مبكرا وبدلا من تيه الرسمية الفلسطينية في مسار "الثرثرات الكلامية"، عليها أن تزيل الغبار عن عقلها وتذهب لحراك عملي لمواجهة "وعد بلفور 2 " المعروف بـ "وعد ترامب".

طرابيشي.. مثقف المروءة

طرابيشي.. مثقف المروءة

تاريخ النشر: 2016-03-21 | 05:10

إذن هو الرحيل الحزين لمن استحق يوماً وصف «مثقف المروءة»، إنه رحيل المفكر جورج طرابيشي. دماثته على المستوى الإنساني ورهافة حسه، زادت دوماً من تقديره الكبير الذي ظل يتسع في وجدان من تابعوا عمقه الفكري ومشروعه الإبستمولوجي والنقدي الكبير. أجد لزاماً عليّ وعلى سبيل الوداع والإشادة بالراحل أن أعاود الإشارة إليه بتلك السمة النادرة: «مثقف المروءة»، وهو ما لمسه كل من قرؤوا نعيه لمحمد عابد الجابري قبل سنوات، النعي الخلوق والمُتعالي عن الخصومة الفكرية.

يؤكد طرابيشي على المهمة الكبرى التي قام بها الجابري وتمثلت في نقل الفكر العربي في أواخر القرن العشرين من أسر الأيديولوجيا إلى رحاب الإبستمولوجيا، وهي النقلة التي انتقلها طرابيشي أيضاً مسافراً في أول تحرره الأخير من الأيديولوجيا على مركب «نقد العقل العربي». في بداية تأثره بالجابري يقول طرابيشي في مقالة النعي إن الرحلة الأيديولوجية الطويلة التي بدأها بالقومية العربية ثم الماركسية، وإلى حد ما التحليل النفسي الفرويدي، كانت مزدحمة بـ«آباء فكريين أيديولوجيين «مؤمثلين». وبعبوره إلى ضفة الإبستمولوجيا قارئاً ومندهشاً ومستبطناً «نقد العقل العربي» صار الجابري هو «الأب الفكري المؤمثل» بعد عبور بوابة الإبتسمولوجيا.

ولكن رحلة التأثير والانبهار بالجابري إبستمولوجياً انتهت سريعاً وقادت طرابيشي إلى اكتشاف محدودية إبستمولوجيا الجابري وترسباتها الأيديولوجية، وطبيعة إشكاليتها التي تفتح النقاش من جهة ولكنها تعيد تعليبه من جهة أخرى في عدد من المقولات أو الثنائيات (أو الثلاثيات)، مثل العرب والغرب، الحداثة والتراث، العقل العرفاني والعقل البرهاني والعقل البياني، وهكذا. هذا فضلًا عن موقف الجابري الملتبس من العلمانية والغزل الخفي مع الإسلاميين في مراحل متأخرة! والمهم هنا هو أن اكتشافات طرابيشي وخيبة أمله دفعتاه معاً إلى إطلاق مشروع نقدي مواز لمشروع الجابري تمثل في سلسلة كتبه «نقد نقد العقل العربي»، التي فتحت آفاقاً في الفكر العربي المعاصر وسجالاته ربما تفوقت على الآفاق التي جاء بها المشروع الأصلي للجابري في نقده للعقل العربي.

وانتبه طرابيشي لكثير من مسْحات الجوهرانية التي تسربت إلى مشروع الجابري، وهي درجات متفاوتة من التمثل الداخلي لعدد من المقاربات الاستشراقية، وقد نقدها وفككها. كما رفض الوقوع في أسر الإشكاليات التي كان الجابري يطرحها وتبدو في ظاهرها بادية الإحكام وجامعة للأسئلة الكبرى. فجوهر الاستخدام نفسه لوصف «العقل العربي»، مثلاً، يقع في قلب الجدل والخلافية الإبستمولوجية، ويجوهر بشكل ما ماهية هذا العقل، إذ بماذا يختلف «العقل العربي» عن «العقل غير العربي»؟

ودرس مروءة المثقف الذي يقدمه طرابيشي في مقالته الاحترامية والاحترافية في حق الجابري مهم وبالغ العمق. إنه يقول أولًا إن الفكر لا يُصقل إلا بالفكر، وإنه لا مجاملة في صراع الأفكار وتنافسها. وكثير من المثقفين والمفكرين تستهويهم فكرة عدم إغضاب الآخرين فكرياً، وتفادي التعبير الصريح والموجع أحياناً عن الفكرة والقناعة، بحثاً عن الدفء الخادع بالوقوف في الوسط. بيد أن هذا التردد والاستحياء عن نقض الفكرة كلياً إن كانت تلك هي قناعة المثقف أو الناقد لا ينتج فكراً ولا يخدم ثقافة. والصرامة والحسم في التعبير عن الفكرة ومصادمة الآخرين بها لا تعني الإقصاء، ولا الشطب الكلي للمختلف معه فكرياً وشخصياً. والدرس نفسه يقول، ثانياً، إن موضوعية المُفكر وتقديره للأفكار والأشخاص والقضايا بالحجم الذي تستحقه، والإقرار بها وبهم، يضاعف من التقدير والاحترام له. ولا يخسر المثقف عندما يقدر منافساً له ويعطيه حقاً من دون أن يجامله فكرياً. بل على العكس تماماً يتبدى ذلك المثقف ظافراً وواثقاً بنفسه وجديراً بالاحترام. وهذا كله يرقي حقل الثقافة ويُضفي عليه تحضراً مفقوداً في سجالات ثقافية كثيرة تنحط بالمنخرطين فيها بسبب شخصنتها البالغة، وتفاقم الاغتيال الفكري والثقافي فيها كواحد من أبرز مكوناتها.

كما يقول ذلك الدرس، ثالثاً، إن سجالات الفكر وطروحاته تقوم كلها في المنطقة الرمادية لإدراك البشر، على رغم دفوع المفكرين وشراستهم في التشبث بأفكارهم. وتلك المنطقة يختفي أو يجب أن يختفي فيها ادعاء الوضوح والحسم بالأبيض والأسود. فهنا وفي هذه المساحة الرمادية يزدهر العقل باحثاً عن الإجابات المُحتملة، ويقارن ويفاضل بينها بالنسب والدرجات، وليس بالمطلق أو القياس الصفري. وكل فكرة من الأفكار حتى لو نُقضت ودمرت تماماً فإنها تكون قد قدمت خدمة كبرى للمعمار الفكري والفلسفي الأكبر بكونها استفزت فكرة أخرى لتقومها وتقوضها وتحتل مكانها. أبدع الجابري في التقاط موروث المروءة كواحد من مكونات العقل الأخلاقي العربي، وأبدع طرابيشي في تمثل هذا الموروث وتطبيقه بأمانة في علاقته مع الجابري أكبر خصومه الفكريين.

عن الاتحاد الاماراتية

×
أخبار
استطلاع عبري: قفزة في القوائم العربية وتقارب كبير بين المعارضة الصهيونية والتحالف الحاكم عشرات آلاف يتظاهرون في كولومبيا ضدّ الرئيس الجديد احتجاجا على سياستة الاجتماعية بيلاي: عقوبات ترامب على الجنائية الدولية غير قانونية..ربما رد فعل على خسارته نوبل أوباما: حكومة نتنياهو فقدت المبادئ الأخلاقية بتجاهلها حقوق الشعب الفلسطيني مصر تذكر ترامب بالتزامات خطة غزة بعد مرور عام على توقيع شرم الشيخ «أفريقيا كجبهة جديدة لحروب الشرق الأوسط»: ممر البحر الأحمر وأنماط الفوضى الجيوسياسية العالمية تقرير: كيف أعادت سلسلة الحسابات الخاطئة إشعال حرب السعودية في اليمن؟ الصراعات الإقليمية وتعطل الممرات البحرية يجبران الاقتصاد العالمي على الاعتراف بـ «سطوة الجغرافيا» زامير يصادق على خطط عسكرية في الضفة: "جاهزون لعمليات هجومية واسعة" كاتس يهدد باحتلال مناطق لبنانية إضافية إذا انضم حزب الله إلى إيران في مهاجمة إسرائيل "تدمير للمرساة الاستراتيجية".. رئيس البنك الدولي الأسبق يهاجم ضغوط ترامب على جيران أمريكا بعد عام على إعلان "مجلس السلام".. غزة غارقة في بؤس متفاقم وتفكك اجتماعي حاد رئيس «الشاباك» السابق يرفع دعوى تشهير ضد نتنياهو ويطالبه بتعويض 3 ملايين شيكل الشيخ يدين افتتاح سفارة كولومبيا في القدس ويحذر من خرق القانون الدولي رسالة روسية للحوثيين: اوقفوا المس بالبنية التحتية المدنية إصابات خطيرة جراء انفجار وحريق في مصنع "إنتل" في كريات غات - فيديو الأحمد يبحث مع الاتحاد الدولي للنقابات أوضاع العمال الفلسطينيين وكالة الطاقة الدولية: نقص الديزل ربما يستمر حتى عام 2027 رغم "اتفاق روسيا" الخارجية الفلسطينية تدين افتتاح كولومبيا سفارة لدى الاحتلال في القدس المحتلة الحرس الثوري: غرق سفينة حاويات جنوب مضيق هرمز بعد اصطدامها بلغم بحري إدانة عربية وإسلامية لافتتاح كولومبيا سفارةً في القدس وتحذير من مخالفتها للقانون الدولي دبلن: فندق يُلغي حجز 70 غرفة لمشاركين في مؤتمر لمكافحة "معاداة السامية" ترامب يطالب باستبعاد مدعية نيويورك من تحقيق بشأن واقعة جامعة كورنيل الصحة: ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,392 شهيدا وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط