كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عبد الناصر.. أين أنت؟

«ارفع رأسك يا أخي»
هذا صوت جمال عبد الناصر. الصوت الذي أذن بعصر عربي جديد. الصوت الذي ملأ الزمان العربي، بقامة مارد، وحرّك شعباً بقامة أمة، صَدَحت أملاً، «من المحيط إلى الخليج».
«ارفع رأسك يا أخي».
هذا صوته. سمعتْه الملايين، فامتلأت يقيناً بأن مكانها وسيع تحت الشمس. هذا صوته. سمعتْه ملايين متعطشة لأفق لا يدلهمّ قهراً وظلماً ويأساً. سمعتْه جباه ارتفعت إلى مكانها الأعلى، فلن «تنخفض بعد اليوم». كان المكان العربي يليق باستقبال الغد، النقيض النقي، من التجزئة والتخلف والتبعية والاتكالية والهزائم. وكانت الجماهير، تؤم الساحات، تبشر بـ «يقظة العرب».
«ارفع رأسك يا أخي».
هكذا سمع العرب. شيء من نبوءة سياسية، تتكفل بصناعة تاريخ، لأمة عريقة ومستحقة، سلبتها الدول الاستعمارية وسامتها احتلالاً وتجزئة واستيطاناً ونهباً. لم يكن الصوت مصرياً، كان عابراً لحدود الكيانات والاقطار، ويبشر بعروبة هزت أنظمة، وأخافت ممالك، وأشعرت الغرب، بأن شمسه في المشرق إلى غياب.
«ارفع رأسك يا أخي».
كان ذلك قبل السويس وابانها وبعدها. ذهل غرب حشد عسكره وإسرائيله، لكسر الصوت وشل الإرادة ومنع النهوض. غلبت مصر، بعروبتها، الغزوة الثلاثية... احتفلت الجماهير ببداية عصر جديد. الحراك القومي ملأ الميادين من تونس إلى اليمن، ومن لبنان إلى سوريا، فيما كانت فلسطين تنفض عنها «النكبة» وتستعد لـ «عناق البنادق»، التي أطلقت العمل الفدائي.
بات عبد الناصر قائداً وعدواً معاً. قائداً لأمة مشت معه إلى التحرر، وعدواً لأنظمة عربية، وكيانات محظية، واستعمار لا يرى في العرب إلا قطعاناً تسير خلف سراب. كان صوته على صورة الرسم الذي أتقنته أقلام رواد النهضة العربية في القرن التاسع عشر ومطالع «العشرين». عروبة متحررة من القيود. ترى إلى الشعب بروابط الاجتماع والتاريخ، وليس بروابط الدين وتقاليد المذاهب. عروبة تتطلع إلى إقامة الدولة الواحدة، بالشعب الواحد، في الأرض الواحدة... لم يكن الإسلام دين العروبة، بل كان من روافد غناها الحضاري، ولا كان التراث حكراً على جماعة وأروقة، بل كان صناعة حقبة من حقب الأصالة العربية في الإبداع والترقي. كانت عروبته بحجم المستقبل، ولم تكن بوطأة الماضي، فملأت حاضراً يحتاجها، بعد يباب. كان ذلك في الزمن «الناصري» حقاً. وهو زمن مميّز، يؤسس لمشروع نهضوي سياسي، برغم نواقصه، يستقيم بقاعدة «التجربة والخطأ».
وكان ما كان. جاءت فلسطين بعد اليمن. تأخر الامتحان. انكسرت مصر، جاءت «نكسة حزيران»، أكبر من «نكبة فلسطين». بُحَّ صوت القائد. ظهر على الشاشة محطّماً. قال بنبرة المقهور: «إني أتنحى». سمع الناس حزنه الشاهق، وعرفوا أن الاستقالة هي الخسارة الثانية. خرجوا إليه بأمر رددته القبضات: «عُد إلى حيث أنت». رفضوه متنحياً، وأوكلوا إليه المستحيل الذي قتله.
كان ذلك زمن البدايات المغدورة. بعده، لم يقل أحد مثله، «ارفع رأسك يا أخي»، غلبت بابل الطوائف والمذاهب والفتاوى، الصوت الرائد. غلبت الدسيسة والنميمة ونصوص النفط وإسلام الفتنة والتكفير، صوت الكرامة والعقل والمستقبل. عصر عربي مظلم، أضاءته شعلة الفدائيين التي عادت وأطفأتها عباءات الظلام العربي، ونجوم «الاستبداد القومي» وجنرالات الهزائم المستدامة. زمن أسود، لم يرفع فيه العربي رأسه ولا صوته، إلى أن استعادت الجماهير الساحات والميادين. فكانت انتفاضة البوعزيزي في تونس، ثم انتفاضة إعلاميين في مصر، ثم انتفاضة المطلوبين في ليبيا، ثم انتفاضة المؤمنين بالحرية في مصر، وانتفاضة الأحرار في اليمن... في بعض ذلك الزمن، رفع العربي رأسه. نجح في تونس، وقليلاً في مصر، وتعرّض للسرقة والتنكيل في أكثر من بلد. حتى إذا هتف هاتف ما، وغرّد خارج السرب العربي بـ: «ارفع رأسك يا أخي»، سأل السامع: «أين» و «كيف» و»متى»... والأمة مذبحة.
يأس أقام دهراً. الذاكرة تحتشد فيها النكبات والنكسات. فقدان الأمل سمة الكائنات العربية التي ما تزال تدبّ في حياتها وبؤسها. لا ضوء، والعتمة العربية، «بطيئة الكواكب»، ولا تنبئ بنهاية... العرب، إقامة جبرية في الغياب. البديل عنهم، غربان الطوائف والمذاهب و «الاخوانيات» ومتوحشو التكفير ومرتزقة الآيـــات. البديل عن العرب، نماذج سياسية، تقتبس التجربة اللبنانية الفاشلة والرخيصة والمفضوحة...
ومع ذلك، ليس لليأس إقامة دائمة، برغم هذا الكالح من عصر العرب. البوعزيزي افتتح الميادين، وبالأمس القريب، افتتح لبنانيون، الميدان في قلب العاصمة بيروت. حراك لم يكن متوقعاً. حراك، حرك كل لبنان. أمل يراود اللبنانيين أن لا وقت للبدايات، كل الأوقات ممكنة. من هذا الحراك، ومن لحظة اندلاع الثورات العربية، يستعيد الإنسان العربي الأمل، بأن عبد الناصر، يمكن استعادة قامته وصوته وأحلامه. ويمكن استعادة زكي الارسوزي، وقسطنطين زريق، وانطون سعاده، وشبلي الشميّل وفرح أنطون، وقائد الإصلاح الديني محمد عبده. التاريخ، نظنه ينسى. إنه يحفظ للعرب لحظات المستقبل، والمطلوب ريادتها. فاليوم. وبعد الحراك في لبنان، يطيب للأحرار، استعادة ذلك الصوت الهادر: ارفع رأسك يا أخي. هنا وهناك وحيث يتطلّب ذلك. فلا بد للقيد أن ينكسر.

عن السفير

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط