كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

طفولة على حافة الرغيف...وسيرة الجوع التي لم تُروَ..!

طفولة على حافة الرغيف...وسيرة الجوع التي لم تُروَ..!

تاريخ النشر: 2026-07-06 | 09:20

“عندما أنظر إلى طفولتي،أتساءل كيف نجوت على الإطلاق.لقد كانت،بالطبع،طفولة بائسة: فالحياة السعيدة لا تستحق العناء”. ( الكاتب الإيرلندي الأمريكي فرانك مكورتFrank McCourt.عن روايته" رماد أنجيلا".

في زوايا الذاكرة المثقوبة،حيث تختبئ التفاصيل كجراح قديمة لا تندمل،يعود بي الحنين إلى طفولة لم تكن طفولة،بل حربا صامتة خضتها مع الجوع قبل أن أعرف معنى الكلمة.كنت أمشي حافيا على ثلج الأيام،وجيبي الخاوي أوسع من بحر لم أره إلا متأخرا،حين نظمت مدرستنا رحلة إلى مدينة قابس،وكأن القدر أراد أن يمنحني أول لقاء مع الاتساع،بعد أن ضاقت بي الدنيا في قبو نسكنه،وفي جوع يأكل عظامنا قبل أن نأكل نحن الخبز.

ثمن الرحلة كان زهيدا،لكنه كان في عيني جبلا لا يُتسلق،فبعتُ بعض أثوابي لتاجر جشع،كأني أبيع جزءا من طفولتي مقابل نظرة إلى الأفق. واصطحبتُ أختي التي تكبرني بسنتين،تلك التي كانت تتفوق في دراستها رغم أن جوعها كان يسبقها إلى الفصل،ورغم أن القلم كان يثقب أصابعها كما يثقب الجوع أحشاءها.!

 طوال الطريق،لم تغب عيوننا عن النافذة،كأننا نبحث عن وعد غائب،نتساءل: أين البحر؟ متى نصل إلى ضفافه؟ كأننا كنا نبحث عن ضفة أخرى للحياة،عن ماء يغسل رماد الفقر عن وجوهنا.

وعندما وصلنا،وقفنا صامتين،كأن البحر كان مرآة لحزننا العميق،موجاته تروي حكايات لم نعرف كيف نبوح بها.كانت تلك القصة الأولى،لكنها لم تكن الأخيرة..

في عطلاتي الصيفية،لم أعرف معنى الراحة،كنت أهرول بين مهن وقتية،كأني أطارح الأيام على أمل أن تمنحني لقمة تسد رمق أسرتي.بعتُ الخضار في السوق،وخبز الطابونة على قارعة الطريق،وحملتُ الطوب على ظهري الصغير في حظائر البناء،وأنا لا أزال غصنا لم يكتمل. 

كنتُ أسلم أبي العاطل عن العمل بعض المئات، وهو يرتجف من نظرة المؤجر الذي يطرق باب "القبو" كل نهاية شهر،كأنما يطرق قلوبنا قبل أبوابنا.

أمي،رحمها الله،كانت تخيط لي كرة من القماش، كما خاطت لي محفظة من بقايا ثوب قديم، وألعب بها مع أترابي في الحي،لكن سرعان ما تتمزق خيوطها،قبل أن تدمى أصابعنا من الجوع الذي لا يُخيط.

وليلة الجمعة،كانت طقوسا مختلفة.كنت أتسلل منذ المساء،أمشي ستة كيلومترات حافيا إلى ضريح الولي الصالح "عبدالله بوجليدة"،ليس لأجل الحضرة أو الرقص على إيقاع البندير،بل لأجل قطعة لحم لا أذكر أننا ذقنا طعمها حتى في عيد الأضحى.كنت أختلط بالزائرين الذين يذبحون الماعز تقربا،وأنا أمد يدي كعصفور جائع،أتلقى القليل من الكسكسي واللحم،كأنما أتلقى هبة السماء بعد طول غياب.

وذات صيف،وأنا في سن اليافع لكن جسدي النحيل كان يحكي عن سنين من سوء التغذية، عملتُ بائع خبز في سوق الخضار،منذ انبلاج الفجر حتى اشتداد الظهيرة،مقابل أجر زهيد.لكني اشتبكتُ مرات مع أطفال في عمري، "غزاة" يريدون افتكاك الأرغفة بالقوة،في معارك بالأيدي على قارعة الطريق،وكأننا نتقاتل على لقمة عيش، بينما الكبار يتفرجون.كنت أخسر المعركة غالبا، وأخسر معها أجرتي وبعض الأرغفة،وأعود حافيا باكيا إلى صاحب المخبزة،لكنه كان يرق قلبه لحالي،ويسلمني أجرتي وبعض الأرغفة لأسرتي الجائعة،ويشكرني مبتسما على استبسالي في الدفاع عن الرغيف،وكأنما كان يرى في عنادي الصغير روحا لا تنكسر.

ومضى ذلك الصيف،ومضى الذي يليه،ومضت الأيام بلا طعم ولا ذكريات،سوى ظلال طفولة شقية،وبؤس عائلة تعيش على الكفاف،وكأن الزمن كان يمر علينا دون أن يمسح دموعنا،بل كان يزيد جراحنا عمقا.

كبرت،وكبرت معي مواجع بحجم هذا الوطن، وكأن كل جرح في طفولتي كان نواة لألم أكبر. وقررت أن أكون كاتبا،نكاية في الأزمنة المفروشة بالمواجع،واستردادا لطفولة معطوبة،لكن بطعم آخر..كنت أريد أن أحول الجوع إلى كلمات،والفقر إلى نصوص،والثلج الذي مشيت عليه حافيا إلى دفء يحميني الآن.ويبدو أن السماء استجابت، فقد أصبحت ما أردت،لكني كلما كتبت،عادت إليَّ تلك الطفولة تطرق بابي،كأنها لم تغادر،وكأنها تذكرني بأن الجوع ليس مجرد غياب للطعام،بل حضور للألم في كل تفاصيل الروح.

والآن،وأنا أكبر من تلك الطفولة بسنوات،وأكثر من المواجع بكثير،أدرك أن الجوع الذي عشته لم يكن مجرد نقص في الخبز،بل كان مدرسة قاسية علمتني أن القيمة ليست في ما نملك،بل في ما نحلم به..كنت أظن أن البحر الذي رأيته في قابس سيكون نهاية العطش،لكني اكتشفت أن البحر كان بداية لشوق أكبر،شوق إلى حياة أخرى،إلى طفولة أخرى لم أعشها،إلى أم لم تخط فقط كرة من قماش،بل خاطت في روحي عزيمة لا تمزقها خيوط القهر والفقر.

أتعلمون؟ حين أمشي الآن على شاطئ البحر،وأنا الذي كنت أمشي حافيا على ثلج الدروب،أشم رائحة الرغيف الذي دافعت عنه،وأسمع صوت أختي وهي تقرأ دروسها على ضوء شمعة،وأرى أمي تخيط في الظلام،وأبي يرتجف أمام المؤجر. كل أولئك لم يغادروا،بل تحولوا إلى حبر أسكبه على الورق،كي لا يموتوا،وكي لا تموت تلك الطفولة التي كانت شقية لكنها كانت نبضا لا يتوقف..

واليوم،حين أكتب عن الفقر،لا أكتب بدافع الانتقام من الزمن،بل بدافع الحب لمن علموني أن الرغيف ليس مجرد خبز،بل هو كرامة،وأن الدفاع عنه ليس مجرد معركة في السوق،بل هو دفاع عن الإنسانية التي نحن عليها. 

بكيت كثيرا وأنا أكتب هذه السطور،ليس حزنا على ما مضى،بل فرحا بأنني صرت قادرا على البكاء،لأن البكاء يعني أنني ما زلت حيا،وما زلت أشعر،وما زلت أؤمن بأن الجوع الذي عشناه لم يقتل فينا القدرة على الحلم،بل جعلنا نحلم أكثر، وكأن كل رغيف فُقد كان نافذة تفتح على سماء أوسع.

أيتها الطفولة الشقية،يا من مشيت حافيا،عاريا على دروبك،ويا من دافعت عن الرغيف كأنه وطن، ويا من ركضت ستة كيلومترات لأجل قطعة لحم، أنتِ الآن في كل كلمة أكتبها،وفي كل دمعة تسقط على الورق،وفي كل ابتسامة أهديها لمن يعتقدون أن الألم نهاية الطريق.أنتِ لم تكوني مجرد ماض، بل كنتِ بداية كل شيء،وها أنا الآن،بكل ما كتبتُ، أحاول أن أرد لكِ بعضا مما أخذتِ،وأن أقول للعالم: إن الطفولة التي تعيش على حافة الرغيف، هي التي تصنع كُتّابا يكتبون بأرواحهم،لا بأقلامهم فقط.

فليكن هذا المقال شهادة أن الجوع لا يقتل الأحلام،وأن الفقر لا يمحي الضوء،وأن كل طفل مشى حافيا على دروب الأحزان،يحمل في قدميه نارا ستضيء دروبا كثيرة. 

رحم الله أمي التي خاطت لي كرة من قماش، ورحم الله أبي الذي كان يرتجف خوفا على كرامته،ورحم الله تلك الطفولة التي علمتني أن الألم ليس سوى بداية للكتابة،وأن البكاء على الماضي ليس ضعفا،بل هو أقوى ما في الإنسان حين يعترف بأنه كان طفلا،وما زال..

فكلنا،في النهاية،أطفال عضنا الفقر بنابه الأزرق المتوحش،وحملنا في جيوبنا الخاوية بحرا من الأحلام،وصرنا كتّابا نروي سير الجوع،كي لا يموت الجياع في ذاكرة الزمن..

وها أنا ذا،ما زلت أحمل ذلك الطفل الحافي في أعماقي..أمي خاطت لي كرة من قماش،وأنا اليوم أخيط جراح الطفولة بحبر لا يجف. 

الجوع الكافر الذي أكل عظامي هو نفسه من أطعم روحي كلمات،والبحر الذي انتظرته طويلا لم يمنحني سوى يقين واحد: أن الاتساع الحقيقي ليس في الأفق،بل في قلبٍ يكتب الألم ولا يموت. بكيتُ لأكتب،وأكتبُ لأُبقي على تلك الطفولة الشقية حيّة،لأنها وحدها من صنعت هذا الكاتب الذي لا يخاف الجوع بعد اليوم،والذي أدرك أخيرا أن أقسى أنواع الفقر ليس خلوّ الجيب،بل نسيان أننا كنا أطفالا مشينا حفاة على الجراح..وما زلنا..!

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط