كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على حافة الانفجار: كيف يقرأ الإسرائيليون التصعيد.. وكيف يدفعون نحوه؟

ليس جديداً أن يحذر  محللون عسكريون إسرائيليون من خطر التصعيد، لكن الجديد هو الطريقة التي يُصاغ بها هذا التحذير، حيث تختلط نبرة القلق الحقيقي بقدر محسوب من التشويق الدرامي، في سياق محاولة واضحة لإعادة ترتيب المسؤوليات، بحيث تبدو إسرائيل وكأنها تقف على الهامش تراقب، لا كطرف فاعل يساهم في تشكيل مسار الأحداث.

في كثير من القراءات الإسرائيلية، يتحول الخليج إلى ما يشبه مسرحاً مفتوحاً، وتُستدعى استعارات من عالم السينما لتوصيف ما يجري، وكأننا أمام “فيلم أكشن على ضفاف هرمز”. غير أن هذه اللغة ليست بريئة، بل تعكس ذهنية ترى في الحرب حدثاً يمكن التحكم بإيقاعه، أو حتى استثماره، طالما أنه لا يرتد مباشرة على الداخل الإسرائيلي، وطالما تبقى كلفته موزعة على ساحات أخرى.

ضمن هذه السردية، يجري اختزال المشهد في شخصية واحدة هي دونالد ترامب، الذي يُقدَّم بوصفه صاحب القرار النهائي، القادر وحده على دفع المنطقة إلى الحرب أو إعادتِها إلى التهدئة. هذا الاختزال يبدو مريحاً لإسرائيل، لأنه ينقل مركز الثقل إلى واشنطن ويخفف من حضورها كطرف ضاغط، رغم أن سلوكها الفعلي يشير إلى العكس.

ففي الواقع، يكشف سلوك ترامب عن تناقض واضح بين الخطاب والممارسة؛ إذ يلوّح بتدمير إيران، لكنه يتجنب الانخراط في حرب شاملة، ويصعّد سياسياً وعسكرياً في الوقت نفسه الذي يبحث فيه عن مخرج. هذا التناقض لا يمكن فصله عن السياق الداخلي الأميركي، حيث يتزايد التعب من الحروب، ويتقدم القلق من انعكاساتها الاقتصادية، خاصة في ما يتعلق بأسعار الطاقة. وبذلك، يبدو أن ترامب يسعى إلى تحقيق إنجاز سياسي دون الانجرار إلى كلفة الحرب، وهي معادلة هشة بطبيعتها، لأنها تدفع الطرف المقابل إلى اختبار حدودها باستمرار.

في المقابل، لا تبدو إيران بعيدة عن هذا المنطق، إذ تمارس شكلاً من التصعيد المحسوب الذي يقترب من حافة المواجهة دون أن يتجاوزها. فالضربات التي تستهدف مصالح نفطية أو ممرات بحرية لا تُقصد بها بالضرورة إشعال حرب شاملة، بقدر ما تهدف إلى تثبيت معادلة ردع وإيصال رسائل دقيقة حول القدرة على الإيذاء. ومع ذلك، فإن هذا النوع من “التوازن الحرج” يظل محفوفاً بالمخاطر، لأن تراكم الخطوات المحسوبة قد يؤدي في لحظة ما إلى فقدان السيطرة.

في هذا السياق تحديداً، تبدو إسرائيل كـ“حاضر غائب” في الخطاب، لكنها في الواقع فاعل أساسي في الدفع نحو توسيع دائرة التوتر. فبنيامين نتنياهو لا يكتفي بدعم خيار المواجهة مع إيران، بل يعمل بالتوازي على إبقاء الجبهات المحيطة في حالة اشتعال منخفض الوتيرة، سواء في لبنان أو في قطاع غزة.

في لبنان، لا يمكن اعتبار وقف إطلاق النار قائماً بالمعنى الفعلي، إذ تستمر الضربات ضمن حدود مرسومة بعناية، تُبقي التصعيد تحت السيطرة دون إنهائه. هذه الحالة لا تعكس استقراراً بقدر ما تعبّر عن إدارة مستمرة للتوتر، حيث يبقى احتمال الانزلاق إلى مواجهة أوسع قائماً في أي لحظة، خاصة في ظل هشاشة قواعد الاشتباك.

وبين هاتين الجبهتين، لا تبدو حدود التصعيد مرسومة فقط باعتبارات ميدانية، بل أيضاً بسقف سياسي أوسع تفرضه واشنطن. فالإيقاع الذي تتحرك ضمنه العمليات، في لبنان كما في غزة، لا ينفصل عن حسابات الإدارة الأميركية، التي تحاول ضبط مستوى الاشتباك ومنع انزلاقه إلى مواجهة إقليمية شاملة. بذلك، لا يعود السؤال مرتبطاً فقط بما تريده إسرائيل أو ما ترد به القوى الأخرى، بل بمدى استعداد دونالد ترامب للسماح بتجاوز هذه الحدود، أو إعادة رسمها وفقاً لمصالحه وتوازناته الداخلية.

أما في غزة، فتتخذ الأمور طابعاً أكثر وضوحاً، حيث تتراكم المؤشرات على وجود تحضير لمرحلة تصعيد جديدة، من خلال تصعيد الخطاب السياسي والعسكري، وإعادة طرح أهداف لم تُحسم في الجولات السابقة. وفي هذا الإطار، لا تبدو غزة مجرد ساحة مواجهة منفصلة، بل جزءاً من منظومة ضغط أوسع تُستخدم ضمن الحسابات الإقليمية، وهو ما ينطبق أيضاً على الجبهة اللبنانية.

بهذا المعنى، لا تكتفي إسرائيل بمتابعة التصعيد، بل تساهم في تشكيل بيئته، من خلال الإبقاء على حالة توتر دائمة تسمح لها بالمناورة، وتُبقي خيارات المواجهة مفتوحة دون تحمل كلفة الانفجار الشامل.
ورغم كل هذا التصعيد، لا يغيب مسار آخر أقل حضوراً في الإعلام، يتمثل في استمرار قنوات التفاوض غير المباشر، ما يكشف أن المنطقة لا تتجه بالضرورة نحو حرب حتمية، بل تعيش حالة من المساومة المستمرة تحت ضغط النار. فإيران تربط أي تقدم برفع الحصار، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى انتزاع تنازلات في الملف النووي، في حين يستخدم كل طرف أدوات التصعيد لتحسين شروطه التفاوضية.

غير أن هذا التداخل بين التفاوض والتصعيد يخلق وضعاً بالغ الهشاشة، حيث يصبح الاستقرار مرهوناً بقدرة جميع الأطراف على ضبط الإيقاع بدقة، وهو أمر لا يمكن ضمانه في ظل تعدد الجبهات وتداخل المصالح.
في ضوء ذلك، لا يكمن الخطر في نية واضحة لشن حرب شاملة، بل في طبيعة المرحلة نفسها، حيث تتقاطع حسابات متناقضة: إدارة أميركية تبحث عن إنجاز دون كلفة، وإيران تمارس سياسة حافة الهاوية، وإسرائيل تدفع نحو توسيع دائرة الاشتباك دون أن تكون ساحته المباشرة.

وفي مثل هذه البيئة، لا تحتاج الحروب إلى قرارات كبرى بقدر ما تحتاج إلى خطأ صغير. عندها، لن تبقى المواجهة محصورة في الخليج، ولن تظل الجبهات منفصلة، بل قد تتحول المنطقة بأكملها إلى ساحة مفتوحة يصعب احتواؤها أو التنبؤ بمآلاتها.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط