كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عصافير سجن نفحة الصحراوي

عصافير سجن نفحة الصحراوي

تاريخ النشر: 2021-01-24 | 17:07

د. فايز أبو شمالة
د. فايز أبو شمالة

لأن سجن نفحة الصحراوي معزول عن المدن الإسرائيلية ـ يقع جنوب غرب مدينة بئر السبع المحتلة سنة 48 ـ في منطقة صخرية قاحلة، غير ذي زرع، سجن يتربع على قمة جبال نفحة التي ترتفع عن الأرض مسافة 800 متر تقريباً، لذلك كان عزل الأسرى عن البشر أولى أهداف السجن، الذي شيد بحجارة الأحقاد، وتحصن بالقهر والبعاد، فكان السجن الصهيوني الأول الذي خصص للأسرى الفلسطينيين ذوي الأحكام العالية.

وما برح اسم سجن نفحة يوقظ الرهبة في النفس، فالسجن بموقعة الجغرافي يعني المشقة والعناء للأهل في زياراتهم نصف الشهرية، ويعني انقطاع الاخبار العاجلة والسريعة عن أحوال الوطن، والتي كانت تصل السجناء من خلال الأسرى الجدد، وهذا غير متوفر في سجن نفحة، فالأسرى لا يتغيرون، الأسماء نفسها، والأحكام نفسها، حتى إدارة السجن نفسها، والطقوس اليومية لا تتغير، من ساعة الرياضة الصباحية، ومن ثم وجبة الإفطار، وحتى موعد الخروج إلى باحة السجن لتناول وجبة الهواء الطازج.

وقبل أن يلملم السجناء فتات الشمس المتناثر على بلاط باحة السجن، تأتي الأوامر الإسرائيلية بإغلاق السجن قبل المغرب بساعة من كل يوم، ليبدأ توزيع وجبة العشاء على غرف الأسرى، والنداء عبر مبكرات الصوت للاستعداد لعدد المساء، حيث تجري عملية عد السجناء مرة مع شروق الشمس، وأخرى قبل المغيب بهدف التأكد من عدم هروب أي أسير.

في سجن نفحة سلطتان، سلطة إدارة السجن، وسلطة الحكم الذاتي للأسرى، وهذا ما لا تعترف بها عصافير سجن نفحة، تلك العصافير المعروفة باسم عصفور الدوري، وهو طائر ذكي جداً، لا أعرف متى استوطن السجن؟ ولا كيف استطاع هذا العصفور أن يصل إلى هذا المكان الذي نأى بنفسه عن الحياة، فنأت عنه الكائنات؟ إلا هذا العصفور المرح النشيط، سريع التأقلم والتعلم، عصفور يعرف كيف يعيش؟ فمنذ وطئت أقدامه أرض السجن، أدرك أن الانتقال من هذا المكان إلى مكان آخر مستحيل، فالمسافة بين السجن وأقرب تجمع بشري قد تكون عشرات الكيلو مترات، لذلك، فلا مناص لعصفور الدوي إلا التأقلم مع حياة السجن، والتصرف وفق النظام القائم، وعلى عصفور الدوري أن يخلي الساحة من الصباح وحتى بعد العصر، فهذا الوقت مخصص للأسرى، يخرجون للنزهة على دفعات، وساحة السجن لا تتسع لعصفور طليق وأسير عتيق، لذلك تعود عصفور الدوري أن يلتزم عشه في الصباح، وأن يظل هادئاً، مؤدباً حتى بعد العصر، حين تبدأ مرحلة الهجوع للأسرى، وتبدأ مرحلة السطوع للعصافير.

تابعت سلوك عصافير سجن نفحة على مدار اليوم، فوجدتها قد غيرت من طباعها، فصارت تنام في النهار، وتغلق على نفسها الأبواب، ولا تفيق إلا بعد العصر، حين تغلق الغرف أبوابها على السجناء، فتمتلئ باحة السجن بصخب العصافير، ويعلو ضجيجها، وكأنها خرجت من سجنها إلى الباحة للتو، حيث فضلات الطعام المتناثرة هنا وهناك، وانعدام الحركة التي تأذن للعصافير بالزقزقة، ويغريها المساء، حين تتوهج أضواء السجن القوية، وتحيل الليل إلى نهار، فتنطلق العصافير بحياتها، تتكاثر وتتشاجر من بعد العصر وحتى الصباح، لتعود إلى أعشاشها وقت خروج الأسرى لساعة الرياضة الصباحية، حين تغلق العصافير الأبواب على نشاطها، وتأوي إلى فراشها فوق الجدران، وفي الثغرات الصغيرة المتواجدة في الأسوار الشاهقة.

عصافير سجن نفحة حفظت درس الوقت، وتأقلمت مع المكان، وكأنها مئات آلاف العمال الفلسطينيون الذين يخدمون في المصانع والورش الإسرائيلية، فقد تأقلموا على الخروج من بيوتهم عند الساعة الثانية قبل الفجر، لينتظموا على الحواجز الإسرائيلية في صفوف، كي يتم نقلهم إلى أماكن عملهم في مدنهم وقراهم الفلسطينية التي صارت دولة إسرائيل، مئات آلاف العمال الفلسطينيين يصنعون الحياة لليهود، يتنافسون، ويزقزقون، ويتشاجرون فيما بينهم، ولكنهم جميعاً يخدمون السيد الذي يقدم لهم الطعام، ويرتب لهم المستقبل وفق أطماعه، وقلة حيلتهم في مواجهة مخططاته.

ويا ويل أمتنا العربية إذا تواصل الانهيار، وتواصل الوقوع في شباك التطبيع مع الإسرائيليين، يا ويل الأمة التي يجهل شبابها وصباياها الفرق بين سكين الجلاد ورقبة الضحية، والخوف عليهم أن يصيروا عبيداً للغازي الصهيوني، يرتب لهم أوقاتهم، وينظم لهم عقولهم، ويخطط لهم مستقبلهم الذي سيظل رهينة لمصالح الخواجا.

خلف الأسوار، يتعود الأسير على حياة السجن، يتخلى عن طباعه التي ألفها لسنوات، ويراجع سلوكه الذي اعتاد عليه في عالم الحرية، ويضبط ردة فعله على الأحداث، لا يبدو عليه الفرح مع الخبر السعيد، فقد يكون غيره حزيناً، ولا يظهر الحزن كي لا ينعكس ذلك على الاخرين، فيكفيهم ما هم فيه من بلاء، لقد فرضت المتغيرات الاجتماعية نفسها على حياة الأسير خلف الأسوار، فلكل حياة نظمها، وعليه أن يتأقلم طائعاً أو مرغماً، عليه أن يدقق في تصرفاته بما ينسجم مع الواقع، والذي يفرض على الأسير أن يخفض من صوته، وأن يتعود الهدوء، وأن ينسى الانفعال والعصبية والصراخ، وأن يقرأ الكلام جيداً قبل النطق به، فالسلامة ضبط اللسان، والمستقبل في  استنفار القدرات، وحفظ درس الهدوء ودرس الصخب الذي اتقنته العصافير.

كان طول سريري في سجن نفحة الصحراوي مترين ونصف تقريباً، وهذا امتياز، حصلت عليه بعد أن لجأت إلى القضاء الإسرائيلي، وطلبت زيادة على السرير تتناسب مع طولي، ومنذ أكثر من ثلاثين عاماً، وحتى يومنا هذا، يتواجد في سجن نفحة هذا السرير الذي يحمل اسمي، ويتم تخصيصه لكل أسير يتجاوز طولة 190 سنتيمتر، هذا ما أكده لي الأسير المحرر أحمد الفليت.

أخشى على الدول العربية التي عشقت التطبيع مع أعدائها أن تلجأ ذات يوم إلى القضاء الإسرائيلي؛ كي تحصل على بعض الامتيازات في الزراعة والصناعة والثقافة والتعبير والتفكير والاستيراد والتصدير، وفي طول السرير، فالذي يغمض عينه في الغابة، ستأكله الوحوش.

×
أخبار
مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط