كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عظمة شعب وأزمة نخبة

عظمة شعب وأزمة نخبة

تاريخ النشر: 2015-11-14 | 09:48

كم هو عظيم الشعب الفلسطيني ، عظيم في عطائه وصيره ، عظيم في ذكائه وألمعيته. البعض اعتقد أن الشعب الفلسطيني استسلم لواقع الاحتلال وللتعايش مع الاستيطان والمستوطنين ، ولليأس والإحباط ولسلطتين مأزومتين، وأنه لم يعد معنيا بقضيته الوطنية حيث قهره الفقر والبطالة والانقسام والحصار وغياب قيادة وطنية جامعة . إلا أن الواقع يقول إن الشعب الفلسطيني لا يمكن أن يستسلم للاحتلال أو يصمت لتدنيس مقدساته ، وأنه أكبر وأعظم حتى من قياداته ،وأن صمته كالجمر الخامد تحت الرماد يشتعل مع أول هبة ريح ، شعبنا يُعبِر عن أصالته وحسه الوطني وينتفض في لحظات لا يتوقعها أحد .

صدق الزعيم الراحل أبو عمار عندما قال إن الشعب الفلسطيني كطائر الفينيق ينتفض محلقا من وسط الرماد بعد اعتقاد أنه هلك .أبو عمار الحاضر فينا دوما والذي عاصر وشارك في كل الثورات والانتفاضات الحديثة ،والذي كان يؤمن بعظمة شعبه ويراهن عليه دوما ولم يخذله الشعب يوما. كانت رؤية الزعيم أبو عمار تنطلق من معرفته بتاريخ الشعوب وحركاتها التحررية حيث لا قوة تستطيع كسر إرادة شعب يناضل من أجل الاستقلال ، وتنطلق من إيمانه ومعرفته بالشعب الفلسطيني الذي يضرب بجذوره في أرض فلسطين منذ أكثر من أربعة آلاف سنة وقبل أن تظهر هرطقات ومزاعم دولة بني إسرائيل.

فعندما اعتقد كثيرون أن الشعب استسلم لواقع اللجوء والتشرد والوقوف أمام مقرات وكالة الغوث ،والتبعية لهذا النظام العربي أو ذاك ، نهض منتفضا منتصف الستينيات رافعا راية الوطنية الفلسطينية وكانت الثورة الفلسطينية المعاصرة مع حركة فتح ومنظمة التحرير بكل فصائلها ،ثورة غيرت وقلبت كل المعادلات والمخططات التي كانت تُحاك ضد القضية الوطنية .

وعندما اعتقد كثيرون أن خروج مصر من ساحة المواجهة مع إسرائيل بتوقيعها اتفاقية كامب ديفيد 1979 ،ثم خروج الثورة الفلسطينية من لبنان 1982 وتصفية كثير من قياداتها ومحاولة الالتفاف على الصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الخ ، قد أنهى الثورة الفلسطينية وطوى صفحتها إلى غير رجعة ،نهض الشعب في انتفاضة الحجارة 1987 ليُسقِط مراهنات المتخاذلين والمتواطئين والمتآمرين حيث أعادت الانتفاضة وضع القضية الفلسطينية على سلم الاهتمامات العالمية .

وعندما قررت القيادة خوض مغامرة أوسلو وتأسيس سلطة لم يخذل الشعب القيادة وساهم في بناء السلطة ،وقَبِل الثوار والفدائيون أن يتحولوا مؤقتا إلى أجهزة أمنية تُنسق مع عدوهم التاريخي ، وانخرط الشباب والمثقفون في سلك الوظيفة العمومية ليتحولوا إلى موظفين يتقاضون أجرا ،وأرتبطت حياة الجميع براتب تقدمه جهات مانحة بشروط سياسية غير وطنية . كل ذلك على أمل أن تكون السلطة نواة الدولة وبداية الاستقلال .

وعندما اعتقد البعض أن القضية الفلسطينية ومشروع السلام الفلسطيني وصلا لطريق مسدود بعد نهاية المرحلة الانتقالية لسلطة الحكم الذاتي 1999 وتَهَرب إسرائيل مما عليها من التزامات وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية 2000 انطلقت الانتفاضة الثانية ،والتي كان من الممكن أن تكون حصيلتها أفضل مما كان لو لم تتدخل الأجندات الإقليمية وأصحاب المشاريع غير الوطنية وتنزلق الأحزاب نحو حسابات مصلحية ضيقة .

وعندما خاضت حركة حماس وفصائل مقاومة أخرى ثلاثة حروب مدَمِرة في قطاع غزة ،ألحقت بالقطاع خرابا ودمارا وسقط فيها آلاف الشهداء وعشرات آلاف الجرحى ،صبر الشعب وتحمَّل ولم يخذل فصائل المقاومة حتى وهو يعلم أنه كان بالإمكان تجنب بعض هذه الحروب أو تقليل خسائرها ،ويعلم أنها لم تكن حروبا لتحرير فلسطين بقدر ما كانت من مستلزمات صناعة دولة غزة وتعميق الانقسام ،أو نتيجة حسابات عسكرية وسياسية خاطئة.

الشعب الفلسطيني هو نفسه من حيث أصالته واستعداده للتضحية ،بالرغم من تردي أوضاعه الاقتصادية والاجتماعية وشدة وطأة الاحتلال والحصار . الشعب الفلسطيني لم يتغير ما بين الأمس واليوم ،ما تغير للأسوأ هو العالم العربي الذي تخلى عن مسؤولياته تجاه القضية الفلسطينية ، والمجتمع الصهيوني الذي يزداد تطرفا وإرهابا ، والنخب الفلسطينية السياسية والاقتصادية والاجتماعية وارتباطاتها وشبكة مصالحها .

الشعب لم يقصر ولم يتخاذل يوما وكان دوما معطاء ويلبي نداء الواجب الوطني متى دعته القيادة الوطنية سواء لثورة أو انتفاضة أو لدعم جهود دبلوماسية وسياسية ، بل ويأخذ المبادرة لحماية قضيته الوطنية وقيادته عندما تتعرض القيادة السياسية للحصار والتآمر ، ولكن ليس دوما تتوافق وتتطابق حسابات الشعب مع حسابات النخبة السياسية والقيادة .

لم يشهد التاريخ الحديث للشعب الفلسطيني افتراق وتباعد النخبة عن الشعب كما هو حاصل اليوم ،بحيث باتت خيارات الشعب وحساباته غير خيارات النخبة السياسية وحساباتها ،هذا الافتراق نلمسه في كيفية التعامل مع الانتفاضة الراهنة. ففي الوقت الذي تتخبط فيه النخب السياسية في الانقسام وتداعياته ، وفي البحث عن منافذ للخروج من مأزق خياراتها التي تفردت بها بعيدا عن التوافق الوطني ، وفي الوقت التي تتصارع النخب حول السلطة ومنافعها ، في هذا الوقت انتفض الشعب ،ليس لأنه مُحبط بل ليدافع عن أرضه ومقدساته وكرامته،ولأنه لمس عجز الأحزاب والنخب السياسية عن حمايته والتهائها بالانقسام وتداعياته والسلطة ومنافعها، ولمس محدودية تأثير المقاومة المسلحة وصواريخها وأنفاقها ،ومحدودية مردود المراهنة على الشرعية الدولية وقراراتها.

في مقابل عظمة الشعب تقف النخب السياسية والأحزاب موقفا مترددا ومرتبكا من الانتفاضة الراهنة ،حيث ما زالت النخب والأحزاب وفئة من المثقفين مترددة حتى في تسميتها بالانتفاضة ،بل تخوض جدلا بيزنطيا عبثيا حول إن كانت هبة أو انتفاضة أو حالة غضب ؟ ! وهل من الأفضل أن تبقى سلمية أو تتحول للعمل المسلح ؟ ! متجاهلين أن كل الثورات في العالم ككرة الثلج المتدحرجة، تبدأ بحراك شعبي محدود ثم يتحول لهبة ثم لانتفاضة ثم لثورة عارمة، ولا توجد معايير ومقاييس دقيقة للتفريق بين الحراك الشعبي والهبة والانتفاضة.

هذا الموقف المتردد للنخب السياسية والأحزاب مما يجري في الضفة والقدس ، وعدم انخراط الأحزاب بقوة وبكل ما تملك في الانتفاضة سواء في الضفة وغزة ،واقتصارها على التأييد اللفظي إنما يكشف الواقع البائس لهذه النخبة وانشدادها لمصالحها وخوفها عليها أكثر من انشدادها للمصلحة الوطنية .

[email protected]

×
أخبار
«واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط