كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عقدة المقاومة وإسقاط النظرية الصهيونية الاستعمارية

عقدة المقاومة وإسقاط النظرية الصهيونية الاستعمارية

تاريخ النشر: 2025-09-13 | 11:00

لم يكن صمود المقاومة واستمرار أدائها القوي، على مدى 23 شهرا مجرد حالة تاريخية استثنائية، أو مجرد حدث يثير حيرة الخبراء العسكريين والسياسيين، وإنما أصبحت نموذجا يضرب جوهر الأيديولوجية الصهيونية الاستعمارية.

   حماس وقوى المقاومة صارت تشكل عقدة لدى الاحتلال الإسرائيلي وآلته العسكرية الهائلة المتوحشة؛ إنها عقدة رعب الفشل في إخضاع الآخر، ورعب سقوط بنية الأيديولوجية الصهيونية القائمة على نزع الإنسانية عن الآخر واحتكار الضحية، وبالتالي تبرير مصادرة أرضه وقتله وتهجيره.

   إنه الرعب من انقلاب الصورة حيث أصبح العالم أجمع يرى الصهيونية بلا إنسانية، بينما ينتصر الفلسطيني في هويته وقيمه وإنسانيته وسلوكه الحضاري.

   إن خطورة هذا الأمر تكمن في أن نجاح المقاومة يفقد المشروع الصهيوني أُسس جدليته ومبررات وجوده.

العقلية الفوقية وتقديس القوة

   يتماهى المشروع الصهيوني مع المشروع الاستعماري الغربي في مسألتين جوهريتين:

• عقلية "التفوق" على الآخرين، ونزع الصفات الإنسانية الأساسية عنهم، وتطبيق "الداروينية الاجتماعية" عليهم، من خلال "صراع البقاء" و"البقاء للأصلح" أو للأقوى؛ وبالتالي إجازة كافة أشكال الاستغلال والتوحش تجاههم.

• تقديس القوة، وإعطاء من يملكها حقوق فرض تصوراته وإرادته وهيمنته، باعتبار أن القوة تصنع الحق، وهي تفرض معاييرها لما تسميه العدل أو الحرية أو المساواة، أو حتى في تعريف "الإنسان" نفسه؛ وأن ما لا يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بمزيد من القوة!

   في العقل الصهيوني، العربيُّ عنصر منحط، ممثل "للأغيار" أو "العماليق" بكل وحشيتهم. فهو يستحق ما يحل به، وعليه أن يدفع ثمن الكوارث التي حاقت باليهود عبر التاريخ. والصهاينة يرون العربي متخلفا ضعيفا جبانا شهوانيا قابلا للإخضاع؛ وبالتالي يتم تجريد العربي الفلسطيني (الضحية) من إنسانيته لتبرير التخلص منه.

   ويلفت نظرك تلك الثقافة الإسرائيلية الصهيونية التي تتحدث بشكل عادي عن قتل الفلسطينيين ومصادرة أرضهم ومقدساتهم وتهجيرهم، كما لو أنه مجرد سلوك إجرائي روتيني.

   ويشترك في النظرة الدونية للفلسطينيين (وللعرب والمسلمين) التيارات الصهيونية المختلفة؛ ويصف زعماء سياسيون وقادة عسكريون ومفكرون صهاينة ورجال دين كبار، الفلسطينيين والعرب بأوصاف تحقيرية عديدة تنتقص من إنسانيتهم، وتقدم التبرير الوقح لقتل الأطفال والنساء والشيوخ، وتدمير المستشفيات والجامعات والمدارس ودور العبادة.

   كما تلاحظ أن المجتمع الصهيوني بجماهيره وتياراته المختلفة منشغل بتحرير أسراه العشرين وبإشغال العالم كله بـ"معاناتهم"، بينما لا تكاد تجد بينهم أي تيار حقيقي يأسف لقتل عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين، وتحويل حياة نحو 2.3 مليون فلسطيني في القطاع إلى "جحيم"، وتدمير بيوتهم وتهجيرهم؛ فالمعاناة الفلسطينية الهائلة غائبة عن قاموسهم.

إسقاط النظرية الصهيونية

   على مدى عشرات السنوات تعامل الفكر الصهيوني من خلال تلك العقلية التي وجدت ما يبررها في انتصاراتها على الجيوش العربية، والهيمنة على المنطقة، وفرض مسارات التطبيع، بل وحتى الوصول إلى نتيجة مذهلة هي توقيع قيادة منظمة التحرير الفلسطينية نفسها على اتفاقات أوسلو، متنازلة عن معظم فلسطين، وقبولها تشكيل كيان وظيفي يخدم الاحتلال، ويطارد قوى المقاومة.

   غير أن هذه العقلية اصطدمت بجدار غزة، وتعطلت مع حماس والقوى الإسلامية المقاومة.

   بعد هجوم السابع من أكتوبر/تشرين الأول، قررت القيادة الإسرائيلية أن تأخذ المعركة شكل المعركة الوجودية: حماية الوجود الإسرائيلي واجتثاث وجود المقاومة؛ لأن الهجوم أسقط النظرية الأمنية الصهيونية، وأثبت إمكانية هزيمة الاحتلال.

   ما دام الصهاينة قد أعلنوها معركة صفرية وجودية، فقد وضعوا نظريتهم وجوهر مشروعهم على المحك. كان هناك مزيد من القوة، ثم مزيد من القوة.. مزيد من المجازر.. مزيد من الدمار، ومن تدمير المدمر، دماء وأشلاء وأطفال ونساء وشيوخ وتهجير وحصار وتجويع.. لكن لا خضوع.

   القوة الطاغية واجهتها مقاومة صلبة قوية فعالة شجاعة.

   المزيد من القوة والوحشية أعطى نتائج عكسية: نماذج مقاومة بطولية أصبحت حديث الناس والعالم.

   لا يوجد في المخزون الذهني الصهيوني وتجربته حالة صمود مثل هذه. هناك إحباط صهيوني من عدم تحقق انتصار بعد كل هذه المدة الطويلة… هناك خوف من سقوط النموذج أو تصدعه. كان ثمة قياس خاطئ على أنظمة فاسدة مستبدة هي نفسها حصيلة منتج غربي، أو على أمة أمست غثاء كغثاء السيل.

   إن وقف هذه الحرب ليس كغيره من الحروب، لأن وقفها وانسحاب العدو وبقاء سلاح المقاومة، تعني لليكود وللصهيونية الدينية أن منظومة القوة في فلسفة المشروع الصهيوني ضُربت في صميمها.

   ولذلك سيسعون بكل الطرق ألا تنتهي الحرب دون نزع سلاح حماس، ودون تقرير مصير اليوم التالي للقطاع؛ لأن صمود حماس وفرض إرادتها يعنيان بداية العد العكسي للمشروع الصهيوني.

   وهذا يفسر الشراسة الصهيونية وإطالة أمد المعركة، والإصرار على تغيير خرائط المنطقة.

التفوق الإنساني الفلسطيني

   مجازر بشعة قتلت عشرات الآلاف من الضحايا الأطفال والنساء والشيوخ، قابلها نماذج هائلة في الصبر والاحتساب لحاضنة شعبية عانت الأهوال، لكنها قدمت أساطير عالمية ملهمة في تحدي العدو، وفي الانتصار في معركة الإرادة.

   آلاف النماذج التي كررت عهد الصحابة والتابعين، أصبحت أيقونات عالمية ورموزا متألقة في حركة التاريخ. رمزية "التضحية" ورمزية "الضحية" أصبحتا ترتبطان أكثر بالإنسان الفلسطيني. عشرات الملايين في العالم مثّل ذلك لهم حالة إلهام، وأخذ الكثيرون يدخلون في الإسلام.

   غطرسة القوة الصهيونية لم تفضح فقط توحشها وقيمها المزيفة ولا بكائياتها واحتكارها دور الضحية، وإنما أظهرت في المقابل أروع وأنبل ما في هذه الأمة؛ أظهرت نموذجها الحضاري الإنساني الرفيع وتراثها العريق، وأظهرت أصالة الإنسان العربي المسلم، المتجذر في أرضه منذ آلاف السنين. شهد الجميع أنه ليس "حيوانا بشريا"، وليس مجرد "شيء" أو "مادة حيوية"، تُنزع عنه إنسانيته ليُبرر قتله وشطبه.

   ببساطة عندما ينسجم إنسان هذه المنطقة مع عقيدته الإسلامية وتراثه وحضارته ويستعلي بإيمانه، لا يعود غير قابل للإخضاع فقط، وإنما يستعيد دوره الحضاري المحوري في ريادة البشرية.

   العقلية الصهيونية ممثلة بالاحتلال الإسرائيلي قسمت العالم إلى عالمين: حضاري وبربري، وجعلت نفسها ممثلا للحضارة، ولكنها سلكت سلوكا بربريا متوحشا، وصارت هي ذاتها أمام أعين العالم رمزا للعالم البربري.

   المزيد من التوحش والتدمير الصهيوني كشف الضحية الحقيقية، وأسقط فكرة "احتكار دور الضحية" لدى الصهاينة، وفتح المجال للعالم للخروج من "عقدة الهولوكوست"، وأضعف حالة الابتزاز الصهيوني الدائم للعالم بالمتاجرة بهذه العقدة.

   ولذلك، فإن حماس والجهاد الإسلامي وقوى المقاومة وغزة وفلسطين انتصرت في معركة القيم.

   أصبحت مغامرة الاستمرار الصهيوني في محاولة إثبات النظرية، تعني الاستمرار في النزيف العسكري والسياسي والأخلاقي والإعلامي.. تعني مزيدا من السقوط القيمي، تعني مزيدا من النزيف الاجتماعي والاقتصادي، وتعني التحول إلى حالة منبوذة عالميا وإنسانيا. لقد سقطت السردية الصهيونية.

   لم يعد بالإمكان تسويق الرؤية الاستعمارية الصهيونية الغربية حول إنسان المنطقة الضعيف الجبان المتخلف. وإسقاط هذه الرؤية يعني إسقاط مبرر وجودها.

   الخوف من انكشاف الحقيقة للعالم يفسر استهداف الاحتلال الإسرائيلي للصحفيين والإعلام وقتل 248 إعلاميا، وهو أكبر معدل قتل للصحفيين في كل حروب التاريخ الحديث؛ بل إنه يزيد عن مجموع من قُتل من الصحفيين في الحربين العالميتين: الأولى والثانية، والحرب الروسية الأوكرانية.

خلاصة

   ثمة قلق إسرائيلي من سقوط النظرية الصهيونية الاستعمارية، وسقوط منظومة الخداع المزيفة التي شكلها العقل الغربي حول العربي والمسلم والشرقي. وهو سقوط يُبطل الأساس الذي تقوم عليه الصهيونية في التفوق والقدرة على الإخضاع.. وهو سقوط مخيف؛ لأن مواجهته والاعتراف به يعنيان عمليا أنه لم يعد للصهاينة مقام في هذا المكان.

   وهكذا، فتوقف الحرب قد يجر إلى انهيار المنظومة الأيديولوجية. والخيار الوحيد هو التوقف والاعتراف المر بالحقيقة. وبالتالي، ستكون هناك حالة إنكار إسرائيلية، وحالة مكابرة، وعناد، وحالة هروب للأمام قد تطيل أمد المعركة أو تحاول توسيعها. ولذلك، فإن إنهاء المعركة (ما دام الاحتلال مصرا على أنها معركة صفرية)، يتطلب وقتا وجهدا وتضحيات كبيرة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط