كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

علاقة الرباط العقائدي والفكري

 ليس ثمة شك بأن العلاقة بين الجهاديين والبعثيين في العراق وسوريا تحتل الموقع الأهم لدى مراكز الاختصاص والمخولة رسمياً بتحليل ظواهر غريبة أو تلك التى تظهر على سطح المشهد القتال دون مقدمات ، وبالرغم ، من تاريخ حافل بالمقارعات بين الأخوة الأعداء ، سابقاً ، حلفاء اليوم ، إلا أن ، سياق التحالف كما يبدو لم يأتي بالصدفة أو نتيجة وقائع قاسية دفعت الخصوم إلى حفر خندق مشترك ، بل ، هناك حلقة مغيبة استطالت منذ ، ذاك اليوم ، التى تقهقرت به القوات العراقية ، وهي ، عائدة من الكويت دون أن تلفت الانتباه ، بأن الواقعة كان لها أثر عميق في تغيير الاسس لحزب البعث ، طبعاً ، دون المساس في العنوان الرسمي ، لهذا ، بقى التغيير مقتصر بين بعض القيادات الذي أوكل لهم صدام حسين مهمة انشاء وإعادة هيكلة مجموعات عسكرية من الأفراد والضباط ، وأيضاً ، شملت التغيرات مليشيا الحزب التى انتشرت في المدن الكبرى ، نعم ، كما يبدو ، ولا أعتقد أن هناك تفسير أخر ، سوى أن الرئيس صدام أُصيب بصحوة لم يعلن عنها بقدر أنه تحرك مع بعض المقربين والموثوق بهم والتى ، أيضاً ، شملتهم الصحوة لِما تركت ، عاصفة الصحراء ، من دمار معنوي وتسببت بقطع اذرع العراق الممتدة بالمحيط والإقليم ، ففي كانون الثاني من عام 1991 م ، اصيب البعث العراقي بانكسار وغبن في الوجدان ، حيث ، تبدلت اللعبة الإيرانية بلعبة أكبر وأشمل من تهديدات اقتصرت عند البوابة الشمالية للوطن العربي إلى احتلال شبه كامل للخليج العربي ، لتستقر القوات الأمريكية على تراب وفي مياه الخليج وبأعداد ضخمة ، وبالتالي ، تحولت منطقة خليج العربي برمتها إلى قاعدة أمريكية ، حيث ، خسرت العراق في الحرب الخليج الثانية ما يزيد عن 70 ألف عسكري وتقريباً 30 ألف أسير بالإضافة إلى تدمير حوالي 4 ألاف دبابة و3100 قطعة مدفعية وتحطمت 240 طائرة حربية ، مقابل ، تكبيد دول الخليج كافة تكاليف الحرب التى وصلت إلى أرقام خيالية من مليارات ، هي ، بالأصل تكدست داخل جدران المباني الواقعة خلف محيط الاطلسي ، وفي غمرة المشهد المعقد يدفع المرء بالعودة إلى أصل الخلاف ، آنذاك ، بين العراق والكويت والبحث عن الأسباب التى دفعت العراق أن يُقدم على مثل هذه المغامرة ، باحتياج الكويت ، ليجد أن ، ما إذ قورن مطلب العراق قبل الحرب وما بعدها سيتقزم الأول أمام الثاني ، فكانت مطالب العراق بعد توقف الحرب مع ايران ومن خلال اجتماع مجلس التعاون الخليجي بإلغاء ديونه المستحقة للكويت ، حيث ، اضطر ، اقتراضها لتغطية تكاليف الحرب المجنونة ، والتى بلغت حينها وحسب تقديرات الأمم المتحدة 60 مليار دولار ، ولم يستشيط صدام حسين غضباً ، فقط ، بل ، تعدت مطالبه شطب الديون وأكد على ضرورة منحه 10 مليارات دولار اضافية ، كما طالب ، ايضاً ، بتأجيره جزيرة وربة التى تقع شمال الكويت قبالة السواحل العراقية وبالإضافة إلى جزيرة أخرى ، أكبر ، تسمى بوبيان ، فوجئ الجميع بتلك المطالب التى رافقها خطة اقتصادية لإعادة تعمير العراق ونوايا توسعية بالجانب العسكري ، كان هناك اعتقاد لدى القيادة العراقية ، نلامسه واقعاً اليوم ، بأن احتمالية تجدد الصراع مع ايران مرة أخرى ، وارد في أي لحظة ، وللمرء أن يضرب صفحاً عن ما احدثه الخلاف من تكاليف عسكرية ومعنوية وقومية يمتدّ اثارهم إلى يومنا هذا ، ولامرئٍ ، أيضاً ، كل الأحقية أن يقول ، ولا عتب عليه ، بالطبع ، أن الأموال التى احترقت منذ اندلاع الشرارة الأولى في الحرب الخليج الأولى وحجم البشر الذين لاقوا مصيرهم دون أن يعلموا ، لماذا ماتوا ، هي بالطبع ، امكانيات لو ادخرت في الصندوق القومي كانت جديرة وكفيلة بإنقاذ الجغرافية العربية من عرض البحر لأي مغامرة كونية ، فما تحمله العراق والخليج العربي وعلى وجه الخصوص ، الكويت ، من أموال حتى ، اليوم ، يفوق كل التوقعات ويتحول رقم 60 مليار التى كانت الكويت تطالب به العراق كورقة ضغط ، قياساً بما أُنفِق لاحقاً ، رقم صغير لا يذكر .

مع نوايا حزب البعث الجديدة ، وجد أن المساجد وأماكن أخر دينية ، غير إسلامي ، بقت محافظة على روابطها وامتداداتها القبلية ، بالرغم ، من محاولاته اثناء حكمه إلى تهميشها وإقصائها عن المكونات السياسية والدائر الرسمية ، إلا أنها كانت ، بالفعل ، ملاذه وبذات الوقت بدايته الجديدة ، خصوصاً ، بعد ما تكبد هزيمة بحجم أمة ، بدأ بالتوجه بشكل سلحفائي وخجول نحو أصول الدين ومزج خطابه القومي بالإسلامي ، بل ، في السنوات ما قبل الانهيار أرتفع الديني على جميع الخطابات الأخرى ، مما يظهر أن في مرحلة معينة بعد أن اُسدال الستار ، اتضج بأن الأفكار التى تبناها البعث أولا ً ، وتباعاً ، الأحزاب المشابهة ، كانت مبتورة عن الجذر وبعيدة ، تماماً ، عن سياقات التاريخية ، للأمة العربية ، وأنها مع التجربة الخالدة ، هي ، عصية على الدمج بالهوية الدينية ، وبالتالي ، عمقها لا يقاس عند شعوب المنطقة بسطحيات أخر ، وحين أنهار النظام البعثي لم تكن الساحات غريبة عنه وغريب عنها ، بل ، اجتهد خلال السنوات الحصار إلى ايجاد سلسلة تفاهمات ، صحيح ، متواضعة ، لكنها ، كانت ، هي ، البذرة التى تنامت لاحقاً ، والأمر الذي يعني أن هناك اعتبارات أخرى لا تقل دلالة عن الأولى ، لأنها أتاحت الطريق للمجموعات الإسلامية ، الخط السلفي الجهادي في شتى بقاع الأرض أن يتسللوا إلى العمق العراقي ، وبأقل ،إلى جبال كردستان ، وكما كانت التوقعات ، تضاعفت تلك المجموعات بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وباتت ، هي ، العنوان الأهم للمقاومة ، لكنها ، واجهت العديد من الانتكاسات والتقُلبات التى أدت إلى اضعافها وتشرذمها في كثير من الفترات خلال السنوات الثمانية للاحتلال ، وجدت ، إدارة الاحتلال أن من الضروري الاعتماد على العشائر السنية بعد إهمالها بشكل مقصود ، فأنشأت ما يسمى بالصحوات داخل مناطق كانت القاعدة لها النفوذ الأوسع والكلمة النهائية فيها ، تماماً ، إلى جانب تنظيمات أخرى وبالتالي سهلت الصحوات الانقضاض على اعداد كبيرة من التنظيم وأنصاره ، وكما يبدو لم تكن الإدارة الأمريكية ولا شركائها الجدد بحكم بغداد على دراية كافية في إدارة سجون بهذا الحجم ، حيث ، يجتمع فيها الالاف من المعتقلين ، تختلف تصنيفاتهم وقدراتهم ، بل ، كان الأهم لديها السيطرة على المناطق بأي شكل يتاح لها دون معالجة المسائل من جذورها ، لكن ، القدر كان أسرع وأمكن ، حيث ، اصطدمت في واقع باهظ التكلفة عندما ضمت في معسكر بوكا ما يقارب ال 100 ألف معتقل ، وبوكا يقع في محيط مدينة أم قصر ، أعاد المحتل الأمريكي تسمية السجن ببوكا لذكرى رونالد بوكا الذي لقى حتفه في هجمات 11 أيلول 2001 م ، هو جندي ، في اللواء 800 للشرطة العسكرية ، لكن هذا ، يفسر على الأقل بأن السياسة الأمريكية ، رغم ، فائق تأثيرها وقوة انتشارها تبقى غير ناضجة وليست متعمقة في سياساتها الخارجية ، رغم ، ادعائها بذلك ، وتعتمد في واقع التجربة على بنك معلومات ، نسبة التضليل فيه كبيرة ، بقدر أنها تفتقد إلى أصول المعرفة للقضايا التى تتحرك حولها ونحوها بشكل جذري .

وبالرغم من حجم ضررها ، آنذاك ، للجهاديين ، إلا أن نفعها لا يُقدر بثمن ، بل ، يعتبر الآن سجن بوكا صفحة في تاريخ داعش والبعثيين ، اجتمع داخله معظم قادة التنظيمين وكوادرهما ، هم ، الأهم والأشرس ، بما فيهم من يتداول الإعلام أسمائهم اليوم ، فقد أتاح لجهاديين الاجتماع مع الآخرين لمدة زمنية كافية ، تعمقت وتوثقت العلاقة دون علم المحتل أو حتى لم يخطر على باله بأن بوكا تحول إلى جامعة للسلفية الجهادية ، تماماً ، كما افغانستان سبقته بذلك عندما افرزت فروع ممتدة حول العالم بما فيهم الولايات المتحدة الأمريكية ، حيث ، تحولت معادلة بوكا ما بين اساتذة وطلبة ، فكانت الفرصة للجهتين ، معاً ، البعثيين والجهاديين ، التقارب والتعرف على بعضهم وتبادل كل طرف للأخر ما كان ينقصه ، فالبعثيون ، من ضباط وأفراد الجيش العراقي السابق ، قدموا الأساليب والقدرات العسكرية ، مقابل ، الجهاديين رسموا الطريق العقائدي والسبيل ، فأصبحت العلاقة تحمل نوع من الرباط العقائدي والفكري .

أين تكمن صعوبة اجتثاث الدولة الإسلامية في العراق وسوريا ،عندما يكرر التحالف الدولي اخطائه وتتحول إلى جملة خطايا يتكئ عليها ، يبقى السؤال ، رغم انتقال الرئيس اوباما إلى مرحلة ، ب ، في تدعيم قوات حكومة بغداد بألف وخمسمائة خبيراً اضافياً ، هل سينجح أوباما فعلاً ، إذا افترضنا ، حسن النوايا ، في ما فشل به بوش الابن ب 263 ألف جندي انتشروا طولاً وعرضاً على الجغرافيا العراقية ، إذاً ، لا يحتاج المرء أن يجيب ، بالنفي القاطع ، فحسب ، بل ، يعود إلى تفكيك الخطاب وقراءة ما بين السطور ، أيضاً ، أمام واقع ، واضح ، صريح ، لا لبس فيه ، على الأرض ، كما أن من المفترض ، هو ، لا سواه ، كمصنف أحد الاساتذة الأهم في الولايات المتحدة ، للدستور ، وأول رئيس تحرير مجلة ، القانون ، في جامعة هارفارد من أصول أفريقية ، لا بد أنه يعي جيداً مع قلة من المهتمين ، بأن ، تكوين الدولة الإسلامية داعش نابع من فكرة تتشابه بالتكوين لبدايات الولايات المتحدة الأمريكية التى من أهم ركائزها الاستقطاب البشري وانصهارهم بالفكرة وبالنظام الاجتماعي والاقتصادي للدولة ، وبالتالي ، هي ليس سواها ، أي الركائز ، جاءت برئيس من أصول أفريقية ولأب مسلم ، تماما ، اليوم ، نشأ تنظيم القاعدة ، وتوسع تحت اسم دولة داعش على ركائز لا تعترف ، كلية ، بالهوية الوطنية ولا الإقليمية ولا القومية بقدر ما تعترف بانتماء الفرد إلى الفكرة ، بغض النظر عن اللون والعرق والجغرافيا ، التي بدورها تستقطب هي الأخرى من مختلف انحاء العالم ، افراد وجماعة بشكل انتقائي ونوعي ، كالمرأة التى لم تقذف من رحمها مولوداً ، لكنها ، قادرة أن تكون مرضعة لك من يطرق ثديها ، بيد أن ، يبقى تناسلّ الأسئلة قائماً ، يتصدر السؤال الأهم من بينهم ، كونه يراوح منذ زمن ، بالطبع ، لا يملك أحد الإجابة عنه طالما التياهان في دوامة المغالطات ، سلوك متبع وأسبابه فقدان البوصلة ، لهذا ، لصالح من يقاتل العربي هنا وهناك وفي كل مرة تأتي النتائج لصالح إيران تارة وأخرى لإسرائيل ، كأن وظيفة العربي اقتصرت ، فقط ، تعبيد الطريق للآخرين وفي نهاية النفق يخرج من المستقبل مغسول اليدين .

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط