كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

طلعت ريحة السنيورة

فهم ما يحصل يتطلب بداية التذكير بثلاث نقاط أساسية:
علاقة الرئيس فؤاد السنيورة بالرئيس سعد الحريري سيّئة. بمعزل عن وحدة الصف السياسي، لكل منهما حساب مصرفي خاص به وحده. وفي وقت يتضاءل فيه رصيد الحريري عاماً تلو آخر، يراكم السنيورة الأموال، وهو لا يزال يرفض، وقطعياً، أن يقول للناس كم كانت ثروته عندما دخل الحكم عام 1992، وكم تساوي اليوم .
رئيس مجلس إدارة «سوكلين» ميسرة سكر كان طوال السنوات العشر الماضية أقرب إلى السنيورة منه إلى الحريري، حتى إنه في الفترة الاخيرة كان يقول إن «فيتو» الحريري عليه سوف يطيحه خارج السوق، وإنه لن يتقدم للمناقصات ما لم يطلب منه الحريري ذلك.
بدأ الحريري منذ تشكيل «حكومة المصلحة الوطنية» نقل كل دجاجات الإدارة اللبنانية التي تبيض ذهباً من قنِّ السنيورة وغيره إلى مقاولين ورجال أعمال آخرين، يبرز الى الواجهة منهم هذه الايام جهاد العرب. وقد لعب الوزير نهاد المشنوق دوراً رئيسياً في هذه العملية، خصوصاً في وزارة الداخلية والبلديات، الأمر الذي أسهم في مضاعفة حقد السنيورة على المشنوق.
هكذا وجد السنيورة أن «حصته» ستكون مهددة في حال انتقال عقود سوكلين إلى آخرين، فبدأ التخطيط عن قرب لإفشال مشروع الحريري ــ المشنوق، معوّلاً بشكل أساسي على رئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر، وأمين عام مجلس الوزراء السابق سهيل بوجي، ورئيس مجلس إدارة شركة سوكلين ميسرة سكر، إضافة إلى رهانه على «ضعف وقلة دراية» وزير البيئة محمد المشنوق. وسرعان ما تحدد برنامج لقاءات في مكتب بوجي، الذي جمع السنيورة مع الجسر وسكر لبحث التطورات، مستفيدين من الطابور الكبير الخاص بكل واحد من هؤلاء في الإدارة العامة والمصارف وعالم المقاولين والإعلام.
في المرحلة الأولى نجح هؤلاء في الحؤول دون تقدم أي شركة إلى مناقصة بيروت والضاحيتين، في موازاة تفجر أزمة النفايات في البلد، من دون أن تكون «سوكلين» نفسها بعيدة عن هذه العملية. كان يراهن هؤلاء على أن بقاء النفايات لفترة وجيزة في الطرقات، بعد أن أغلق السكان الغاضبون مطمر الناعمة، سيسهم في تكرار سيناريو التجديد لسوكلين، تماماً كما كان يحصل في السنوات الماضية، حيث كان مجرد التهديد بتراكم النفايات في شوارع العاصمة، يؤدي إلى اجتماع الحكومة على عجل لتمديد عقد «سوكلين» من دون إجراء أيّ تعديلات جدية عليه. إلا أن الأمور لم تكن بهذه السهولة هذه المرة. وفي وقت راهن فيه السنيورة ولا يزال على أن وليد جنبلاط سيفتح مطمر الناعمة مجدداً، كان يكمل سعيه لإفشال المناقصات وإسقاطها.
ما فعله الثلاثيّ غير المرح (الجسر، سكر، بوجي)، برعاية من السنيورة دائماً، كان وضع دفتر شروط منفّر لجميع الشركات الأجنبية: أيّ شركة ستستثمر مئة مليون دولار في بلد غير مستقر لا أحد يضمن إن كان سيدفع مستحقاته لهذه الشركة أو لا؟ وأيّ شركة ستغامر بشراء أرض ضخمة لتحويلها إلى مطمر، وشراء معمل فرز، وشراء كل عدة جمع النفايات وتوظيف الآلاف، في استثمار مدته ثماني سنوات فقط؟ فضلاً عن أن باب المناقصة فتح لمدة قصيرة جداً، في وقت يستمتع فيه الأوروبيون بإجازاتهم. وعليه، كان ينتظر أن لا يتقدم أحد ــ مرة جديدة ــ إلى هذه المناقصة، فيجد اللبنانيون أنفسهم أمام أمر سوكلين الواقع، ويمددون العقد السيّئ نفسه ثماني سنوات كما يحلم ميسرة.
إلا أن وزير الداخلية أوحى لجميع الشركات المعنية بالنفايات أن المناقصة جدية هذه المرة وعليهم التقدم، وكذلك فعل وزير البيئة الذي كان ولا يزال يظن أن التخلص من «سوكلين» أو إخراج الجبنة من معدة السنيورة أمر بهذه السهولة. وبعد توفير كل التطمينات للشركات، وإيحاء وزير الداخلية لمعنيين بالمناقصة أن جهاد العرب سيكون شريكهم المقبل، تقدمت شركات عدة صوب ملعب «سوكلين»، سواء في بيروت أو في كسروان والمتن وجبيل أو في الشوف وعاليه وبعبدا.
هنا وجدت «سوكلين» نفسها في مواجهة مع Lavajet التي تنافسها بقوة في الخليج، وخصوصاً في الإمارات والبحرين وأخيراً قطر، وIndevco التي كانت تترقب هذه الفرصة الثمينة لإثبات نفسها في السوق اللبناني. ولا بدّ من الإشارة في هذا السياق إلى أن معظم ما أشيع عن علاقات للسنيورة بالشركات المتسابقة هو محض تضليل. صحيح أن رئيس مجلس إدارة Lavajet أنطوان أزعور هو شقيق الوزير السابق المحسوب على السنيورة جهاد أزعور، وصحيح أن علاقة افرام ببعض المقربين من السنيورة وطيدة جداً، إلا أن رئيس كتلة «المستقبل» لا يريد أحداً غير «سوكلين». لا يمكن إغراء من يعتقد أنه يملك كل شيء، بتملك أسهم في شركة مساهمة. السنيورة كان ولا يزال يريد «سوكلين». ومع تقدم عدة شركات إلى المناقصات بأسعار متساوية مع سعر سوكلين، لكن بمواصفات كنس وجمع وفرز أفضل بكثير من مواصفات سوكلين، كان لا بدّ أن ينتقل ثلاثي السنيورة إلى الخطة ــ ب، مستفيدين من نفوذهم داخل الإدارة ووسائل الإعلام، و»قلة دراية وزير البيئة».
خلال يومين حصلت أشياء كثيرة:
ــ توجه ميسرة سكر على عجل للقاء الرئيس سعد الحريري وتقديم كل التعهدات المطلوبة لإعطائه فرصة أخرى.
ــ نشط فريق السنيورة في التحريض المذهبي داخل بعض الصالونات ضد إخراج هذه الدجاجة الثمينة من البيت المستقبليّ إلى بيوت أخرى لا أحد يعرف مرجعيتها الحقيقية، وكان لا بد من التذكير طبعاً بـ»مذهب سوكلين ومذاهب الشركات الأخرى».
ــ أحاط بوجي والجسر بوزير البيئة.
ــ جهزت العدة المطلوبة للخبطة الإعلامية.
قبيل فضّ العروض، سرّب الى وسائل الإعلام أن السعر الذي تقدمت به الشركات أعلى من سعر «سوكلين». وخلال جلسة فضّ العروض جلس الجسر قرب المشنوق لاحتساب الأسعار بنفسه. وبدل أن يبقي «مقطوع الكنس» على جنب كما في حالة «سعر سوكلين»، قام بتقدير السعر المخصص لطن الكنس وإضافته إلى أسعار الشركات، من دون أن ينسى إضافة الـTVA أيضاً، ليشهق متفاجئاً من أن سعر الشركات أعلى من سعر «سوكلين»، ويعطي الورقة النهائية، أو القنبلة لوزير البيئة حتى يفجّرها بنفسه. وبمجرد أن أذاع وزير البيئة الأسعار، انطلقت حملة سياسية ــ إعلامية مبرمجة لشتم الشركات و»آكلي الجبن» والمطالبة ضمنياً بالتمديد لسوكلين «بعدما تبين أنها الأفضل».

وضع الثلاثيّ غير
المرح (الجسر، سكر، بوجي)
دفتر شروط منفّر

وفي ظل موجة الغضب العارم، لم يكن في وسع أحد في الشارع أن يفهم أو يسمع أن «سوكلين» تجمع وتطمر الطن مقابل 121 دولاراً (دون احتساب عقد الكنس)، فيما تراوح سعر الشركات الأخرى بين 117 دولاراً في بيروت (lavajet) و123 دولاراً في كسروان وجبيل (Indevco)، أي إنهما شبه متساويين مع سعر «سوكلين»، ولكن مع فارق بنحو ثلاثين دولاراً مقابل الطن الواحد إذا ما تم احتساب خدمات الكنس على كامل المساحة الجغرافية للمنطقة الخدماتية، ونسبة المعالجة لاسترداد 60 في المئة من النفايات كما نص دفتر الشروط، وغيرها من العوامل التي لو تم احتسابها بطريقة علمية لتبين أن سوكلين لو أرادت الدخول الى المناقصة الجديدة وأجبرت على القيام بما نص عليه دفتر الشروط، لكانت بدون شك قد قدمت سعراً للطن يفوق 220 دولاراً أميركياً، مع العلم بأن «سوكلين» تجمع وتفرز وتطمر في أراض تؤمنها الدولة، فيما قدمت هذه الشركات عرضاً بسعر أقل بكثير من «سوكلين» مقابل الجمع والطمر، إضافة إلى الاستثمار الواجب دفعه من قبل الشركات، والذي لا يقل عن 70 مليون دولاراً في كل منطقة لبناء مراكز المعالجة والفرز وشراء أرض للطمر.
بعد إخافة الرأي العام من المناوئين لـ»سوكلين»، خرج الرئيس نبيه بري والنائب وليد جنبلاط وآخرون، للقول إن الأسعار غير مقبولة ويجب إلغاء المناقصة. ورغم محاولات الوزير محمد المشنوق شرح ما يحصل، وتوضيح أن دمج سعر الكنس المقطوع مع سعر الجمع والمعالجة والطمر هو الذي أدى إلى ارتفاع سعر الشركات الأخرى، إلا أن الفخ الذي نصبه السنيورة كان محكماً، فبقي كلامه دون صدى، بعدما طلب مجلس الوزراء مجتمعاً إلغاء المناقصة، مستندين أيضاً الى كون الشارع في حالة غضب.
لن تنتهي الأمور هنا. السنيورة يريد إعادة «سوكلين»، وهو يخطط وينفذ بعيداً عن الأضواء، فيما خصمه الرئيسي في تيار المستقبل الوزير نهاد المشنوق يتلقى ضربات المتظاهرين. وكان السنيورة وحيداً قبل أسبوع، لكن سكر أعاد كسب ثقة أكثر من طرف سياسي، ولا يمانع الحريري استمرار سوكلين في عملها الى حين إتمام مناقصة المحارق التي وضعها أثناء توليه رئاسة الحكومة، والتي تحتاج سبع سنوات. أما جنبلاط، فلا يمانع بدوره من بقاء سوكلين، لكنه يشترط أن تجد مكاناً آخر غير الناعمة لرمي النفايات. وعليه، فإن امتصاص مجلس الوزراء للنقمة، هو مجرد تمهيد لقيام سوكلين بالتفاف كامل تستعيد بموجبه ملف النفايات، معززة مكرمة مشكورة، تماماً كما سبق للسنيورة أن عاد يوماً من المحكمة إلى الحكم.
حين يتعلق الأمر بمصالح الحريريين، لا يجوز التعامل بخفة أو إهمال أيّ تفاصيل. الرجل المتنعّم بهذا الكنز لن يتخلى عنه، خصوصاً أنه يختبئ بعيداً عن الأنظار، فيما المتظاهرون يلفّون حول أنفسهم ويدورون بدل تسمية الفاسد الأول في هذه الجمهورية بالاسم والمطالبة بمحاكمته، قبل وزيري البيئة والداخلية وسائر من يستخدمهم الحريريون آنياً في مشروعهم الكبير.
عن الاخبار اللبنانية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط