كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

علم النفس الإيجابي و صمود المتفائلين

لقد كان التوجه لدراسة الصامدين بدلا من قصر الاهتمام علي من حطمتهم الصدمات توجها جديدا تماما في تاريخ علم النفس. و يروي ميهاي شيكسنت ميهالي أحد مؤسسي ذلك الاتجاه الجديد تلك اللحظة الكاشفة التي أنارت له الطريق الجديد خلال سنوات الحرب العالمية الثانية، و يقول " كنت طفلا حين شهدت ذلك العالم الشامخ الذي كنت مستكينا مستسلما له آخذ في التهاوي، و رأيت مندهشا كيف أن العديد ممن كنت أعرفهم ناجحين تملأهم الثقة في أنفسهم قد أصبحوا يشعرون باليأس و قلة الحيلة بعد أن أطاحت الحرب بما كانوا يستندون إليه اجتماعيا. لقد أصبحوا بعد أن فقدوا وظائفهم و أموالهم و مكانتهم الاجتماعية خرقا بالية. و لكن كانت هناك قلة احتفظت بتكاملها و عزيمتها رغم الفوضى و الاضطراب. كانوا بصفائهم و سكينتهم بمثابة المنارة التي ساعدت غيرهم علي التمسك بالأمل، و لم يكن أولئك الصامدون ممن لم يصبهم دمار الحرب، و لم يكونوا أيضا من أصحاب المكانة الاجتماعية المتميزة، أو من الأكثر تعليما أو مهارة"

ألا يذكرنا ذلك بالشبان و الفتيات و النساء و الرجال الذين تكرر خروجهم عبر سنوات إلي الشوارع يتحدون السلطة و يطالبون بالعدل الاجتماعي؟ كانوا في البداية قلة استثنائية: مقهورون كغيرهم من المصريين و لكن القهر لم يحرمهم من التماسك، و الإيمان بقدرتهم علي التغيير و من ثم كانوا بمثلبة المنارة التي تحدث عنها ميهالي و التي سرعان ما كشفت للملايين من المقهورين أن باستطاعتهم التغيير.

لقد ظلت تلك المنارة الهادية التي تحدث عنها ميهالي تبعث بأشعتها السياسية طيلة أيام الثورة إلي أن تحقق ما بدا آنذاك أنه الهدف الرئيس للثوار: فلقد غاب رأس النظام، و تعالت صيحات البهجة و الفرح، و لكن لم سرعان ما واجهتنا أزمة ما بعد الانتصار

يعرف المشتغلون منا بالعلاج النفسي نوعا من الاكتئاب أو الكرب يصيبنا بعد أن ننجز هدفا سعينا إليه بدأب: نجاح كبير في عمل أو امتحان. انتصار ساحق في مواجهة عسكرية أو فكرية إلي آخره. نبتهج في البداية ثم تخفت الأضواء و تبدأ الأسئلة تتوالي: تري و ماذا بعد؟ تري من صاحب النصيب الأكبر في الإنجاز ليتلقي الجزء الأكبر من الاعتراف و الإشادة، بل و من الغنائم أيضا؟ تري هل إنجازنا يساوي ما قدمناه من تضحيات؟ هل هو إنجاز حقيقي؟ أم أننا خدعنا؟

لقد بدأت تلك التساؤلات مبكرا حين لاحت في الأفق بوادر تراجع السلطة و بدا انهيارها وشيكا، و بدأ الصراع علي إرثها قبل أن يواريها التراب، و في هذا المناخ المضطرب ظهر بين الثوار ما يشبه أعراض الإصابة بفيروس عرفته غالبية حركات الثورة و التغيير في بلادنا و في غيرها. إنه فيروس الانقسام حول الهوية، بين تيار ظل طيلة عقود ثمانية يحلم و يسعي دون كلل لاستعادة و تجسيد حقبة تاريخية كان فيها الانتماء للعقيدة يعلو علي الانتماء للوطن؛ و تيار مقابل يري أن حدود الوطن حدود مقدسة و أنه ليس من انتماء يعلو علي الانتماء الوطني. و هكذا بدت للوهلة الأولي عودة نبرة اليأس و رفض الآخر و التشاؤم من المستقبل.

إلا أننا لو أمعنا النظر لاتضح أن ثورة الربيع العربي رغم تعثرها قد غرست في الشخصية المصرية من سمات الشخصية الإيجابية، ما يصعب محوه في المستقبل المنظور. لقد غرست –إلي جانب شيوع الاهتمام بالشأن العام- سمة الشجاعة التي تعني "عدم التردد والخوف من التهديد أو التحديات أو المصاعب، والتصرف في ضوء القناعات الشخصية، بغض النظر عما إذا كانت مألوفة أو شائعة، كما تتضمن أيضاً الشجاعة الجسمية، وإن كانت لا تقف عند حدودها".

لقد تجاوزت الشجاعة اللفظية لدينا حدود الجرأة لتصل إلي حد الاجتراء، و تجاوزت الشجاعة الجسمية حدود الدفاع لتصل إلي المبادأة بالهجوم؛ و إذا كانت استمرار ذلك يعني أن يظل الجرح مفتوحا نازفا مؤلما و لو إلي حين؛ فإن الخطر الأكبر هو المسارعة إلي محاولة إغلاقه بالقوة علي ما فيه من تلوث يهدد الحياة بالفعل.

سيظل جرحنا نازف و ألمنا مستمرا يذكرنا جميعا بفداحة ثمن الإنجاز. و يظل الأمل معقودا دوما علي ثلة من المتفائلين يمثلون منارة جديدة شبيهة بالمنارة التي أشار إليها ميهاي. منارة تتيح للجميع في الوقت المناسب المحافظة علي شجاعتهم، واهتمامهم بالشأن العام؛ و المحافظة في الوقت نفسه علي الاستمرار في الحياة مع من يختلفون معهم.

إن خاصية الصمود لا تقتصر علي المجال السياسي بل تشمل كافة نواحي الحياة، و إذا كان يصعب علينا أن نتبين هويات أولئك الصامدين في ميدان ثورة الربيع في ظل تصاعد غبار ملوث لصدام سياسي مستعر؛ فإننا نستطيع أن نلتقط من تاريخنا القريب عددا من نماذج الصمود تمكنوا في ظل ظروف التردي و الإحباط و الفساد أن يقيموا منارات ناجحة تحظى باعتراف العالم و يحيطها الناس بقلوبهم، و لنتأمل علي سبيل المثال لا الحصر الدكتور مصطفي محمود و الدكتور محمد غنيم و الدكتور مجدي يعقوب و الدكتور إسماعيل سراج الدين و الدكتور شريف مختار؛ و لنتأمل كيف أن يد التدمير التي شابت ثورة الربيع لم تطل أيا من المؤسسات التي أقامها هؤلاء بل أحاطتها قلوب و أيدي الملايين.

ألا يحتاج الأمر إلي دراسة متعمقة لأسباب الصمود و النجاح؟

[email protected]

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط