفلسطيني في مواجهةِ موجةِ التطبيعِ العربي

تاريخ النشر: 2020-08-24 | 04:26

د. مصطفى يوسف اللداوي
د. مصطفى يوسف اللداوي

يكاد يُجمع الفلسطينيون على اختلاف توجهاتهم السياسية في فلسطين المحتلة وخارجها، على رفض محاولات التطبيع العربية مع الكيان الصهيوني، سواء تلك القديمة الموقعة مع مصر والأردن، أو السرية والخفية القديمة والجديدة مع غيرهما، وآخرها اتفاق السلام مع دولة الإمارات العربية المتحدة، التي استنكرتها منظمة التحرير الفلسطينية ومعها رئاسة السلطة في رام الله، كما نددت بها وهاجمتها مختلف القوى الفلسطينية وفصائل المقاومة العسكرية، وعارضتها النخب الثقافية والفكرية والأطر النقابية والمستقلة، وعامة المواطنين وجموع اللاجئين في الوطن والشتات، كما وصفتها قوى عربية وهيئاتٌ شعبية بأنها تنازلٌ وتفريط وتخلي وتولي وطعن في الظهر وخيانة، ونادت بإسقاطها ودعت إلى إلغائها وعدم الالتزام بها.

بات واضحاً للجميع أن دولة الإمارات العربية المتحدة، وسلطنة عُمان التي سبقتها، لن تكون هي الدولة الأخيرة في مسلسل التطبيع المعلن رسمياً مع الكيان الصهيوني، بل ستتلوها دولٌ عربيةٌ أخرى عديدةٌ، وستسير حتماً على منوالها خلال الأشهر الثلاثة القادمة أنظمةٌ جديدةٌ، وهي الفترة المتبقية من ولاية ترامب الأولى، التي يطمح إلى تجديدها مطلع شهر نوفمبر القادم.

ولهذا الهدف يقوم وزير خارجيته مايك بومبيو وممثلوه في الشرق الأوسط، بجولاتٍ واسعةٍ ومساعٍ كبيرة لإقناع حكوماتٍ عربية أخرى بإعلان اعترافها بإسرائيل، وتوقيع اتفاقيات سلامٍ وتطبيع العلاقة رسمياً معها، وتشجعها إدارته على سرعة الإقدام على هذه الخطوة وعدم تأجيلها، وتعدها وتمنيها، أو تحذرها وتهددها من مغبة الاعتراض أو التردد وعدم القبول، ولعل الحديث يدور حول موريتانيا والمغرب، والسودان وقطر، والبحرين والسعودية، وليس بعيداً أو مستغرباً أن الضغوط السياسية تمارس على أنظمةٍ أخرى غيرها، لتجبرها على القبول والإذعان، وإلا الفوضى والخراب والدمار.

أمام هذه المستجدات الخطيرة والانهيارات المتوالية، وظواهر التصدع في الجدران العربية، ينبغي على الفلسطينيين أن يفكروا جيداً في الطريقة المثلى التي يجب أو يواجهوا بها حالات السقوط العربية المدوية، والبحث عن أفضل السبل للرد عليها والتعامل معها، إذ لا ينبغي الجمود على أسلوبٍ واحدٍ واعتماده دون غيره، وأقصد به التنديد والاستنكار، والشتم واللعن، والتخوين والتكفير، والتشهير والتشويه، والهجوم والمعارضة، وإن كنت أرى أن كل ما سبق هو من حقنا جميعاً، وهو التوصيف الطبيعي والفطري لكل ما حدث، إذ أن هذه السقطات قد أضرت بنا وأساءت إلينا، وكشفت ظهرنا وأضعفتنا أمام عدونا، وهي مخالفة لقيمنا وتعاليم ديننا، وتتعارض مع ثوابتنا وقوعدنا القومية.

لكنني أرى أن هذا الأسلوب الذي لا يفصل كثيراً بين الأنظمة العربية ومواطنيها، ولا يميز بين السلطات الحاكمة والشعوب المغلوبة، قد أدى إلى استنفار الأنظمة واستفزازها، التي استخدمت أبواقها الإعلامية وأقلامها المسمومة ومنصاتها المختلفة في تجنيد شعوبها معها، وتحريضهم علي الفلسطينيين وتأليبهم عليهم، واستغلت الأنظمة ردود الفعل الفلسطينية غير المدروسة، التي فيها إهانة لبعض الدول العربية ورموزها الوطنية، وإساءة إلى علمها وتاريخها، في دفع شعوبها للوقوف معهم وتأييدهم في خطوتهم، وتشجيعهم على المضي قدماً في إجراءات التطبيع، والقبول بالاعتراف بإسرائيل وحقها المشروع في الوجود والحياة، بل والدفاع عن نفسها وصد العدوان عنها.

ومما هو معروف للجميع أن الفلسطينيين منتشرون في مختلف دول العالم، لكنهم يعيشون بكثافةٍ في الدول العربية القريبة والبعيدة، وفي دول الخليج العربي والسعودية، ومنهم من هو مستقرٌ في هذه البلاد منذ عشرات السنوات، ولدوا فيها ونشأوا وتعلموا وتزوجوا وكونوا أسرهم الخاصة، ولعلهم لا يختلفون أبداً في مواقفهم عن بقية أبناء شعبهم الفلسطيني وأمتهم العربية والإسلامية، إلا أنهم شعروا بالقلق الشديد والخوف على مستقبلهم في هذه البلاد، بعد حملات التحريض والتعبئة العامة ضد الفلسطينيين، على خلفية ردود الفعل الفلسطينية الرسمية والشعبية الرافضة للتطبيع، الأمر الذي من شأنه أن يهدد مستقبلهم في البلاد التي يقيمون فيها، وقد يؤدي إلى طردهم وتشريدهم وضياعهم في الأرض، في تكرارٍ مأساويٍ لفلسطيني الكويت وليبيا ثم العراق لاحقاً.

وتأكيداً على ما ذكرت أعلاه، فقد ارتفعت أصواتٌ فلسطينية تطالب النخب الفلسطينية بالكف عن النقد العلني والتشويه العام، والإساءة المقصودة للدول التي وقعت، ذلك أنها باتت تخشى جدياً على وجودها، وأنها قد تفاجأ ذات يومٍ بقراراتٍ عاجلة من الحكومات المطبعة تنهي بموجبها عقود عملهم وتبطل إقامتهم، وتطردهم من البلاد، في إجراءٍ عقابيٍ جماعي عامٍ للضغط على قواهم الوطنية وفصائلهم المقاومة، للكف عن الانتقاد العلني والتصريحات الإعلامية التي يرونها تسيئ إليهم وتضر بهم.

اعترف بالحاجة إلى الإصغاء إلى صوت شعوبنا العربية التي تطالبنا بعدم القيام بأي عملٍ من شأنه أن يحرض حكومات بلادهم علينا، أو أن يوغر صدورهم أكثر على شعبنا وقضيتنا، وكذلك ضرورة مراعاة ظروف أهلنا المقيمين في تلك البلاد والعاملين فيها، وعدم القيام بأي عملٍ من شأنه الإضرار بهم أو الإساءة إليهم، وعدم مطالبتهم بإصدار أي موقفٍ أو التعليق على ما يحدث، خاصةً أن الإدارة الأمريكية قد تشجع حكومات بعض الدول العربية لممارسة ضغطٍ على الفلسطينيين من خلال جالياتهم المقيمة في بلادهم.

ولهذا يجب أن يكون الخطاب الفلسطيني العام، تجاه الأنظمة العربية وشعوبها، خطاباً حكيماً عاقلاً رصيناً مدروساً، نتوخى فيه الصالح العام، ونصر فيه على مواقفنا، ونتمسك بثوابتنا، ونؤكد على حقوقنا الوطنية المشروعة في أرضنا ووطننا، ولا نبدي فيه أبداً أي تنازلٍ أو تفريطٍ، أو قبولٍ وإذعان، أو تسليمٍ وخضوع، وإلا فإن أي حماقةٍ ترتكبها القيادة، أو سفاهةٍ تقوم بها العامة، قد تعيد تكرار التواريخ الأليمة التي أضرت بشعبنا، ودفعته أثماناً باهظة ما زلنا نتجرع آثارها ونعاني إلى اليوم من تداعياتها.

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط