كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عذراً مولانا الخليفة: لا رعية لك في أرضنا

في الجانب السوري لـ «داعش»، غالباً ما تنصرف التحليلات إلى غربة التنظيم عن السكان، وإلى الاختلاف الشديد بين قراءته الإسلام والتدين المحلي المعتدل. وإذا بدا الأخير قابلاً للانزياح إلى التطرف، دائماً وفق التقديرات النظرية، فالتطرف يُردّ إلى الشعور العام بالخذلان من السياسات الدولية إزاء الثورة، وبخاصة إزاء المقتلة السورية المتواصلة بواسطة النظام.

الفارق بين التحليلين أن الأول يجزم بألا مستقبل لـ «داعش» وأشباهه في سورية، بينما يتوخى الثاني الحذر من إطلاق الأحكام النهائية فيبدو السوريون مرشحين ليكونوا حاضنة للتطرف، بما يتفق أيضاً مع ما هو سائد في المنظور الغربي للمسألة.

في المقابل، ثمة اتفاق على أن الأجانب عماد «داعش» السوري، أي أن التنظيم لم ينجح حتى الآن في جذب قاعدة محلية ملحوظة من المجاهدين، ولعل هذا ما قد يفسر دعوة البغدادي المسلمين في العالم إلى الالتحاق بدولته، إذ من المرجح أن يقصد بدعوته المتطوعين للجهاد، بما أن أحداً سواهم لن يغامر بالمجيء إلى خلافة لم تتمكن بعد من تثبيت وجودها على الأرض.

قلة المجاهدين قد تُستخدم أيضاً كحجة لغربة التنظيم عن السوريين، استكمالاً لغربة أيديولوجيته عنهم، وكحجة لعدم قدرته على صياغة تحالفات وتسويات محلية أسوة بما فعلته جبهة النصرة في بعض مناطق النفوذ المشترك، حيث ستظهر الأخيرة أكثر مرونة وأقلمة لنفسها مع ما يُزعم أنه تدين محلي راسخ، مع أن الحافز الأكبر لقبول النصرة لدى الكثيرين يتوقف على مشاركتها الفعلية في الحرب ضد النظام وداعش.

إلا أن التصورات السابقة، مع امتلاكها قوة نظرية لا يُستهان بها، تبقى قاصرة ما لم يؤخذ الواقع السكاني السوري في الحسبان، وهو مختلف تماماً عن نظيره العراقي، وتبقى أيضاً قاصرة ما لم تؤخذ إستراتيجية داعش السورية في الحسبان، وهي مختلفة بحكم الضرورة عن نظيرتها العراقية.

كان أبو همام النجدي، أحد قادة «داعش»، أعلن استراتيجية التنظيم في سورية منذ حوالى تسعة أشهر والتي تنص على أن صراع التنظيم هو للسيطرة على «المناطق المحررة»، وحدد معركته بأنها ضد فصائل المعارضة التي لا تواليه في تلك المناطق. وكان النجدي واضحاً بالقول إن تلك الفصائل ستُطحن بين حجري الرحى، «داعش» من جهة والنظام من جهة أخرى. أما في العراق، فلم تكن هناك سابقاً مناطق خارجة عن سيطرة النظام، لذا شارك التنظيم في عملية «التحرير»، مع المسارعة إلى قطف ثمارها الإعلامية وتهميش المشاركين الآخرين.

العامل الأهم هو العامل السكاني، فالمناطق العراقية «المحررة» لم تشهد حتى الآن نزوحاً كبيراً على النحو الذي شهدته نظيرتها السورية. هنا يمكن القول إن المناطق المحررة السورية شبه خالية من السكان، والإحصاءات عمّا يقارب عشرة ملايين نازح في الداخل والخارج تشرح الواقع أفضل من الحديث النظري. أي أن الحديث عن بيئة محلية موالية أو معارضة لـ «داعش» هو كلام ينتمي إلى الافتراضات النظرية أكثر من انتمائه إلى الواقع السكاني الذي يلامس الصفر في بعض المناطق.

نحن بالأحرى نتحدث عن ساحة معركة بكل ما يحمله هذا الوصف.

أي كلام لا يلحظ واقع «المناطق المحررة» في سورية يبقى محض افتراض نظري، لا يقلل من ذلك أن طبيعة هذه المناطق المحاصرة تبتعد بها أحياناً عن الواقع الاعتيادي وخياراته الملائمة فتجبرها على الاقتراب من الافتراضات النظرية. لدينا بدايةً النقص الهائل في السكان، والدمار الهائل في الممتلكات الشخصية والعامة، ولدينا أيضاً النزوح التام لرؤوس الأموال. هذه المعطيات تجعل من الفئة الباقية «الصامدة»، كما يروق للبعض تسميتها، الفئةَ الأضعف في سلم القوى الاجتماعية، وهي فئة تحولت بحكم الدمار من قوة عمل إلى الشريحة الأكثر عوزاً بحكم الحصار الخارجي التام من قبل قوات النظام، وأحياناً بموجب استكمال الحصار من تجار الحرب في الداخل.

هكذا، لا يُستبعد بسبب الظروف المعيشية أن يكون الصراع أساساً بين التنظيمات العسكرية، فيخلو من بُعده الاجتماعي، ولا يُستبعد أن يكسب التطرف إذا كان هو الأكثر ثراء وجاذبية بالتسهيلات الغذائية التي يقدّمها. ما ينطبق على ما تبقى من السكان ينطبق أيضاً على المقاتلين الذين يتوسلون التسليح الأفضل والرواتب الأنسب لمعيشة عائلاتهم، وهذا ما يفسّر في العديد من الحالات تسربهم من تنظيماتهم الأصلية باتجاه تنظيمات أخرى. والعامل الأيديولوجي قد يقبع في ذيل قائمة الأولويات أمام متطلبات الأمر الواقع.

قوة داعش في المناطق الشرقية السورية لا يجوز أيضاً تبريرها بالدافع الأيديولوجي. فهي أسوة ببقية المناطق عانت تسرباً شديداً من السكان، لكنها تتميز عنها بحضور الملمح العشائري. ومن المعلوم أن مناطق العشائر كانت بعيدة لوقت طويل من الحراك الإسلامي، على العكس من المدن الكبرى. زعماء العشائر كانوا لحوالى أربعة عقود موالين لسلطة البعث، وهم أنفسهم الذين ظهروا في الصور يبايعون «داعش»، ولعل علاقتهم بالسلطة (أية سلطة) هي ما يشرح بيعتهم للنظام و «داعش» من دون الخوض في التكهنات عن العلاقة بين الطرفين الأخيرين. إلا أن هذه البيعة لا تعني أيضاً سيطرة للزعماء على أفراد عشائرهم، فهي بيعة رمزية خاصة لأن نزوح أبناء العشائر إلى الخارج لا يقل عن نزوح أبناء المدن والأرياف عموماً.

في الواقع، مهد النظام الأرض أمام «داعش»، لا على صعيد تهيئة التربة الملائمة للتطرف كما يُشاع، وإنما على صعيد حرق التربة نهائياً. المناطق المحررة التي تجهد داعش للسيطرة عليها أصبحت بمثابة أراضٍ خالية من كافة أنواع الاجتماع المعهود، ولذا ستكون السيطرة عليها رمزاً للقوة العسكرية فحسب، ولن تصبح في المدى المنظور بيئة حاضنة لأي حراك سياسي أو أيديولوجي كما قد يوحي بذلك بعض التحليلات النظرية. هذا الخواء هو بالضبط ما يناسب الأجهزة القمعية للنظام، وهو ما قد يساعد أنصار «داعش» على القول بأنها «باقية وتتمدد». لكن البيعة للخليفة شأن مختلف لأنها تفترض وجود رعية تقدّمها.

ليعذرنا الخليفة في هذه، إذ لم تبقَ لدينا رعية.

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط