كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

ظاهرة الدور القطري: عقدة المخرَج

ظاهرة الدور القطري: عقدة المخرَج

تاريخ النشر: 2017-06-25 | 07:04

انتهيت في مقالة الأحد الماضي إلى أنه «مهما يكن الحل الذي ستنتهي عنده الأزمة، فإنه لا بد أن يحتوي على ثلاثة عناصر، من دونها سيبقى حلاً شكلياً، قد يوفر مخرجاً موقتاً..... العنصر الأول إخراج قطر من عقدة الانقلاب الأبيض الذي أتى بالشيخ حمد بن خليفة إلى الحكم عام 1996..... العنصر الثاني، أن تتوقف قطر تماماً عن ممارسة الدور الذي فرضته عقدة الانقلاب الأبيض. العنصر الثالث أن الحل يجب أن يكون جزءاً من اتفاق أشمل على إحداث تغييرات في نظام وعمل مجلس التعاون. تركيبة المجلس، ونظامه الأساسي، وآلية عمله من بين الأسباب التي سمحت باستمرار مسلسل الأزمات مع قطر، وهو مسلسل تجاوز عمره الآن أكثر من 20 سنة».

عقدة الانقلاب الأبيض هي تحول موقف الشيخ حمد من السعودية من موقف سياسي مرتبط بظروف سياسية معينة إلى حال نفسية، أو هاجس حاضر في جل سلوكه وقراراته الخارجية. وكرئيس للدولة بات هذا الهاجس في صلب السياسة الخارجية للدولة التي كان يديرها وزير الخارجية حمد بن جاسم، وهو ينافس رئيسه في الموقف من السعودية. كانت البداية عندما كان الشيخ حمد بن خليفة ولياً للعهد. حينها كان يرى أن قطر تخضع في عهد والده، الشيخ خليفة، لما بدا له هيمنة سعودية لا مسوغ لها. وعلى خلفية ذلك كثيراً ما تصادم مع القيادة السياسية، خصوصاً الملك فهد حينها. ثم جاء الانقلاب الأبيض على والده، الذي استدعى داخل العائلة، كما يبدو، بعد حوالى السنة انقلاباً مضاداً. مرة أخرى كانت قناعة الشيخ حمد أن السعودية ومصر وراء الانقلاب الأخير. هنا تحول الأمر من موقف سياسي إلى عقدة تتحكم في السلوك السياسي لأمير الدولة. بات الهدف المركزي لقطر في عهده إما مناكفة السعودية ومنافستها واستفزازها، والاصطفاف مع خصومها في أحسن الأحوال، أو التآمر للإطاحة بنظامها في أسوئها.

خلاصة القول إن الشيخ حمد ظل مهجوساً بالسعودية ومقارعة دورها (أو هيمنتها) منذ أن كان ولياً للعهد وحتى بعد أن تنحى عن الإمارة لمصلحة ابنه الشيخ تميم عام 2013. لكن الموقف القطري من السعودية لم يتغير كثيراً حتى بعد تنحي الشيخ حمد، وتقاعد حمد بن جاسم. وإذا كانت عملية التنحي جاءت بعد انكشاف تسجيلات الحديث مع القذافي، وكجزء من تفاهم مع السعوديين لتجاوز هذه التسجيلات، فإن استمرار السياسة ذاتها بعد التنحي يشير من ناحية إلى تمكن وصلابة عقد الانقلاب، ومن ناحية أخرى إلى أن عملية التنحي كانت مناورة لكسب الوقت. يعزز ذلك أن قطر ترى أنها لم تعد ملزمة بعد وفاة الملك عبدالله بن عبدالعزيز باتفاق الرياض الذي أنهى أزمة سحب السفراء عام 2014.

كل ذلك يفرض إخراج قطر من هذه العقدة، ولن يتحقق ذلك إلا بخروج الشيخ حمد وذراعه الأيمن حمد بن جاسم من عملية القرار السياسي في الدوحة، وتفعيل عملية التنحي بشكل كامل، ومن ثم تبني سياسة خارجية مختلفة وأكثر انسجاماً مع أمن واستقرار كل دول مجلس التعاون. تحقق ذلك يؤدي مباشرة إلى تحقق العنصر الثاني، وهو تخلي قطر عن الدور الذي فرضته عقد الانقلاب. لا شك في أن هذا يتطلب تفاهمات وتطمينات مع السعودية والإمارات والبحرين. وليس هناك ما يمنع ذلك.

العنصر الثالث ربما أنه الأهم باعتباره يمثل البيئة السياسية الإقليمية التي تسمح وتتسع لغياب التنسيق والانسجام في السياسات الخارجية لدول مجلس التعاون، وبالتالي اتسعت لأكثر من عقدين من الزمن للدور القطري الذي انتهى بالأزمة المتفجرة الأخيرة. لكنها بيئة اتسعت لدور كويتي سابق، وتتسع الآن لدور عماني لا يقل تغريداً خارج السرب أحياناً عن قطر، خصوصاً لناحية علاقة مسقط المتينة مع إيران، وهي علاقة تعتبرها السلطنة ضرورية لحفظ التوازن الإقليمي بين الرياض وطهران، وليس بين مجلس التعاون وإيران.

وتتسع كذلك لدور إماراتي ينتمي إلى النمط الخليجي ذاته. كيف يمكن التوفيق في هذه الحالة بين دول يجمعها تكتمل اقليمي واحد، وفي الوقت نفسه تنخرط في أدوار ليست متناسقة ولا منسجمة، وتستخدم مدارس دينية (أيديولوجية) مختلفة؟ ليس غريباً والحال كذلك أن تعاني هذه الدول كما رأينا مما أسميه بظاهرة الدور القطري. هذا سؤال يحتاج إلى مواجهة.

على المستوى السياسي هناك اختلافات تفرز خلافات مضمرة لا تظهر في الغالب على السطح. أغلب دول مجلس دول صغيرة في مقابل دولة (السعودية) هي بالمقارنة كبيرة جداً جغرافياً وديموغرافياً واقتصادياً. الدول الصغيرة تخشى من سطوة وهيمنة الدولة الكبيرة. وهذا يتسبب أحياناً في انفجار أو إطالة أمد خلافات ما كان لها أن تظهر أصلاً. الإشكالية ليست في وجود الظاهرة، وإنما في طريقة التعامل معها، والاستسلام لحساسيتها من دون حل لها كما فعل الاتحاد الأوروبي مثلاً، أو حلف الناتو. لمعرفة أثر هذه المشكلة إليك هذا النص من اتفاق الرياض التكميلي عام 2014 لحل الأزمة مع قطر. إذ ينص في أحد فقراته على أنه «تم الاتفاق على تبني الآليات التي تكفل السير في إطار جماعي، ولئلا تؤثر سياسات أي من دول المجلس في مصالح وأمن واستقرار دوله، ومن دون المساس بسيادة أي من دوله، وفي هذا الخصوص أكد وزراء الخارجية موافقة دولهم على آلية تنفيذ وثيقة الرياض». إذا لم تفهم شيئاً، فلست وحدك. لغة البيان مبهمة مراعاة للحساسيات وليس للمصالح. تقول كل شيء، ولا شيء في الوقت نفسه. الشيء الوحيد الواضح في الفقرة السابقة أن «اتفاق» أو «وثيقة» الرياض التي وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) 2013 لم يتفق حينها على آلية لتنفيذها. وهذا بحد ذاته أمر لافت.

تشير الأزمة القطرية إلى خلل وثغرات في المفاوضات، وفي الاتفاقات التي تنتهي إليها، وكلها ذات علاقة بآليات عمل مجلس التعاون، ونظامه وتقاليده وحساسياته. الأمر الذي يسهل أموراً كثيرة كالمطاولة، والمماطلة، وإثارة المخاوف والشكوك، واللجوء للمراوغة، وتفعيل آلية التنفيذ عند اتفاق غامض تارة، وتبرير عدم التنفيذ تارة أخرى. وهذا مثال تكرر كثيراً، على ما أقصده بتغيير نظام مجلس التعاون، وآلية عمله، خصوصاً في ما يتعلق بالخلافات بين أعضائه، وطريقة التفاوض حولها.

هذا على رغم أن اختلاف الأحجام والأدوار أمر طبيعي بين كل الدول. هو ظاهرة موجودة في كل المنظمات والتكتلات الإقليمية والدولية. لا ينبغي تضخيمه، بل وضعه في محله الطبيعي، وعدم السماح له بعرقلة عمل مجلس التعاون. ليس هناك فرق بين دول المجلس في حقوق الوحدة والاستقلال والسيادة لكل دولة من دوله مهما كان حجمها، أو قدراتها وإمكاناتها، أو مساهمتها في المجلس. هذا مبدأ ملزم وحاكم، على أعمال المجلس، وعلى العلاقات بين أعضائه. لكن هناك مبدأ آخر، وهو أنه لا يمكن أن تكون هناك مساواة في المسؤوليات والمخاطر والأدوار بين دول المجلس، وما يتطلبه كل ذلك. بعد اجتياح العراق للكويت، من الذي تحمل المسؤولية الأكبر لتحرير الكويت؟ هنا تأتي القاعدة الثالثة، وهي أن تضافر العمل بين هذين المبدأين هو في نهاية المطاف لهدف واحد، حماية أمن واستقرار دول المجلس، وحماية وحدة وسيادة واستقلال كل دول. وهذه مسؤولية مشتركة بين كل دول المجلس مهما كان حجم كل منها.

الحل أو المخرج من أزمة قطر الحالية ينبغي أن يكون مختلفاً هذه المرة. على المستوى المحلي يجب مساعدة قطر في التخلص من عقدة الانقلاب. وربما إضافة فقرة عن خيار آلية الانقلاب في نظام المجلس، تشمل كل الدول. أيضاً يستدعي الأمر تغيرات أخرى في نظام المجلس، وطريقة عمله، وتحديد أكثر تفصيلاً لطبيعة العلاقة التي تربط بين أعضائه، وتجاوز إشكالية الحجم وحساسياته. من ذلك تحريم التدخل غير المشروع بين الدول الأعضاء، وتمييزه بشكل واضح عن تداخل العلاقات والمصالح بين هذه الدول. هذا مع ملاحظة أن المجلس في حال شلل في هذه اللحظة، وهو الغائب عن كل الجهود الجارية لإيجاد حل.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط