كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عثمان أو غربية... قلم وبندقية

عثمان أو غربية... قلم وبندقية

تاريخ النشر: 2016-04-18 | 22:49

لم أكن أتوقع رحيل القائد والمفكر الوطني العروبي الكبير عثمان أبو غربية عضو اللجنة المركزية لحركة فتح على وجه هذه السرعة، وأن يخطفه الموت من بيننا ونحن في أمس الحاجة لرجل في زمن عز فيه الرجال، رجل بحجم وطن إذ سجل بتاريخه الحافل مساحة كبيرة من الفعل اللامتناهي والمنقطع النظير عبر مراحل حياته ومحطاته النضالية التاريخية المختلفة.

عثمان أبو غربية بالنسبة لي وأنا من جيل يصغره بعقدين ويزيد من الزمان يعني الكثير الكثير، يعني الانطلاقة الأولى والنشأة وملامح تكوين قاعدة الانطلاق نحو النصر والتحرير، ويعني التعبئة والتنظيم ويعني التعبئة الفكرية والتوجيه السياسي والوطني لطلائع قواتنا العائدة إلى أرض الوطن، ويعني معارك الثورة الفلسطينية المتعاقبة ودوره الطليعي والريادي، ويعني ذاك الجيل الذي كتب بالدم لفلسطين.

هو العقل الناظم لمحطات حركتنا الرائدة المتتابعة ولمؤتمراتها المتتالية، على مدار خمسين عاما مضت على عمرها، كان فيها المفكر وصاحب الرؤية العميقة لتصويب البوصلة التنظيمية، وببعد نظره الثاقب شكل حالة ورأيا قاطعا في مواقف الحركة المفصلية لتهتدي بهديه قيادة منظمة التحرير الفلسطينية وسلطتها الوطنية لما يحمل من بصيرة يقرأ الواقع بعناية بالغة وحرص وطني ويستشرف من خلالها المستقبل.

أما عن قلمه الماسي الذي حلق به يؤرخ لفتح ولثورتها المعاصرة فكان القلم الماضي لا يتوقف عند حدود، وغرد به بما لذ وطاب من أبيات القصيد وسبر بالرواية أغوار نصف عقد من زمان الثورة الفلسطينية، فكان الشاهد بقلمه على حكاياتها بعدما تنقل معها عبر كل دروبها.

ربما لم أعرف هذا الرجل إلا قبل عشرين عاما عندما التقيته أول مرة خلال ترأسه للجنة العليا المخيمات الصيفية إلى جانب الراحل الكبير أبو الوطنية فتحي البلعاوي والتي آثر على تشكيلها الرئيس الراحل الشهيد القائد الرمز ياسر عرفات، وأذكر يومها بأنني كنت أصغرهم سنا حيث مثلت الشبيبة في هذه اللجنة التي أعتز برموزها من الفدائيين الأوائل منهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر.

لم أر في القائد عثمان أبو غربية إلا كل حب واحتضان وهدوء ورتابة ورجاحة عقل قائمة على الحكمة والتروي، وروح الفدائي، كان لي شرف العمل معه في هيئة التوجيه السياسي والوطني والذي كان يقف على رأس هذا الجهاز التعبوي لقواتنا الباسلة مساعد لمفوضها العام الرئيس ياسر عرفات، كان خير موجه لنا في عملنا من أجل تحقيق رسالة الشهداء الذين قضوا على درب الوطن، كانت فترة عملي وجيزة لكنها تعتبر محطة فارقة في حياتي ظفرت خلالها بمعرفة هذه القامة السامقة لأنهل من قاموسه الفكري وإرثه النضالي.

وكم كنت سعيدا وفخورا ومعتدا يوم أن طلبت منه الموافقة على طلب أستئذنه فيه بالنقل إلى وزارة الخارجية، تمسك بي كثيرا وآثر أن أبقى معهم وتحدث لي عن مستقبلي الواعد في هذه الهيئة كشاب في مقتبل العمر، لكنه اقتنع بمبرراتي، فوافق مشترطا علي أن تكون إجازة لمدة عام؛ لعلي لم أوفق هناك وأعود للعمل فيها ثانية.

ويوم أن حط في العاصمة السورية دمشق قبل خمسة أعوام تقريبا للمشاركة في إحياء ذكرى رحيل الشهيد الرئيس ياسر عرفات استقبلته جماهيرنا الفلسطينية في مخيم اليرموك، حملوه على الأعناق بعدما ألهبهم بخطابه الثوري الصادح، وأذكر بأنهم أخرجوه سريعا من تدافع أهلنا هناك للسلام عليه، ولما لم يتسنى لي معرفة وجهته، سررت عندما اتصل بي الأخ والصديق العزيز الدكتور سمير الرفاعي عضو المجلس الثوري لحركة فتح ومعتمدها في سورية، ليخبرني بأن الأخ عثمان أبو غربية يسأل عنك، ويرغب في انضمامك إلينا، ونحن الآن في مكتب ال 36، ذهبت مسرعا إلى هناك لأستمتع بحديثه السخي والثري بصحبة الحاضرين من لجنة إقليم فتح في سورية وكادرنا التنظيمي هناك، والذي يعتز به ويفتخر بأنه إبن فلسطينيي سورية الذي عاش معهم حقبة نضالية من الزمن فيها الكثير من المآثر.

 

ما زالت كلماته تطن في أذني يوم أن اتصلت به آخر مرة، كي أطمئن عليه، كانت روحه عالية ومعنوياته كبيرة تحمل كل الأمل، يصر على الحياة ليكمل الدرب الذي سلكه الشهداء، حيث قال لي: تمنيت أن أكون في رام الله خلال زيارتك الأخيرة لها، لكنني حتما سأراك فيها قريبا جدا، فأنا مؤمن بنجاح عمليتي على الرغم من إدراكي لخطورتها، هي ذات الكلمات وأكثر التي كان يقولها لصديقنا المشرك وصديقه الحميم ورفيق دربه الأخ القائد عبد الله أبو الهنود، حيث لم يغب الراحل عثمان أبو غربية عن أحاديثنا اليومية التي كم عدد لي خلالها الصديق المخلص والوفي عبد الله أبو الهنود خصاله وسجاياه وشمائله ومناقبه الفريدة والذي أعزي نفسي وأعزيه في هذا المقام.

لم يبرح القلم وهو على سرير المرض وظل يكتب ويكتب يقتنص كل دقيقة متبقية من حياته قبل أن يتوقف قلبه من أجل إثراء المشهد السياسي والثقافي بكتاباتها السياسية والأدبية والإبداعية حتى جف القلم وطويت صحيفته في الدنيا، صحيفة سطرها بفكره النير وعطائه الذي لا ينضب وحبه للوطن وحرصه على حركته الرائدة فتح، والتي يعتبر أحد روادها الأوائل وعمالقتها الأقحاح.

تعازينا الحارة في رحيل قائدنا ومعلمنا المفكر الوطني والعروبي الكبير الكاتب والأديب عثمان أبو غربية وإلى زوجته العربية الفلسطينية الصابرة المثابرة المبدعة هالة أبو غربية التي ظلت تطوقه بياسمين الهند وتمنحه الأمل، لعلها لم تهبه قلب، لكنها وهبته الحب والوفاء والأمل في ما تبقى له من أيام على وجه هذه الدنيا، نسأل الله أن يلهمها وأبنائه وبنيه و آله وذويه جميل الصبر والسلوان، ونحن نودع هذا الطود العظيم ننتظر زوجته الرائعة التي رافقت حياته ورحلته الأخيرة أن تطل علينا بما حفظته لنا من كتاباته الأخيرة، كي ننهل منها كما نهلنا من سابقاتها وحتى تسجل وتوثق في المكتبة الوطنية الفلسطينية، بل في المكتبة العربية والعالمية.

رحمك الله يا أبا عبد الله وأسكنك فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.

 

إنا لله ونا إليه راجعون.

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط