كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

طائر النعاس

طائر النعاس

تاريخ النشر: 2021-08-14 | 05:38

جالساً على مقعده في مطار شارل ديغول، محطة بين الشرق البعيد والغرب البعيد قبل عبور الأطلسي. غادره النعاس الذي كان قد تلبّسه منذ بداية الرحلة، فجأة انحسرت موجة النعاس، هكذا دون سابق إنذار، هكذا هي أمور الحياة، تمنى في الطائرة لو أن المسافة بين المقعدين في الدرجة السياحية مثلها مثل تلك التي تفصل بين مقاعد المحظوظين في الدرجة الأولى ليمد رجليه ويغفو قليلاً، كان في انتظار اللحظة التي يصل فيها قاعة الترانزيت ليقتنص طائر النعاس الذي كان يحوم فوق رأسه دون انقطاع، وها هو قد طار بعيداً عن جفنيه، صار بعيداً، بعيداً. جاءته موجة من التذمر "اللعنة على هذا النعاس، حتى أنت يا بروتوس، النعاس ككل الأشياء التي تعرف كيف تغيظنا، حتى التعب لم يستطع استدراج طائر النعاس، فما الذي يريده إذن حتى يحط؟". قرر أن يحتسي فنجان قهوة نكاية بطائر النعاس العنيد "إن كنت عنيداً فأنا أعند منك!". نهض دون تثاقل، أيضاً نكاية بطائر النعاس، واتجه إلى المقهى الصغير الوحيد المفتوح في هذا الصباح الباكر، علامات النعاس والتعب بادية على عاملة المقهى، يبدو أنها تنتظر انتهاء دوامها وتتمنى ألاّ يحضر أحد لشراء شيء من عندها، قامت متكاسلة، لم يقل لها شيئاً سوى " دبل إسبرسو"، حتى أنه لم ينهِ عبارته بِ "لو سمحت" كعادته. ناولته الفنجان وعاد إلى مقعده يحتسي رشفات من القهوة على مهل وكأنه يقول لطائر النعاس "حلّق أبعد ما شئت، لست بحاجتك، أستطيع أن أعيش بدونك ليوم آخر". مع رشفات القهوة عادت إليه تفاصيل الجزء الذي مضى من الرحلة.

***

كان الأمس يوماً طويلاً متعباً للجسد والأعصاب، لا لم يكن اسمه الأمس، إنه يوم مستمر، بعض الأيام طويلة، تعيش أكثر من 24 ساعة، قد يصل طولها إلى 40 ساعة. كان يوماً طويلاً كثيفاً في كل ما احتواه، ركض وركض وركض، كان عليه إنجاز أشياء كثيرة قبل التوجه إلى الجسر لعبوره ومنه إلى المطار. كان كل شيء معلقاً بخيط رفيع من اللايقين. طائر اليقين في كل ترتيبات السفر غادر حياته منذ زمن طويل دون رجعة، لم يعد ينتظره، فقط يتذكره حين يستمع لروايات أصدقائه الدوليين فيتحسر "كل الناس في هذا العالم يذهبون إلى رحلاتهم بعد أن يخططوا وقتهم مع قليل من الاحتياط تحسباً لأزمة السير على الطرق فحسب، إلاّ نحن علينا أن نحتاط من غير تيقّن لكل أنواع الحواجز على الطرق، ولمزاج كل جندي من جنود الاحتلال، جندي مراهق يقرر فجأة أنه سيلعب بأعصابك فيوقف السيارات على الحاجز الذي يغلق ويفتح بأمره، وكل مجندة على مدخل منطقة الجسر يمكنها ترك حافلتك واقفة لساعة، لساعتين دون سبب يمكنك إدراكه أو حتى توقعه".

كان يوماً حافلاً، بدأ بالذهاب إلى مقر شركة السيارات في مدينة أخرى لاستلام السيارة الجديدة وتسليم القديمة، لم يرد أن يؤخر هذا الأمر إلى ما بعد عودته من هذه السفرة، فمن يدري ماذا يمكن أن يحدث، اللايقين سيف مسلط فوق الرقاب. وحين عاد إلى مدينته كانت السيارة التي كان من المفترض أن تحمله إلى الجسر قد غادرت. قال له صاحب مكتب السفر مواسياً ومعتذراً "حاولنا انتظارك، أخّرنا موعد السيارة نصف ساعة فتذمر الركاب الآخرون، اعذرني". شكره واستأجر سيارة خاصة. استمع طيلة الطريق إلى أحاديث السائق المتشعبة في كل شؤون الحياة، لم يصغِ جيداً لكنه لم يتذمر، كان يكتفي بكلمة أو بهز رأسه مجاملة للمتحدث. وفي الطريق من الجانب الآخر من الجسر إلى المطار كان عليه أن يستمع لأحاديث سائق آخر وهو يحلل الوضع السياسي بدءاً بمصيبة عودته مطروداً من الكويت ويشكو ضيق الحال ثم يعرّج للحديث عن شوقه للعودة إلى قريته التي هجّرت منها عائلته وهو طفل ويتمنى رؤيتها قبل أن يرحل عن هذا العالم إلى العالم الآخر. كل ذلك حدث منذ الصباح، تفاصيل كثيرة عاشها دون تركيز تحت وطأة سيف الخوف من عدم الوصول إلى المطار في الوقت المناسب، سيف الخوف الذي كان يخيم عليها جميعاً ويجعله ساكتاً غير اجتماعي على غير عادته مع مثل هذين السائقين والمسافرين معه في حافلات النقل بين طرفي الجسر.

وأخيراً كان في المطار تماماً على الوقت وجلس عند بوابة رحلته، وضع حقيبته الصغيرة بجانبه على المقعد وأسند ظهره إلى ظهر المقعد ومدّ رجليه، أزاح عن كاهله ذلك القلق الذي كان ينتابه بأن تفوته رحلة الطيران.

ضحك وهو يتذكر ملاحظته للعائلة "ليس لنا زمام، لم نحترم العشرة الطويلة مع السيارة القديمة، حتى لم نأخذ لها صورة وداع"، ولكن صغيرته الرائعة قالت إن ذلك لم يفتها، فهي قد قامت بذلك، لقد صورت "بيبا" كما كانت تدعو السيارة تحبباً. أسند ظهره ليستريح خلال الدقائق المتبقية قبل فتح البوابة، لن يزاحم، سيأخذ ما يمكنه من الاسترخاء على هذا المقعد بعد يوم طويل من سباق التتابع بين محطات الأحداث الكبيرة وأخواتها الصغيرات.

***

أنهى فنجان القهوة وقرر أن يشغل نفسه بمراقبة الناس الذين يمرون قربه، ذكوراً وإناثاً، شباباً ومسنين، بيضاً وسمراً وصفراً وسوداً ومن كل الألوان. نساء بشعر متهدل على الأكتاف وأخريات بشعر قصير وغيرهن بشعر مجعد، رجال بشعر مرتب وآخرون بصلعات تلمع، والأهم من كل هؤلاء وأولئك أطفال من كل الألوان. "لا أروع من المواسم الواعدة" قال لنفسه متذكراً أطفاله وكأنهم لم يعبروا مرحلة الطفولة. انفرجت أساريره وهو يرى الصورة التي يحب، طفلة ذات جديلتين مقبلة باتجاهه، راقبها وهي تحاور أمها بحرارة ممسكة بيدها وتسير إلى جانبها، ركز على عينيها، سحره اللون الأزرق الصافي، كانت تشد يد أمها إلى الأسفل بقوة لتجذب انتباهها إلى حديثها بينما الأم منشغلة عنها بحديث عبر هاتفها الخليوي. ودّ لو بإمكانه أن ينهض ويخطف الهاتف من يد الأم ويقول لها "استمعي لصغيرتك، حديثها أهم من ثرثرتك على هذا الهاتف". التقت عينا الطفلة بعينيه اللتين تراقبانها، أصابتها الدهشة أولاً ثم أجابت ابتسامته بابتسامة حين أصبحت قريبة منه.

بقيت صورة الابتسامة التي علت شفتيها حين عبرت من جانبه حاضرة في ذهنه، استدار ليلحق ببسمتها لكنها لم تستدر هي الأخرى. خزّن صورة بسمتها وأغمض عينيه.

لم يدرِ كيف عاد طائر النعاس وحطّ في عشه داخل رأسه الذي كان يضطرب قبل قليل بمختلف اللعنات على كل "بروتوس" خاله متجسداً في الأشياء التي دارت في ذهنه. نظر إلى الوقت الظاهر على شاشة المونتر المعلقة مقابله، تيقن أن الموعد على حاله لم يتغيّر، سيبدأ تحميل الركاب بعد أكثر من ساعتين. حضن طائر النعاس وقرر أن يغفو دون خوف من أن تفوته الطائرة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط