كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عشر سنوات مضت على محنتنا الوطنية: دعوة الكل الفلسطيني للاعتذار

 بمناسبة الذكرى العاشرة لمأساتنا الوطنية، حيث ذهبت دماؤنا هدراً في لحظة فورة غضب، وانتهكنا فيه أعراضنا وقيمنا الوطنية، في صراع على السلطة وقراءات سياسية خاطئة لبعضنا البعض، وانشغلنا بمعركة حامية الوطيس بين أبناء الوطن الواحد وعلى مقربة من الأعداء الذين كانوا يتربصون بنا الدوائر، وينتظرون تلك اللحظة، حيث خسرنا كل ما أنجزناه على مدار عقود من التضحيات والثورة.

أيام وسنوات كانت حالكة وكارثية على شعبنا وقضيتنا، نتذكرها ونقول: "الله لا يعودها من أيام".

لقد أعجبتني تلك الأبيات التي كتبها د. جواد الهشيم بمناسبة الذكرى العاشرة للانقسام، والتي كان مطلعها: إنّي لأُشْهدُ ربنا، والشعب أيضاً حولنا، إنّي هنا، قد جئتُ كيما أعتذر.. سارتْ بنا عشْرٌ عِجافْ، نقسو.. نجادلُ.. نختلفْ!!

كم قلتُ لكْ: احملْ سلاحكَ ليس ضدي، واضرب به مَنْ يغترف، من حقنا.. من أرضنا.. وهنا بنا لا يعترفْ.

من الجدير ذكره، أننا لسنا أول شعب يقتل بعضه بعضاً، ولسنا ضرباً مغايراً من الشعوب والأمم التي طحنتها الحروب الأهلية، ولسنا الأول والآخر من بين الدول التي استعرت في جنباتها وبين أعراقها وإثنيَّاتها تلك الصراعات التي أكلت الأخضر واليابس.

إن صفحات التاريخ مليئة بتلك المواجهات الدامية والحروب المفتوحة على خلفيات سياسية، ولكن الحقيقة التي صاحبت كل ذلك، هي إن كل هذه الدماء والعداوات وجدت في النهاية حكيماً يضع حداً لها، وينجح في جمع الشمل وإعادة إعمار كل ما خرَّبته تلك الصراعات بين أبناء الوطن الواحد ولو بعد حين، حيث عادت المياه إلى مجاريها، واستقرت أحوال البلاد والعبادة من جديد.

وقائع وأحداث تاريخية

في القرن السابع عشر، كانت الحروب الدينية في أوروبا، والتي استمرت ثلاثين عاماً، أخذت معها أرواح أكثر من ثلاثين مليوناً من البشر، ولكن مواقف الحكماء تغلبت في النهاية وعملت على طي صفحتها، لنشهد بعد ذلك أوروبا وقد توحدت واجتمعت تحت مظلة الاتحاد الأوروبي، بالرغم كذلك من حربين عالميتين طاحنتين راح ضحيتها أكثر من سبعين مليوناً.

وفي الجزائر وقبل الاستقلال عام 1961، كانت المواجهات والصراعات بين أبناء المشروع الوطني الواحد، وكانت عمليات القتل واتهامات الخيانة المتبادلة بين المناضل مصالي الحاج وجماعة المركزيين تجري على قدم وساق في الخمسينيات، إلى أن حسمتها المصالحة التاريخية في "مؤتمر الصومام" عام 1956، حيث تحرك الجميع تحت مظلة جبهة التحرير الجزائرية، والتي جاءت بالاستقلال بعد أن ظنَّ الجميع أن لا تلاقيا. في ذلك اللقاء التاريخي كان الرجل الرشيد، حيث اجتمع الشمل، وتمَّ تصويب البوصلة، وتحديد هدف البندقية.

وفي جنوب أفريقيا كان نظام الأبارتهايد العنصري، وكانت الخلافات وعمليات القتل لسنوات عديدة، والتي أنهكت مجازرها وتبعاتها الجميع إلى أن جاء الوقت الذي تحرك فيه حكماء البلاد، حيث وضعوا حداً لتلك الحروب والصراعات الداخلية على خلفيات عرقية مختلفة، ليتوحد الجميع بعد ذلك وتحقق جنوب أفريقيا حريتها واستقلالها في زمن العظيم مانديلا.

حتى أمريكا، التي هي اليوم عنوان للديمقراطية والتقدم والحضارة الإنسانية لم تبخل عليها تجربة استقرارها وازدهارها من سنوات خاضت خلالها غمار الحرب الأهلية، حيث استباح فيها مواطنوها في الشمال دماء إخوانهم في الجنوب على خلافات عرقية، إلى أن ظهر إبرهام لنكولن؛ الرجل الحكيم، لتضع الحرب أوزارها، وتبدأ أمريكا مشوار وحدتها وعظمتها منذ ذلك التاريخ.

أين نحن من تجارب الآخرين؟

كنا كفلسطينيين نعتقد أننا محصنين ضد كل ما وقع لدول وشعوب وعرقيات أخرى، ولكننا اكتشفنا بعد الذي وقع بيننا من مواجهات دامية في يونيو 2007، بأن لنا من الطبائع والنزوات مثل من سبقنا من الخلائق، بالرغم مما تراكم عندنا من اعتقاد أننا مبرأين من الخطيئة والخطأ؛ لأن طهارة الأرض وبركتها سوف تعصمنا من كل ذلك، وتحمينا من الانزلاق والزلل.

للأسف، وبعد كل الذي وقع قبل عشر سنوات، هذا هو الواقع اليوم، حيث أحوالنا السياسية والمعيشية بالغة الاضطراب والكارثية، فما هو المطلوب اليوم لإصلاح ذات البين؟ وما هو الدور المنوط بنا كسياسيين ومفكرين وإعلاميين ونخب اجتماعية وأكاديمية وأدباء ومثقفين لتسهيل مهمة وضع أقدام شعبنا على طريق تحقيق المصالحة المجتمعية والوطنية ومنهما إلى الشراكة السياسية؟

لا شك أننا بحاجة إلى أن نقرَّ بالخطأ والاعتذار لشعبنا كخطوة أولى، والاعتراف بأن ما جرى في يونيو 2007 من أحداث مأساوية كان جريمة مكتملة الأركان، حيث استباح الفلسطيني دم أخيه الفلسطيني على خلفية من المكائد والخلاف الفكري والخصام السياسي.

ما وقع كان خطيئة شاركنا جميعاً كفلسطينيين في اقترافها، والمطلوب منا - الآن - كقيادة حركات وفصائل ألا نكابر وأن نعترف بذلك.

نعم، هناك – للأسف - من ولغ حتى الثمالة في الدماء، وهناك من كان يتفرج على الصراع وهو يهيج ويستعر ولم يفعل شيئاً، وهناك من كان بصمته واعتزاله يصب الزيت على النار، وكان بإمكانه أن يصرخ في وجه الطرفين ليقول: كفى، ولكنه لم يفعل. وهناك وهناك.

في الحقيقة، كان البعض في الفصائل يبدو أنه يحابي السلطة الوطنية لوجود ارتباطات مصالح معها أو لعدم القدرة فعلاً على القيام بشيء فآثر الصمت والانتظار، وهناك أيضاً من بين هذه الفصائل من كان يراهن على أن المعارك الجانبية بين فتح وحماس سوف تنهك الطرفين وتضعف قدراتهما، وربما تهيئ له وراثة مريحة لهما!!

لذلك، فإن كل هذه العناوين الفصائلية بخلفياتها الأيدولوجية والدينية تتحمل بدرجات متفاوتة قدر من مسئولية ما جرى من محنة وطنية نعاني من لأوائها وأوجاعها وتداعياتها السياسية والمجتمعية والنفسية حتى يومنا هذا.

اليوم، ونحن نطالب الجميع بالاعتذار، فإن الغرض هو تهيئة الظروف للخطوة القادمة وهي المصالحة المجتمعية، والتي سيكون فيها اعتماد آليات جبر الضرر بأشكالها المختلفة، حتى يشعر كل من كان ضحية لتلك الأحداث المأساوية أنه طال حقه؛ إما بالعفو والتعويض المالي، وإما بما له من استحقاق وطني؛ باعتبار كل هؤلاء الضحايا هم شهداء، ولهم في صفحات تاريخنا نفس استحقاقات الشهداء، حتى تهدأ النفوس ونكفكف للأرامل والأمهات والأخوات ما تحجر من دمع في العيون، جراء تلك الأيام السوداء في تاريخنا.

كما قلنا؛ إن الاعتذار هو بداية الطريق، وهو تعبير عن الاستعداد لما هو آت من خطوات وتحركات واسعة تحمل معها – بلا شك - بشريات وأمنيات لنا جميعاً بالفرج القريب.

مبادرة للاعتذار..

قبل شهر، حاولنا الترتيب مع عدد من الشخصيات والقامات الوطنية للتحرك بمناسبة الذكرى العاشرة للانقسام البغيض، والقيام بفعالية وطنية أمام ساحة الجندي المجهول بغزة، تحت عنوان: "هيَّا لنعتذر".

وكان الهدف من وراء هذه الفكرة هو إيصال رسالة لشعبنا العظيم بأن ما وقع قبل عشر سنوات كان خطأ كارثياً دفع الجميع ثمنه، وبسببه تراجعت مكانة القضية محلياً وإقليماً ودولياً، ولذا فنحن اليوم بكل ما نمثل من مواقع قيادية على مستوى الفصائل والأحزاب والقوى الوطنية والمرجعيات الدينية والأطر الطلابية والنقابات ومنظمات المجتمع المدني نعتذر لشعبنا، ونتعهد بالعمل على سرعة تحقيق المصالحة المجتمعية والوطنية.

ولكن مع التطورات الإيجابية التي تجري في القاهرة، ارتأينا تأجيل ذلك، حتى لا يساء فهم ذلك أو استغلاله بعيداً عن الهدف المقصود من الفعالية.

ختاماً...

في حياة كل الشعوب والدول مناسبات وطنية للتغني بها والفخر، وأخرى للاعتذار، ويجتهد المفكرون والأدباء تجلية صفحات المجد والبطولة في تاريخ بلادهم، بهدف إيجاد ثقافة وطنية يتم تنشئة الأجيال عليها وتتعزز فيها نظرتها ومواقفها تجاه بلادهم، فيما سنوات الخلاف والوقيعة التي تشكل "مسبَّة وطنية" يتم التهرب منها والعمل على طمسها.

وحيث إن جرحنا ما زال مفتوحاً، فإن من الصعب التأسيس لثقافة وطنية تنسينا أوجاع وآلام كل ما وقع في يونيه 2007، ثقافة عنوانها الاعتذار بكل ما يعنيه من تظهير لمبادئ التسامح والتغافر والتآخي، وإشاعة معاني الحب بين أبناء الوطن الواحد.

وبانتظار الانتقال من خطوة الاعتذار إلى إنجاز المصالحة المجتمعية ومنها للمصالحة الوطنية، فإن الحديث عن شراكة سياسية ومشروع وطني للتحرير والعودة تظل ضرباً بعيداً من الأماني والأحلام وهرطقات الخيال.

إن ما يصلنا من القاهرة اليوم إنما هو إرهاصات لما يمكن أن نحلم به في قادم الأيام من اجتماعٍ يلتئم فيه شمل الشعب والوطن.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط