كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عقيدة بيغن والفرصة السانحة

عقيدة بيغن والفرصة السانحة

تاريخ النشر: 2021-01-09 | 10:19

محمود التميمي
محمود التميمي

خلال ثوانِ قليلة ارتفع سرب الطائرات المكون من ست طائرات اف 16 من ارتفاع 500 قدم إلى ارتفاع 10000 قدم، وسدد ضربته لقبة المفاعل النووي العراقي تموز بألاف الأطنان من المتفجرات، ثم انخفضت الطائرات مجددا بسرعة خاطفة إلى 500قدم وعادت ادراجها، قاطعةً 600ميل، إياباً، فوق جنوب العراق ومناطق من السعودية.

حدث ذلك يوم السابع من حزيران عام 1981م.

ومرة أخرى في الخامس من أيلول 2007 م انقضت ثماني طائرات، اربع من طراز اف 16, وأربع من طراز اف 15, حلقت بمحاذاة الساحل السوري ثم على خط الحدود التركية السورية, وضربت المفاعل  الكوري الشمالي في دير الزور ودمرته ب 17 طنا من المتفجرات، قبل أن تعود إلى قواعدها في مرج ابن عامر وصحراء النقب، منفذة  للمرة الثانية، عقيدة بيغن لحرمان دول الإقليم والمنطقة من القدرات النووية .

لكن المعضلة مع إيران مختلفة في كثير من الجوانب، فالدولة الإسلامية في إيران، وبشهادة كبار قادة أجهزة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية وجهاز الموساد، نجحت بهدوء وصبر في بناء مفاعلين نووين في "بوشهر " و "آراك" و منشآت لتخصيب اليورانيوم في "نتناز" و" فوردو" و انتهجت برنامجنا نوويا علنيا، تحت رقابة منظمة الطاقة النووية العالمية ، وسمحت بتفتيش منشآتها، ولم تترك اي دليل على امتلاكها برنامجا عسكريا، بحيث ان الاستخبارات الوطنية الأمريكية في العام 2007 م المكونة من ستة عشر جهازا استخباريا، قدمت للجانب الإسرائيلي في روما، تقارير عن عدم توفر اية ادلة أو مؤشرات تفيد بسعي إيران لامتلاك أسلحة ذرية.

بل ان"مائير داغان"رئيس جهاز الموساد الأسبق، استبعد تماما، خلال رئاسته الجهاز، قدرة إيران على بلوغ المنطقة المحظورة، أو الوقوف على عتبة الدولة النووية، ووعد عام 2005 م بأنه، عبر العمليات السرية والاغتيالات والتخريب المادي والالكتروني، لن يسمح لإيران بتشغيل جهاز طرد مركزي واحد.

والحصيلة ان إيران نجحت بالفعل وعلى مدى سنوات، تحت نظر وكالة الطاقة النووية، والمراقبين الدوليين، ودون تسجيل خروق تذكر، ورغم عمليات الاغتيال والتخريب المتكررة ضدها، من امتلاك وتشغيل عشرات آلاف أجهزة الطرد المركزي ومن تخصيب آلاف الكيلو غرامات من اليورانيوم.

وبالنسبة لإسرائيل، تحولت مسألة تطوير إيران برامجها النووية،خلال الخمس عشرة سنة الماضية، من قضية جانبية تحت السيطرة، إلى الخطر الوجودي الأول ، وربما الوحيد، الذي تحاول بشتى الطرقات والخيارات اجهاضه ووقفه. وفي هذا الصدد، لا ترى إسرائيل الخطر الإيراني، منحصراً في قدرة إيران على امتلاك أسلحة نووية، بل أيضا، في ان سعيها الحثيث لتطوير قدراتها التكنولوجية، سيدفع دول الإقليم والمنطقة لدخول السباق المحموم، وسيحفز دولا أخرى مثل السعودية وتركيا، وغيرها، لولوج المضمار، وربما تشكل تلك الدول أيضا في يوم من الايام تهديدا وجوديا، يحقق أسوأ كوابيس جولدا مائير، وينسف عقيدة بيغن من أساسها.

يقول “عاموس يدلين،" أحد الطيارين المشاركين في قصف مفاعل تموز العراقي، ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الأسبق: "أمام الإيرانيين أنت أمام مزيج مذهل من التعصب الديني، والتعقل الاستراتيجي.. انهم شديدو الطموح.. ليسوا في عجلة من أمرهم، وهم غير مترددين، ويرتكبون القليل جدا من الأخطاء. بدلا من الذهاب مباشرة نحو هدفهم واشعال النار، يفضلون بناء جبهة عريضة ثابتة تصل بهم إلى هدفهم ببطء. لقد استغرقني فهم ذلك حوالي السنتين، لكنني عندما استوعبت ما يفعلونه شعرت بالانبهار العميق".

واليوم، في الفترة الانتقالية المتبقية للرئيس ترامب، يدق ناقوس الخطر من جديد، وربما على نحو اشد قوة وطنيناً وجدية من اي وقت في السابق. فانتقال الرئيس أوباما من اعطاء الأوامر بالتحضير لعمل عسكري ضد المنشآت النووية الإيرانية في العام 2011، إلى الاقتناع بخطورة الخيار العسكري وتوقيع الاتفاق النووي مع إيران في يونيو 2015م, ثم انسحاب الرئيس ترامب من الاتفاق، وتشديد العقوبات على إيران منذ مايو 2018م ،و رسائل الرئيس المنتخب بايدن إلى إيران بإمكانية حدوث انفراجه والعودة مجددا إلى الاتفاق النووي المشترك ،هذا التذبذب والتأرجح  بين خيارين، قابله وبشكل موازي في الجانب الإسرائيلي، صراع  داخلي ونقاش ساخن بين تيارين قويين، يرى أحدهما ضرورة توجيه ضربة استباقية لإيران قبل فوات الأوان ومهما كان الثمن، لكنه يشترط لحدوث هذه الضربة توفر ضوء أخضر أمريكي، واستعداد داخلي لتحمل آلاف الخسائر البشرية. ويصر هذا التيار على أن إسرائيل إن لم تكن قادرة على تحمل فداحة الثمن الآن، وتقديم التضحيات اللازمة، لتلافي خطر مستقبلي يهدد وجودها، فهي غير جديرة بالوجود.

اما التيار الأخر، فيرى ان الوقت فد فات على توجيه مثل هذه الضربة، وأن البديل الوحيد الممكن هو التعاون مع الولايات المتحدة ودول المنطقة لاستنزاف إيران وتشديد العقوبات عليها وشن المزيد من العمليات السرية والتخريبية لتعطيل برنامجها النووي.

المشكلة الحقيقة تكمن في أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وخلال الفترة التي شغل فيها ايهود باراك منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع مابين عامي 2007 و2013م، كاد ان يشعل الفتيل أكثر من مرة، إذ اتفق الرجلان ومعهما عدد من قادة الأجهزة الاستخبارية والجنرالات على القيام بعمل مجنون شارف على الوقوع بالفعل، لولا المعارضة القوية من رئيس هيئة الأركان "غابي اشكنازي" و"يوفال ديسكن" رئيس الشين بيت و"مائير داغان" وأغلب قادة الاستخبارات والجيش. وقد أسفر " نتنياهو " عن مواقفه الجامحة في العديد من خطاباته، وخاصةً على منبر الأمم المتحدة. كما برزت توجهاته بوضوح في تحفظاته وملاحظاته على الخطة المتعددة السنوات " تنوفا " التي وضعها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي " أفيف كوخافي “.

يتكرر هذا الخطر اليوم بشكل اكبر وأكثر جدية، مع فشل ترامب في الفوز برئاسة دورة ثانية، وهو الذي عُوِلَ عليه كثيرا، لتصفية القضية الفلسطينية خلال فترته الأولى، ثم التفرغ لإيران لتصفية مشروعها النووي في فترته الثانية، وبحيث عاد الدور الاساسي مجدداً لإسرائيل لحسم الخطر الإيراني بنفسها قبل أن يفوت الأوان نهائيا، وقبل أن يعيدها "بايدن " لدائرة الحلول الاقتصادية والدبلوماسية.

يتوفر الآن لنتنياهو  وخلال الايام المعدودة المتبقية مالم يكن متوفرًا له في الأعوام 2011 - 2013م، وما كان معدوما تماما خلال السنوات 2015 - 2018م، فالضوء الأخضر من ترامب، وارد ومتاح بدرجة عالية، والتحالف ونواة ناتو شرق اوسطي بالتحالف بين إسرائيل والدول المطبعة بات موجودا. فضلا عن أن نائب رئيس الوزراء ووزير الدفاع" بيني غانتس"لطالما كان منذ العام 2011م، وربما قبل ذلك، مؤيداً لتوجيه ضربة قاضية للمنشآت النووية الإيرانية.


في ضوء كل ذلك يمكننا ترجيح ان اغتيال" قاسم سليماني “ثم تفجيرات"نتناز"واغتيال العالم النووي الإيراني "فخري زادة،"و حشد حاملات الطائرات الأمريكية في الخليج وعبور الغواصات الإسرائيلية و تحليق القاذفات الأمريكية، لم تكن أعمالاً منفصلة، أو خطوات احترازية و تكتيكية، ولكن سلسلة من الحلقات في خطة كاملة.

إنما ليس مؤكدا حتى الآن ان كانت الأحداث المذكورة قد وقعت تمهيدا لتوجيه ضربة إسرائيلية بغطاء وضوء أخضر أمريكي، ام استفزازا لإيران للقيام بعمل ما، تتذرع به إسرائيل لشن هجومها. لكن المؤكد بكل حال أن عملا كبيرا وبالغ الخطورة يلوح بالأفق، وأن الأصبع على الزناد، بانتظار ان تحين لحظة الحسم التي رُبما تقرر موعدها اصلا، أو بانتظار اتخاذ هذا القرار الحاسم في أية لحظة.

وبترقب ان تسفر الايام القليلة القادمة عن وجهتها، فإن عوامل معدودة ستكون مصيرية:


* إذا ما كان الانقسام والتشظي الحزبي في إسرائيل يؤثر بنفس القدر، طردا أو عكسا حيال هذه المسألة في المستويات الأمنية والعسكرية والسياسية. وإن كان الصراع الأمني على ملف إيران في اللحظة الأخيرة بين نتنياهو وغانتس صراعا على عمل يسبق رحيل ترامب أم على ما يليه ويعقبه.  

* اذا ما كان الرئيس ترامب، بعد فضيحة الكونغرس،لازال قادرا على تحمل تبعات حدث خارجي بهذا الحجم.

* إذا ما كانت إسرائيل تمتلك قلبا قويا لتَحَمُل حرب واسعة وخسائر لم تشهدها من قبل.


* إذا ما كانت دول الإقليم الأخرى قادرة على إيقاف العملية، أو مستعدة للمجازفة.

وتبعا لما سيحدث خلال الأيام المتبقية لترامب في السلطة، فإن نتنياهو والقيادات الإسرائيلية على اختلاف مستوياتها، تعلم علم اليقين، انها ان لم تستغل الفرصة السانحة، والكوة التي لازالت مفتوحة لتوجيه الضربة المباشرة للمشروع النووي الإيراني، فإنها لن توجهها بعد ذلك مطلقا، وستكون قد فوتت والى الأبد، اخر فرصة متاحة، قبل أن تتحول إيران إلى دولة نووية، أو دولة عتبة نووية خلال عام او عامين على الأكثر.

فهل تقدم إسرائيل على هذه الخطوة، ام ان الدولة العظمى، النووية، في المنطقة، والتي تستعرض بطشها وسطوتها، تمتلك قلباً ضعيفا وأقداماً رخوة؟؟

نسأل الله ألا ترتكب إسرائيل هذه الحماقة، ولو أنها فعلت ستجر المنطقة لأتون حرب مدمرة، وستلحق أشد الأذى حتى بنفسها. أما إن لم تفعل، فإن إيران ستكون، بالفعل كما قالت، قد ردت على كل الضربات تجاهها، رداً استراتيجياً.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط