كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

علمنا الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله

علمنا الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله

تاريخ النشر: 2024-11-08 | 14:29

                                     9- معنى الانفتاح والتعاون والتضامن.

الانفتاح:

كان من منطق الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله، أن الجمعية المدنية الناجحة لابد لها من بعض الخصائص والمواصفات التي تجعل منها جمعية منفتحة متشاركة، متعاونة ومتضامنة. وأما الانفتاح وإن كان يبدو قدر الجمعية المدنية، بدء بما تضعه من ملفها القانوني عند السلطات وبعض الهيئات والمؤسسات التي ترجو منها بعض المساعدة والافادة، ثانيا، بما تنفتح به على ساكنة حيها وفئاتها الاجتماعية المستهدفة من برامج وأنشطة خاصة أو مفتوحة، ثالثا، على واقعها وبيئتها، وأحداثها ومشاكلها ذات الصلة باهتماماتها، إلى الانفتاح على الفاعلين الاجتماعيين والمكونين الجمعويين..، إلى أنسب وسائل وأشكال العمل والتواصل العام داخل هياكل الجمعية وخارجها.

لكن، يبقى الانفتاح مجرد وسيلة لخلق اللازم من الحوار والتواصل مع السلطات مثلا، خاصة عندما لا تتفهم برنامج عمل فترفضه أو تنظيم نشاط فتمنعه أو تعرقله؟، حوار وتواصل مع الساكنة للوقوف على حاجياتها ومطالبها وتعبئة المستعدين من المتطوعين من أبنائها، للتعاون على مشروع يخدم المصلحة العامة للمنطقة، وكل هذا يتطلب قدرا من الثقة في الجمعية وأبنائها وبرامجها، بل وحماية هذه الثقة ورعايتها وتنميتها بالأنسب من وسائل العمل والتواصل الدائم والفعال بمعنى الانفتاح، انفتاح لا يتجسد بالأساس إلا على مدى مروءة الجمعية ومصداقية عطائها، وما تحرص عليه وتضعه من ملفاتها عند بعض الهيئات، وتنشره من تقارير أعمالها، وتوجهه من دعوات لحضور أنشطتها وأيامها المحورية أو المفتوحة، وبما تعلقه من لافتات وإعلانات أو تفتحه من مواقع وصفحات..، مما يجعل أنشطتها معروفة وتحظى بما تحظى به من اقبال وقبول حتى خارج حيز اشتغالها.

التعاون:

أما التعاون كخطوة ثانية بعد الانفتاح، فإنه بدوره أيضا يتخذ أشكالا متعددة وأبعادا مختلفة حسب الهيئات والمؤسسات والجمعيات والفاعلين المتعاونين..، وخيره وأفضله وأجداه وأنفعه ما يكون على شكل "شراكة" واضحة الأهداف والغايات والبرامج والمؤشرات، والحقوق والواجبات، بدفتر تحملات مشترك وببعد تعاوني في مجال من مجالات الاهتمامات المشتركة، ولصالح فئة من الفئات المحددة، ولعلاج إشكال من الإشكالات. لقد كان رأي الدكتور عبد الفتاح فهدي، رحمه الله، أنه يكفي العمل الجمعوي شرفا أن يأتي بالأفكار ويعد المشاريع كقوة اقتراحية، ولكن مسألة تمويلها ينبغي أن يقوم بها غيره من الفاعلين والشركاء وفق دفاتر تحملات واضحة ومنصفة بين جميع الأطراف.

وعلى هذا سارت الجمعية، فأعدت العديد من المشاريع، بدء من مشاريع ضبط وتنمية عملها الداخلي، إلى مشاريع تربوية وثقافية وتنموية، خاصة لصالح فئات الأطفال والشباب والفتيات والنساء، كان من حظهم وحظنا أن استجابت لعقد الشراكة بشأنها - مشكورة - بعض  المؤسسات والمديريات والجماعات بل وبعض الوزارات،  مما كان له بالغ الأثر والعائد التربوي والتنموي على الفئات المستهدفة، فنالت حظها من سينما تربوية، محو الأمية، دعم وتقوية، كفالة اليتيم، تربية والدية، مخيمات صيفية، مهرجانات الطفولة وملتقيات الشباب، تداريب ومنتديات ودورات تكوينية، محفل الألعاب...، وكلها من مشاريع الجمعية التي رات النور على أرض الواقع، ولكن، وجدنا صعوبة في الاستمرار في هذا المسار لأمرين اثنين أولهما: خشية أن يتحول مشروعنا من مشروع الثقافة إلى ثقافة المشرع، وثانيهما: لما حل بهذا الاختيار التشاركي عامة من اختلالات  وتعقيدات وريع و ولاءات سياسوية حرمت وتحرم العديد من الجمعيات الجادة من حقها المشروع في خدمة وتأطير المواطنين، وقلصت وتقلص واجبها في الاسهام المتاح في تنمية البلاد  وتعبئة الرأسمال الوطني وربما الدولي لخدمة العباد.

التضامن:

أما التضامن، فموجباته لا تعد ولا تحصى، أحداث محلية، وطنية، ودولية لا تنتهي، وفي كل يوم تنطق فداحتها وفظاعتها حتى الموتى، فكيف بالفاعلين الجمعويين الأحياء؟. حراكات وطنية هنا وهناك في شأن من الشؤون الاجتماعية والسياسية وغيرها، فمن يخلق بصددها رأيا عاما إذا صمت الفاعلون حتى يفعل بهم وبغيرهم وهم الفاعلون؟. قضايا الأمة والامعان في استدامة التوترات والصراعات والحروب المدمرة في مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي؟. كيف يكون المرء مسلما إذا لم يهتم بأمر إخوانه المسلمين وكل المستضعفين عبر العالم؟. ناهيك فقط، عن معاناة جمعيات المجتمع المدني ذاتها، مما قد يتعرض له بعضها من الشطط في استعمال السلطة؟، أو من حرمانها من حقها المشروع في المنح والشراكات أو فقط، في ممارسة نشاط من أنشطتها؟، ناهيك عن تطلعها وطموحها في الانتظام في نسيج من الأنسجة الوطنية أو اتحاد من الاتحادات الجمعوية الموضوعاتية، لا يرى النور لضعف وغياب التضامن بين الجمعيات،  وأحيانا حتى على إصدار بيان عام بشأن قصية تهم الجميع؟.  

وهذا ما حاولت الجمعية تفاديه والتخفيف من حدته، بحضورها في جل المبادرات التضامنية التي تستدعى إليها، أو أخذها هي نفسها المبادرة بشأن ذلك، خاصة عند أحداث جسام كالفيضان.. الزلزال.. المخيم.. الشطط..، تطرح أرضية بيان أو مشروع تضامن، ثم تعرضه للإنضاج والتوقيع والتعاون على من ترغب ومن تجرأ من الجمعيات. وهكذا نرى طبيعة العمل الجمعوي، لا يكفي أن تهتم فيه بتخصصك وخاصة نفسك فقط، بل لا بد أن تخدم هذا التخصص من جميع الواجهات المساعدة وتدخل إليه من جميع المداخل اللازمة والمتاحة، القانونية منها والتشريعية والحقوقية أيضا، قبل الواجهات التربوية والثقافية والإدارية المعتادة، فالأبواب الثانية لا تفيد إلا بالأولى، ولا خير في الأولى إذا لم تبدع الثانية وتستفيد من عطائها وتملك مفاتحها؟.

خلاصات:

هذه ليست وسائل عمل عادية، فالانفتاح والتعاون والتضامن، عند فضاء الفتح للتربية والتنمية، ليست وسائل عمل عادية وطبيعية ومنتشرة عند الجميع، بل لها عندنا فلسفة تنموية وطنية وأبعاد قيمية وأخلاقية، قد لا يستوعبها الجميع وبالطبع لا يعمل بها لا في أدنى المستويات ولا في أعلاها، وما أحوجنا اليوم إلى استيعابها والنظر في فحواها لا كفاعلين جمعويين فقط، بل أيضا كمؤسسات وطنية تتغيا الاسهام في الإصلاح والتنمية والنهوض. فلصالح من لا زال الاختيار النهضوي والنموذج التنموي للعديد من الدول العربية يتأرجح بين كل النماذج التقليدية والتبعية وغيرها مما هب ودب إلا مقاربة الاشراك الحقيقي والفعال للساكنة وممثليها الذين طالما يقيدون بوصاية المعينين؟. ولصالح من يستمر هدر الطاقات التطوعية للشعوب وهي حجر الزاوية في كل إصلاح وتنمية ونهضة، وكل الشعوب المحررة لها والراعية لها زودتها بملايين أيام العمل، وملايين إنجاز المشاريع، وأداء خدمات القرب ومساعدة الفئات الهشة والترافع عن حقوقها، وهو صلب العمل المدني في كل العالم.

 وهنا يتحدث ضجيج الأرقام مثلا عن التطوع عندنا وعندهم، فأمريكا مثلا تسجل 94 مليون متطوع سنويا بمعدل 33 % من السكان ويقومون بما يقوم به 9 ملايين موظفا؟.  وفي كندا أيضا 175.000 جمعية مدنية، يساهم فيها 22 مليون كندي من بين 34 مليون الذي هو عدد سكانها يعني ما يقارب نسبة 91%  من السكان؟. وفي بريطانيا: (350 ألف) جمعية خيرية بلغ عدد المتطوعين فيها سنوات مضت إلى 20 مليون متطوعا. وفي فرنسا فيها (600 ألف) جمعية خيرية؟. وهناك منظمة بيئية عالمية لها فروع في 26 دولة ويبلغ عدد الناشطين فيها حوالي 5 ملايين؟. ترى كم هو عدد المتطوعين من بيننا وبماذا يقومون حتى نعرقلهم، وأعتى أعتى جمعياتنا لا تكاد تجمع عشرات من المتطوعين لأعمالها الجبارة؟. جمعية نذرت نفسها للتعريف بالإسلام بين أبناء الجالية فلم تجد أكثر من 36 فردا متطوعا من متعددي اللسان، ألمثل هذا ينبغي أن نضيف التعقيد والعرقلة؟.

لا خيار إذن، ولا قرار ولا مسار..، إلا بإسهام الفعل المدني إلى جانب غيره من الاسهامات السياسية والاقتصادية والاجتماعية..، فهو المؤسس الثقافي لها والمواكب النقدي لها والمقيم الحقيقي لإنجازها وعدالتها، ولكن صلب الفعل المدني هي هذه الثلاثية الفضائية المتماسكة: "الانفتاح" لأنه يقلص التوجس ويعزز الثقة والتعاون بين الفاعلين، كل من مكانه وبإمكانه في بلد يسع الجميع ويحتاج إلى مجهود الجميع، والتعاون على الخير والعطاء كما تقتضي ذلك مصالح البلاد وقضايا العباد وهي أكبر من طاقة الأفراد والجماعات والمؤسسات حتى، بالإضافة إلى فضيلة التعاون التي يدخل فعل التضامن في صميمها، وينبغي أن يطال عطاؤه وتماسكه كل الفئات ويشمل كل المجالات، داخل وخارج أرض الوطن. وكما يقول علماء الاجتماع، فذلك هو السبيل الأمثل لتقوية الرابط الاجتماعي وتعزيز التماسك الاجتماعي (محرك النهوض) وهو السبيل الأمثل أيضا، لحصر مستوى اليأس والانحراف والاغتراب (علة كل الشرور والخيبات).

 

×
أخبار
ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط