تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:30
تاريخ النشر: 2026-09-23 | 15:30
فتح لا تُختزل في رجل… والتنظيم ليس مسرحًا لبطولة الفرد!
ليست حركة فتح رجلًا، مهما علا اسمه، أو سمت صفته، أو اتسعت مكانته، أو تعددت ألقابه. وليست الحركة الوطنية مشروعًا شخصيًا يُختزل في حضور فرد، أو يُقاس نجاحها بحجم الهالة التي تُبنى حول مسؤول أو قيادي. فالتنظيم، في جوهره، عمل جماعي تراكمي، قوامه الشراكة، وروحه الأخوّة، ومرتكزه النظام، وهدفه خدمة الفكرة الوطنية قبل الأشخاص.
فما قيمة الإخوة والكوادر العاملين في الأقاليم والميادين، إذا جرى التعامل معهم وكأنهم مجرد ظلال تتحرك في هامش رجل واحد؟ أليس لكل منهم دوره وتاريخه وتضحياته وانتماؤه؟ وهل يُراد للعمل التنظيمي أن يتحول إلى مشهدٍ يكون فيه فرد واحد حاضرًا في الواجهة دائمًا، بينما يُدفع الآخرون إلى الصفوف الخلفية، وكأن دورهم لا يتجاوز التصفيق والتبعية؟
لقد علّمتنا تجربة فتح النضالية أن الفكرة دائماً أكبر من الأفراد؛ فعندما كانت الجماهير تهتف أمام الشهيد الرمز الخالد فينا "أبو عمار": «بالروح بالدم نفديك يا أبا عمار»، كان رده القيادي الأصيل والمجرد من الذات يعيدهم فوراً إلى جوهر القضية ليقول: «بالروح بالدم نفديكِ يا فلسطين»، أو يصرخ فيهم بصوته المدوّي: «ع القدس رايحين.. شهداء بالملايين». كان يحوّل الهتاف الشخصي إلى بوصلة وطنية جامعة. أما الحاضر اليوم، فقد أصاب بعضهم بمقتل «الأنا» والنرجسية، وحوّل الحضور التنظيمي من استنفار لأجل الوطن إلى استعراض للذات.
منذ ولادتها، مرت حركة فتح بمحطات صعبة، وعرفت أزماتٍ واختلالاتٍ وتراجعات، كما تعرف الحركات الوطنية الكبرى في مسيرتها الطويلة. لكنها بقيت فكرةً وطنيةً راسخة، وإرثًا نضاليًا تراكم عبر أجيال من المناضلين، ولم تكن يومًا رهينةً لشخص واحد أو مرتبطةً بمزاج فرد. قد تتعثر الحركة، وقد تحتاج إلى مراجعةٍ وإصلاح، وقد تفقد في بعض مراحلها شيئًا من بريقها أو تماسكها، لكنها لا تُختزل في أزماتها، ولا يُنسب النهوض بها إلى فردٍ واحد وكأنه صاحب الفضل الحصري في بقائها.
فالحركات التاريخية لا يستعيد عافيتها شخص بمفرده، وإنما تتعافى حين تمتلك شجاعة المراجعة، وتعيد الاعتبار إلى مؤسساتها، وتفتح المجال أمام طاقات أبنائها، وتضع المصلحة العامة فوق الحسابات الشخصية. وفتح، بما تمثله من حضور في تاريخ الحركة الوطنية الفلسطينية، أكبر من أن تُقدَّم باعتبارها إنجازًا خاصًا لهذا أو ذاك؛ إنها فكرة تتجاوز الأسماء، وتبقى مسؤوليةً جماعية لا يملك أحد احتكارها أو مصادرة تاريخها.
لا تكمن المشكلة في أن يعمل قيادي أو مناضل بجد، أو يبادر، أو يقدم خدمةً لأبناء الحركة. فالجهد المخلص يستحق التقدير، والإنجاز الحقيقي لا يجوز إنكاره أو التقليل من شأنه. لكن الإشكال يبدأ حين يتحول العمل التنظيمي إلى سردية شخصية، ويُقدَّم صاحب المبادرة باعتباره المنقذ الأوحد، أو الرجل الذي أعاد للحركة هيبتها وحده، أو الشخصية التي لم يسبقها أحد في الفعل والإنجاز.
هنا يصبح من الضروري طرح الأسئلة المؤسسية، لا للتشكيك في النوايا، وإنما لحماية العمل من الالتباس، وصون الإنجاز من التوظيف الشخصي:
ماذا قُدِّم؟ وكيف نُفِّذ؟ ومن أين جاءت الإمكانات؟ ولحساب من؟ وهل جرى العمل ضمن الأطر التنظيمية والرسمية المعتمدة، وبالمعرفة اللازمة للجهات المختصة؟
فخدمة أبناء فتح ليست منّةً على الحركة، والعمل التنظيمي ليس فاتورةً معنويةً يُطالب الآخرون بسدادها بالولاء والتبعية. وكل جهدٍ يُبذل من أجل أبناء التنظيم ينبغي أن يُقرأ في إطار المسؤولية المؤسسية، لا باعتباره ملكيةً خاصةً لصاحب المبادرة.
فحين تُستنفَر المناطق والأطر للمشاركة في مناسبة أو فعالية، ثم ينشغل الناس بالحديث عن وصول فلان ومغادرة فلان، فإن السؤال لا يتعلق بمجرد الحضور، بل بما يرسخه هذا المشهد في الوعي العام: أين حضور فتح؟ وأين اسم الحركة بوصفها الإطار الجامع لأبنائها؟
لا مشكلة في أن يحظى المسؤول أو القيادي بالاحترام، ولا في أن يشارك أبناء التنظيم في استقبال أحد أو تكريمه أو مساندته. لكن المشكلة تظهر عندما تصبح الفعالية أقرب إلى استعراض حضور شخصي، ويُصبح اسم الفرد أكثر تداولًا من اسم المؤسسة التي ينتمي إليها. عندها لا يعود السؤال عن حجم الحشد، بل عن الرسالة التي يبعثها هذا الحشد: هل نحن أمام حركةٍ تعمل من خلال مؤسساتها وأطرها، أم أمام مشهدٍ يضع الشخص في الواجهة ويترك التنظيم في الظل؟ فمن يعمل من أجل فتح، فليكن حضوره جسرًا لظهور الحركة، لا حجابًا يحجبها.
إن أبناء الحركة في الأقاليم والمناطق والميادين ليسوا جمهورًا يُستدعى لتكبير صورة مسؤول، ولا أدواتٍ لتأكيد نفوذ فرد. إنهم جزء من البنية التنظيمية، ولهم تاريخهم وأدوارهم وحقوقهم في المشاركة والتقدير وتحمل المسؤولية. والعمل الجماعي لا يعني أن يتساوى الجميع في المهام أو المواقع، بل يعني أن تُحترم الأدوار، وأن تكون المسؤولية مرتبطةً بالنظام، وأن يُنظر إلى الشراكة باعتبارها مصدر قوة، لا عائقًا أمام نفوذ شخصي.
فلا تنظيم يُبنى على إقصاء الكفاءات، ولا حركة تستعيد عافيتها بتهميش أبنائها، ولا مؤسسة تحافظ على هيبتها حين يُصبح الاختلاف معها سببًا للتهميش أو الاستبعاد. والقائد الذي يقوّي مؤسسته لا يخشى شراكة الآخرين، والمسؤول الذي يثق بعمله لا يحتاج إلى إضعاف زملائه ليبدو أكثر قوة.
قد تُنتج المبالغة في المديح والتعلق بالأسماء صورةً مضخمةً لشخصٍ ما، لكن التصفيق لا يصنع شرعيةً تنظيميةً مستدامة. فالشرعية تُبنى بالالتزام بالنظام، والوضوح في المسؤولية، واحترام الأطر، والقدرة على العمل مع الآخرين. وفتح لا تحتاج إلى أتباعٍ يرددون أسماء الرجال بقدر حاجتها إلى إخوةٍ يشاركون في حمل المسؤولية، ويختلفون حين يلزم الاختلاف، ويعملون حين يحين وقت العمل، ويضعون مصلحة الحركة فوق الاعتبارات الشخصية.
إن الدفاع عن فتح لا يكون بإعلاء شخصٍ فوق المؤسسة، ولا بإنكار جهود الآخرين، ولا بتحويل العمل التنظيمي إلى مساحةٍ لصناعة النفوذ الفردي. وإنما يكون بإعادة الاعتبار إلى العمل الجماعي، واحترام الكوادر، وترسيخ المسؤولية، وحماية الأطر التنظيمية من تداخل الأدوار وتضخم الصلاحيات. فمن حق كل أخٍ في التنظيم أن يُقدَّر جهده، وأن يُسمع صوته، وأن يكون شريكًا في العمل، دون أن يُطلب منه أن يتحول إلى تابعٍ لشخص أو أن يتنازل عن دوره لصالح هالةٍ شخصية.
فتح ليست إقطاعيةً لأحد، ولا ملكًا لشخص، ولا إرثًا يُدار بالولاءات الضيقة. إنها فكرة وطنية، وتاريخ نضالي، ومؤسسةٌ تحتاج إلى أبنائها جميعًا، لا إلى صورة فردٍ واحد. فليعمل من يعمل من أجل فتح، لا من أجل صناعة مجدٍ شخصي على حسابها. وليكن الإنجاز عنوانًا للمؤسسة، لا وسيلةً لإلغاء شركائها. وليكن الحضور تعبيرًا عن قوة الحركة، لا بديلًا عن حضورها.
فحين تتقدم فتح على الأسماء، تنتصر المؤسسة على الهالة. وحين تتسع الشراكة، يتراجع نفوذ الفرد. وحين يُحترم التنظيم، تبقى الفكرة أكبر من كل شخص، وأبقى من كل لقب، وأعمق من كل صورة تُرسم حول رجل.
فتح ليست رجلًا… فتح مسؤولية الجميع.