كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

طوفان الجماعة وسفينة السيسي

لم يكن لدى الشعب ما يحول دون التعبير عن رغبته في إتاحة الفرصة أمام جماعة «الإخوان»، عقب نجاح ثورة يناير في إطاحة رأس النظام القديم، وذلك لأسباب عدة، ربما كان أهمها:

1- حالة التجريف السياسي التي مرت بها البلاد على مدى عقود طويلة، والتي ساعدت على تسويق الجماعة باعتبارها القوة السياسية الأكثر تنظيماً وجاهزية لاستلام مسؤولية الحكم في لحظة استثنائية من عمر الوطن.

2- التضحيات الكبيرة التي قدمتها الجماعة حين كانت في صفوف المعارضة، وأصر الرئيس السابق حسني مبارك على استخدامها فزاعة لتبرير استمراره في السلطة طوال هذه الفترة.

3- اعتقاد قطاع واسع من المصريين بأن من شأن التدين الظاهر لأعضاء الجماعة زيادة جرعة المناعة لديهم، وتحصينهم ضد الإصابة بفيروس الفساد عقب توليهم مسؤولية الحكم.

غير أن ما إن بدأت الجماعة في ممارسة مسؤولية الحكم فعلاً، حتى راحت مساوئها تتكشف تباعاً. فبدا نهمها للسلطة كبيراً إلى درجة لا تقاوم، وسيطر عليها هاجس عدم الثقة في الآخرين وصل إلى درجة مرضيّة تسببت في الاندفاع السريع وغير المبرر للاستحواذ والهيمنة المنفردة على كل مفاصل المجتمع، وبطريقة مستفزة أثارت استياء الكثيرين، بما في ذلك أقرب حلفائها، ثم راحت الجماعة تمارس سياسات اقتصادية واجتماعية لم يشعر بسطاء الناس أنها تختلف في كثير أو قليل عن تلك التي كان يمارسها رجال مبارك وأعوانه. الأهم من ذلك أن سلوك أعضاء الجماعة بعد أن وصلوا إلى السلطة بدا مختلفاً وعلى النقيض تماماً من سلوكهم حين كانوا خارجها. فقد بدا واضحاً أن السلطة أدارت رؤوسهم، وأن الغرور ركبهم إلى الدرجة التي بدوا معها وكأنهم ينتمون إلى جماعة أخرى غير تلك التي عرفها الناس قبل كانون الثاني (يناير) 2011. مع ذلك، يصعب القول إن هذه العوامل كانت وحدها كافية لإشعال ثورة شعبية ضد جماعة «الإخوان» بعد عامين فقط من حصولها على الأكثرية في البرلمان، وبعد عام واحد من فوز مرشحها في الانتخابات الرئاسية. فلم تكن هذه الفترة كافية لإصدار حكم نهائي على مدى قدرة الجماعة على تحمل مسؤوليات الحكم.

لقد بدا الشعب المصري على استعداد لمنح الجماعة فترة أطول لإثبات أهليتها وجدارتها. غير أن إقدامها على تصرفات تؤكّد أنها تستهين بثوابت الأمن الوطني وتغلّب الاعتبارات الأيديولوجية والعقائدية على الاعتبارات الموضوعية والعملية عند تحديد رؤيتها لطبيعة المصالح الوطنية المصرية ومضمونها، دفع الشعب لتغيير رأيه، وقد بدا ذلك واضحاً من تصرفات عدة، ربما كان أهمها موقف الجماعة من الصراع الدائر في سورية وعليها. وشكل المؤتمر الذي عقدته الفصائل المنتمية إلى تيار الإسلام السياسي تحت شعار «نصرة سورية» نقطة تحول فاصلة في العلاقة مع جماعة «الإخوان»، فقد حرص مرسي على حضور المؤتمر بنفسه وترك فيه العنان لقدامى «الجهاديين» للتنافس في الدعوة إلى الجهاد ضد نظام الحكم القائم في سورية، وأقدم خلاله على قطع العلاقات الديبلوماسية معها، من دون تشاور مسبق مع وزارة الخارجية أو مع مؤسسات الأمن الوطني. فقد بدت مصر في هذا المؤتمر بلداً مخطوفاً يساق إلى مصير مجهول، وهو ما أثار حفيظة قطاعات واسعة من شعبها وأوصل العلاقة بين جماعة «الإخوان» والمؤسسة العسكرية إلى نقطة اللاعودة. وكان هذا هو المناخ الذي هيأ لخروج ملايين المصريين يوم 30 حزيران (يونيو) للمطالبة بسحب الثقة من نظام «الإخوان» الحاكم، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، كما هيأ لتحرك الجيش يوم 3 تموز (يوليو) لعزل مرسي بعد رفضه الاستجابة للإرادة الشعبية.

لم يكن بمقدور الجماهير المصرية التي خرجت إلى الشوارع والميادين يوم 30 يونيو، مهما بلغت أعدادها، أن تجبر مرسي على التنحي أو تقنعه بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، حتى لو قررت هذه الجماهير الاعتصام لأيام وليالٍ طوال. ولولا تحرك الجيش يوم 3 يوليو لعزل مرسي وإعلان خريطة طريق جديدة، بالتوافق مع الكثير من رموز القوى السياسية والدينية، لما أمكن على الإطلاق وضع حد لحكم الجماعة في مصر، ولأن المشير السيسي، بصفته وزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة المصرية، كان هو الشخصية المحورية وراء هذا التحرك، فقد كان من الطبيعي أن يحظى بشعبية طاغية لم تعرفها مصر منذ ظهور عبدالناصر، ما جعله يبدو في نظر الكثيرين بمثابة «البطل المنقذ».

لم يكن السيسي حتى قيام ثورة يناير، حيث كان يشغل منصب مدير الاستخبارات العسكرية بدرجة لواء، شخصية معروفة بالنسبة إلى الكثيرين، ولم يعرف عنه ميل للظهور الإعلامي إبان فترة حكم المجلس الأعلى للقوات المسلحة. وحين وقع اختيار مرسي عليه كوزير للدفاع، عقب إطاحة المشير طنطاوي، انطلقت إشاعات قوية، استناداً إلى ما كان معروفاً عنه من تدين وانضباط، تؤكد ولاءه لجماعة «الإخوان». وسرعان ما تبين أنه لا أساس لتلك الإشاعات، وأن السيسي رجل من طراز مختلف نوعياً عن القيادات التي هيمنت على مقدرات الجيش المصري في السنوات الأخيرة، خصوصاً بعد أن تكررت دعواته إلى حوار سياسي يخرج البلاد من حالة الاستقطاب التي دخلت فيها، ثم راحت هذه الدعوات تحمل في طياتها ما يشبه الإنذارات المبطنة أو الصريحة لكل الأطراف. مع ذلك، لم يتوقع أحد أن يقدم السيسي على ما أقدم عليه في 3 يوليو. لكن، ما إن بدأ الرجل يتفاعل سياسياً مع تطورات الأزمة، حتى أدرك الشعب المصري أنه عثر على الشخصية المؤهلة لقيادة السفينة القادرة على إنقاذه من طوفان الجماعة.

يتضح من هذا الاستعراض الموجز أنه ما كان لسفينة السيسي أن تطفو أصلاً على سطح الحياة السياسية المصرية لولا خوف الشعب المصري من طوفان «إخواني» راح يهدده بالموت غرقاً. مع ذلك، يتعين الانتباه إلى حقيقة مهمة وهي أن الذين قفزوا إلى سفينة السيسي، طلباً للنجاة من طوفان الجماعة، ليسوا جميعاً، وبالضرورة، مواطنين صالحين يريدون الخير لمصر أو يحرصون على أن ترسو سفينتها إلى بر الأمان. بل لا مبالغة في القول إن هناك من يحرص على القفز داخل هذه السفينة على أمل توجيهها نحو الوجهة التي يريدها، لكنه لن يتردد في العمل على خرقها إن استقرت بوصلتها على وجهة أخرى غير التي يريدها.

لم يعد هناك أي مجال للشك في أن المشير السيسي سيرشح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة وأنه سيفوز فيها حتماً، ليس لأن هذه الانتخابات ستزوّر لمصلحته، فلن تكون هناك حاجة أو ضرورة للقيام بأي نوع من التزوير، ولكن لأن غالبية الشعب المصري لا ترى مرشحاً أقدر منه على مواجهة التحديات التي تواجهها مصر في اللحظة الراهنة على الصعد المحلية والإقليمية والدولية كافة، وهي تحديات كثيرة جداً ومتنوعة ومعقدة. ومع ذلك ليس بمقدور أحد أن يدرك على وجه الدقة ما الذي يدور بالضبط في عقل السيسي في تلك اللحظة المفصلية من تاريخ الوطن، ومع أي من القوى والتيارات السياسية سيتحالف، وعلى أي منها سيعتمد لصوغ برنامجه الانتخابي ثم لتنفيذه عقب فوزه بالمقعد الرئاسي.

يحلو لكثيرين تشبيه عبدالفتاح السيسي بجمال عبدالناصر، غير أنه لا وجه للمقارنة بين الرجلين. فقد كان عبدالناصر صاحب عقلية سياسية دفعتها قناعات أيديولوجية، وربما طموحات شخصية أيضاً للالتحاق بالجيش واستخدامه أداة لإحداث تغيير يصبو إليه وواضح المعالم في ذهنه، أما السيسي فصاحب عقلية عسكرية دفعتها الظروف دفعاً للقيام بعملية إنقاذ سياسي. وبينما كان بوسع عبدالناصر الاعتماد في إدارته اللاحقة للبلاد على مجموعة «الضباط الأحرار» التي شكلها بنفسه والاختيار من بينها ما تتناسب قدراته مع متطلبات كل مرحلة، ليس لدى السيسي تنظيم سياسي أو غير سياسي يعتمد عليه أو يثق فيه لإدارة الدولة عقب الفوز بالمقعد الرئاسي. ولأن فوزه لن يتوقف بالضرورة على مهارة الفريق الذي يختاره لقيادة حملته الانتخابية، بل وقد لا يحتاج أصلاً إلى حملة انتخابية بالمعنى المتعارف عليه، فلن يكون السيسي مديناً لهذا الفريق، أو لغيره بأي شيء يدفعه للاعتماد عليه لاحقاً في إدارة الدولة. لذا، قد يقع الرجل تحت الإغراء السهل بالاعتماد على عناصر من داخل المؤسسة العسكرية التي يعرفها أكثر من غيرها، وهو ما قد يؤدي إلى الانزلاق تدريجاً نحو حكم عسكري مباشر، وهنا مكمن الخطر.

في سفينة إنقاذ الوطن من حكم الجماعة تيارات متعددة تتصارع للفوز بقلب القبطان وتحاول دفعه لاختيار الوجهة التي يريدها كل تيار، لكن أخطر هذه التيارات هو الذي تمثله شبكة مصالح ارتبطت بالنظام القديم وترى أن 30 يونيو هي الثورة وترى في السيسي رمزاً من رموز النظام الذي أسقطته جماعة «الإخوان». غير أن الشعب المصري يأمل في أن يكون السيسي هو الرجل الذي يستطيع تعبئة كل الطاقات التي تستطيع وضع مصر على طريق المستقبل، من دون أن يستبعد أحداً أو يغذي مشاعر الانتقام لدى أي طرف.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط