كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة

عصر الفطام العالمي وأفول الهيمنة

تاريخ النشر: 2026-04-17 | 11:13

لم يعد ممكنًا قراءة سياسات دونالد ترامب بوصفها مجرد انحراف شعبوي في السياسة الأمريكية، بل باتت أقرب إلى مشروع متكامل لإعادة هندسة النظام الدولي، يقوم على الانتقال من نموذج الهيمنة التوافقية إلى نموذج الهيمنة القسرية. هذا التحول لا يستهدف الخصوم فقط، بل يطال الحلفاء قبل غيرهم، ويدفع العالم دفعًا نحو ما يمكن تسميته بـ "الفِطام القسري" عن الولايات المتحدة.
أولًا: من الهيمنة الناعمة إلى الإكراه الصريح
في الأدبيات الكلاسيكية للعلاقات الدولية، خاصة ضمن المدرسة الواقعية البنيوية، تُمارس القوة المهيمنة نفوذها عبر مزيج من الردع والاحتواء وبناء المؤسسات. غير أن ما نشهده اليوم هو تفكيك ممنهج لهذه الأدوات لصالح منطق أكثر بدائية يقوم على نظام الإخضاع المباشر.
إدارة ترامب لا تسعى إلى الحفاظ على النظام الدولي، بل إلى تفريغه من مضمونه، وتحويله إلى شبكة من العلاقات الثنائية غير المتكافئة، حيث تصبح السيادة الوطنية للدول الأخرى مشروطة بالامتثال للرغبات الأمريكية. وهنا، تتحول المؤسسات الدولية من أدوات تنظيم إلى أدوات ابتزاز.
ثانيًا: أوكرانيا كنموذج لـ"اقتصاد الإكراه"
الضغط على أوكرانيا للتوقيع على اتفاقيات استراتيجية تحت وطأة الحرب يكشف عن نمط يمكن تسميته بـ"اقتصاد الإكراه"، حيث تُستخدم الأزمات الأمنية لإعادة تشكيل البنى الاقتصادية للدول بما يخدم مصالح القوة المهيمنة.
في هذا السياق، لا تبدو الحرب مجرد صراع جيوسياسي، بل أداة لإعادة توزيع الموارد العالمية. أوروبا، من جهتها، تُدفع لتحمل الكلفة دون أن تمتلك قرار الحرب أو السلام، ما يعكس تراجع مكانتها من شريك استراتيجي إلى تابع وظيفي.
ثالثًا: إيران ومضيق هرمز - تسييس الجغرافيا الاستراتيجية
يشكل التصعيد مع إيران مثالًا صارخًا على ما تسميه الدراسات الجيوسياسية "تسييس الممرات الحيوية". فمضيق هرمز، بوصفه أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، لم يعد مجرد ممر ملاحي، بل تحول إلى أداة لإعادة تشكيل الاقتصاد العالمي.
الرواية السائدة حول "إغلاق المضيق" تخدم هدفًا مزدوجًا:
تبرير الوجود العسكري، وخلق صدمة في أسواق الطاقة ترفع الأسعار، بما يعيد تموضع الولايات المتحدة كمورد مهيمن.
لكن الأخطر من ذلك هو توظيف هذا التوتر لإعادة هندسة سلاسل الإمداد العالمية، خصوصًا تلك المرتبطة بالصين، التي تعتمد بشكل حيوي على هذه الممرات.
رابعًا: خنق الصين عبر الجغرافيا والاقتصاد
وفقًا لمنطق "احتواء الصعود" في النظرية الواقعية، تسعى القوى المهيمنة إلى تطويق المنافسين الصاعدين. غير أن ما يحدث مع الصين يتجاوز الاحتواء إلى محاولة خنق متعددة الأبعاد:
• السيطرة على الممرات البحرية (مثل مضيق ملقا)
• رفع كلفة الطاقة
• تعطيل سلاسل التوريد
• الدفع نحو بدائل صناعية (الهند نموذجًا)
هذه الاستراتيجية، وإن بدت عقلانية من منظور القوة، تحمل في طياتها مخاطر تفكيك الاقتصاد العالمي نفسه، نظرًا للتشابك العميق بين الأسواق.
خامسًا: إنهاك أوروبا—تفكيك الحليف من الداخل
السياسات الأمريكية لا تستهدف الخصوم فقط، بل تعمل على إعادة تشكيل الحلفاء. أوروبا الغربية، التي كانت ركيزة النظام الليبرالي، تُدفع اليوم نحو استنزاف مزدوج: حرب مكلفة مع روسيا، واحتمال انخراط في صراع مع إيران.
هذا المسار ينسجم مع فرضية "إضعاف الشريك القوي" لمنع تحوله إلى منافس مستقل. والنتيجة المتوقعة هي قارة منهكة، أقل قدرة على الفعل، وأكثر اعتمادًا.
سادسًا: عسكرة الاقتصاد العالمي
تتجه الولايات المتحدة، في ظل هذه السياسات، إلى إعادة بناء الاقتصاد العالمي حول ثلاثية: السلاح، الطاقة، التكنولوجيا. وهي قطاعات تملك فيها تفوقًا نسبيًا.
هذا التحول يعني نقل مركز الثقل من اقتصاد الإنتاج إلى اقتصاد الصراع، حيث تصبح الحروب—المباشرة أو بالوكالة—أداة لتنشيط الأسواق، لا تهديدًا لها.
سابعًا: الفِطام العالمي—بداية التشكل
غير أن هذه الاستراتيجية تحمل بذور تقويضها. فالإفراط في استخدام القوة، خاصة ضد الحلفاء، يدفع الدول إلى البحث عن بدائل. وهنا يظهر مفهوم "الفطام" ليس كخيار، بل كضرورة وجودية.
التمايز في مواقف دول مثل كندا، وإسبانيا، وفرنسا، وحتى الحذر البريطاني، يعكس بداية تشكل وعي استراتيجي جديد: الاعتماد على الولايات المتحدة لم يعد ضمانة، بل مخاطرة.
ثامنًا: حدود القوة - حين تنقلب الأدوات على صانعها
تُظهر التجارب التاريخية أن الهيمنة حين تتحول إلى إكراه تفقد مشروعيتها، ومعها فعاليتها. فالقوة التي لا تُغلف بشرعية، تتحول إلى عبء.
إطالة أمد الصراعات، وتوسيع نطاقها، قد يحقق مكاسب تكتيكية، لكنه يسرّع في الوقت نفسه من تشكل نظام دولي مضاد، حتى لو كان ذلك ببطء.
تاسعا: الضعفاء يكتشفون قوتهم
لقد ساعدت الولايات المتحدة " دون ان تقصد وبعكس ما ترغب " الضعفاء المستهدفين الى ادراك مكامن قوتهم وقدرتهم على احداث تغيير جوهري وفاعل باستخدام وعي ضعفهم وتجليات هذا الضعف كجاذب للأعداء والسعي لتحويلة كطارد ومقاوم لهم ولأهدافهم وقد ظهر ذلك بوضوح في حرص دول الخليج العربي بعدم تصعيد الصراع مع ايران والإبقاء على بوابات التواصل المحتمل قائمة، وهو ما قد يؤسس لمستقبل للمنطقة لا تشتهيه سفن الصهيونية العالمية عبر ممثلتها الاكبر الولايات المتحدة.
خاتمة: بين الفوضى والتعددية
العالم اليوم لا يتجه نحو نظام مستقر جديد، بل نحو مرحلة انتقالية مضطربة، تتصارع فيها رؤيتان:
رؤية أحادية قسرية، تسعى لفرض الهيمنة بأي ثمن،
ورؤية تعددية لم تتبلور بعد، لكنها تتشكل في رحم الأزمات.
في هذا السياق، لا يكون السؤال ما إذا كانت الولايات المتحدة قادرة على فرض مشروعها، بل ما إذا كان العالم مستعدًا لدفع كلفة مقاومته.
لأن "الفِطام" في السياسة الدولية، كما في البيولوجيا، ليس عملية سلسة - بل صراع مؤلم بين الاعتماد والاستقلال.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط