كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عبد الناصر و«خطيئة العسكرة»

مع عودة المؤسسة العسكرية إلى واجهة السلطة في مصر، يكثر حديث مناوئيها عن الإرث الناصري «الثقيل» الذي زج بها في عالم السياسة. وتنمو في مخيال كثيرين ممن يحمّلون هذا الإرث ويلات ستين عاماً، قراءة تعيد الخطيئة الأولى إلى زعيم ما زال طيفه حاضراً في بلاده بعدما ساد الاعتقاد أنه اندثر.
وقد بلغ تحميل المسؤولية للتجربة الناصرية حد اعتبار البعض أن دولة الستينيات، بكامل مؤسساتها، مسؤولة عن تدعيم نظام مبارك، وأنها أنجبت «فلول» الأخير بعدما ترعرعوا داخل أروقة النظام الحاكم. فرأى منهم، مثلاً، أن فريق مبارك ما هو إلا امتداد طبيعي «للتنظيم الطليعي» الذي أسسه عبد الناصر في العام 1963 ليكون جهازاً سرياً داخل الدولة (تم حله من قبل السادات العام 1971). وقد وردت إحالة كتلك على لسان القيادي في «الإخوان المسلمين» عصام العريان في تصريح له قبيل عزل الرئيس السابق محمد مرسي، حين قال إن «أنصار التنظيم الطليعي الذين زرعهم عبد الناصر يتربصون بمصر ومؤسساتها ويسعون لإجهاض ثورة يناير وإفشال الرئيس» (علماً أنه يسهل تعداد كوادر كانوا في «التنظيم الطليعي» في الستينيات وشاركوا في ثورة يناير 2011).
غير أن خطيئة عبد الناصر الكبرى، بحسب هؤلاء، تجاوزت إنشاء تنظميات سرية وتقييد حريات عامة، إذ تمثلت أساساً بتثبيت دور مرجعي للمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية. فالرئيس الأسبق، وفق هذا الرأي، رعى تضخم الذراع العسكرية في مصر بعدما كانت محدودة الأثر، وشجع تالياً على تكرار هذا النموذج الكابح لنمو الحياة السياسية (والديموقراطية) في سائر بلدان العالم العربي.
إلا أن قراءة كهذه تبدو قاصرة عن الإحاطة بكثير من المعطيات التاريخية التي تنفي «ابتداع» التجربة الناصرية لدور المؤسسة العسكرية في مصر والعالم العربي، من دون أن يعني ذلك تنزيه التجربة عن رعاية هذا الدور وتسهيل انتفاخه على حساب السياسة.
فمن ناحية أولى، يغفل أصحاب هذا المنطق أن المؤسسة العسكرية نالت دوراً ثابتاً في معادلة السلطة في مصر منذ عهد مؤسس الدولة المصرية الحديثة محمد علي. فالأخير رعى بناء جيش وطني يحل مكان العناصر الأجنبية غير المنظمة (معظم عناصر الجيش كانوا من الألبان والأكراد والشراكسة)، وهو استقدم لهذه الغاية خبراء أجانب ليؤسس أول نواة للجيش المصري في العام 1821 بإنشائه مدرسة أسوان الحربية. وقد اكتمل بناء اللبنة الأولى من الجيش العام 1823 وخيضت به معارك الحجاز ضد الوهابيين، قبل أن تنشب حرب بين مصر والدولة العثمانية على أرض الشام انتهت بتدخل الدول الأوروبية لحماية العرش التركي من وريث قوي محتمل. ومع اكتمال عملية بنائه، شكل الجيش عماد الدولة المصرية الوليدة، التي تمحور تحديثها حول حاجة المؤسسة العسكرية إلى تطوير في الأداء والتقنيات، من أجل خوض معارك الخارج والدفاع عن النظام الذي تم تجديده في الداخل.
ثانياً، تتجاهل هذه القراءة دور الجيش في التعبير عن الهوية المصرية تاريخياً. فثورة الضابط المصري محمد عرابي ضد الاستعمار وأدواته المحلية (أي حكم الألبان لمصر) وقعت قبل ثورة «الضباط الأحرار» بسبعين عاماً (1882)، وجاءت في سياق مواجهة الشخصية الوطنية المصرية لمحاولات تطويعها وطمسها من قبل الخارج.
ثالثاً، لم تكن مكانة المؤسسة العسكرية داخل النظام المصري استثناءً عما كانت عليه في محيطه العربي، حتى يقال إن عدوى الانقلابات العسكرية بدأت في القاهرة وانتقلت إلى غيرها من العواصم العربية. فالجيش كان المؤسسة الأقوى في معظم دول الاستقلال التي لم يشهد أي منها تجربة ديموقراطية معتبرة (تجربة الأحزاب في مصر كانت مترهلة ومقيدة بصلاحيات الملك ومصالح الاحتلال). ففي سوريا، مثلاً، وقع أول انقلاب عسكري قبل ثورة الضباط الأحرار بأعوام ثلاثة (انقلاب حسني الزعيم العام 1949)، تلاه انقلاب آخر في العام نفسه (انقلاب سامي الحناوي)، قبل أن تكر سبحة الانقلابات العسكرية التي اختتمت بتثبيت البعث في السلطة بنسخته «التصحيحية» العام 1970.
رابعاً، كان معظم القوى الحزبية الوازنة في مصر والعالم العربي منخرطاً في صراع على السلطة لم يأخذ أياً من الاعتبارات الديمقراطية في الحسبان. ففي مصر مثلاً، لم يكن «الإخوان المسلمون» ولا الشيوعيون أصحاب طرح «ديموقراطي» بديل لنظام عبد الناصر. ومفهوم «الحرية» ارتبط أساساً بالتحرر من الاستعمار وتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية، وهو كان أسير الدعاية الايديولوجية للقطبين العالميين آنذاك. ويروي طه جابر العلواني، أحد مؤسسي الحزب الإسلامي في العراق (الإخوان المسلمين) في معرض شرحه لملابسات تبوئه منصب مدير مكتب وزير الدفاع عبد الكريم قاسم وتقرب «الإخوان» من الأخير، أن الجماعة كانت مهتمة بتأمين وجود لها في الجيش، شأنها شأن البعثيين والقوميين (الناصريين) والشيوعيين، لأن تعويل كل من هؤلاء من أجل إحداث تغيير سياسي في البلاد كان قائماً على المؤسسة العسكرية كأداة أفعل وطريق أقصر للسلطة.
خامساً، لم يكن «الانقلاب العسكري» في تموز 1952 الذي طرح نفسه لاحقاً كثورة سياسية واجتماعية مفاجأة لأي من القوى البارزة على الساحة المصرية (باستثناء «الوفد»)، حتى يقال إن «الانقلاب» قطع الطريق على تطور طبيعي للديموقراطية في مصر (في عهد الملك). إذ إن حركة «حدتو» الشيوعية (الحركة الديموقراطية للتحرر الوطني) شاركت بالانقلاب عبر ضباطها (ومنهم القياديان خالد محي الدين وأحمد حمروش، والأخير كان مسؤول «الضباط الأحرار» في الاسكندرية)، فيما كان قياديون في جماعة «الإخوان المسلمين» على اطلاع على عملية الإعداد للانقلاب (بينهم العضو القيادي للبوليس السري في الجماعة صلاح شادي ورئيس الجهاز الخاص عبد الرحمن السندي - ويزعم شادي أن «الإخوان» بادروا إلى تشكيل «الضباط الأحرار»).
سادساً، حتم الظرف الإقليمي على النظام المصري أن يولي أهمية كبرى للجانبين العسكري والأمني حتى يتمكن من لعب دور يتناسب مع طروحاته القومية، وقد انعكس ذلك تلقائياً على دور المؤسسة العسكرية. يروي أحمد بن بلا، أول رئيس جزائري، أن مصر كانت المصدر الوحيد للسلاح أثناء ثورة بلاده ضد الفرنسيين طوال عامين ونصف العام. كان هذا التسليح أحد أسباب شن «العدوان الثلاثي» العام 1956، والعدوان ضاعف من دور الجيش كمؤسسة ضامنة لاستقلال البلاد.
ما سبق بعض نقاط المحاججة حيال تحميل التجربة الناصرية مسؤولية «اختراع» دور للمؤسسة العسكرية في مصر وغيرها في العالم العربي. ولئن كان هذا لا يعفيها من مسؤولية تضخيم الدور المذكور، إلا أن إخراج القضية من سياقاتها التاريخية لا يعدو كونه قراءة سياسية مبتسرة، وهي قراءة لا تفيد إلا في النكاف السياسي.
عن السفيرر اللبنانية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط