كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على خطى إيدن ونيكسون.. ترامب على الحافة

على خطى إيدن ونيكسون.. ترامب على الحافة

تاريخ النشر: 2026-04-24 | 15:22

ولا تزال «نظرية الرجل المجنون» تطارد دونالد ترامب في الإعلام الأمريكي، حيث جرى استدعاؤها مؤخراً ومعها فشل صاحبها ومبدعها الرئيس الأسبق ريتشارد نيكسون، للتحذير من أن تتحول إيران إلى فيتنام جديدة، تجر معها الولايات المتحدة إلى فخ تنزلق فيه ولا تستطيع الخروج منه إلا بعد سنوات طويلة من الاستنزاف.


أما إعلامنا العربي، فقد استدعى بدوره أزمة السويس الشهيرة سنة 1956، وراح يبشر بأن يحدث لأمريكا اليوم ما جرى وقتها لبريطانيا الإمبراطورية، التي لم تكن تغيب عنها الشمس، عندما قرر رئيس وزرائها أنتوني إيدن التحالف مع إسرائيل وفرنسا وشن العدوان الثلاثي الفاشل على مصر، ليخرج منه مهزوماً «مكسور الوجدان»، اقتباساً من شاعرنا العربي الكبير نزار قباني، كما قال في رائعته «قارئة الفنجان» التي غناها عبدالحليم حافظ سنة 1976.

وما بين إيدن ونيكسون، يتأرجح مصير ترامب في هذه المعركة الممتدة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي لا تزال قادرة -برغم ما تعرضت له في «حرب رمضان 2026»- على مراوغة أقوى دولة في العالم، تلك التي احتشدت بكامل عتادها العسكري في محيط الخليج العربي بقوة لم تظهر في المنطقة منذ الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، وفرضت طوقاً عسكرياً خانقاً حول الجغرافيا الإيرانية براً وبحراً وجواً، محاولة فرض شروطها على ما تبقى من مراكز القرار في طهران.


غير أن جوهر الأزمة لا يكمن في ميزان القوة العسكرية وحده، بل في كيفية توظيف هذه القوة سياسياً. فالحروب الحديثة لم تعد تُقاس فقط بعدد الصواريخ أو حجم الحشود العسكرية، بل بقدرة القيادة السياسية على تحويل التفوق العسكري إلى تسوية قابلة للاستمرار. وهنا تحديداً يظهر مأزق «صورة المنتصر»، التي تحولت في الحالة الأمريكية من هدف سياسي إلى عبء استراتيجي يقيّد حركة القرار ويحد من مرونته.


فمنذ اندلاع المواجهة مع إيران، سعت الإدارة الأمريكية إلى تقديم عملياتها العسكرية باعتبارها نجاحاً حاسماً يمهد الطريق لفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض. غير أن الواقع الميداني سرعان ما كشف أن الضربة العسكرية، مهما بلغت قوتها، لم تحقق الهدف السياسي الكامل، وهو إخضاع الخصم وإجباره على القبول بشروط ما بعد الحرب. وعلى العكس، أظهرت إيران قدرة واضحة على امتصاص الصدمة الأولى، ثم الانتقال إلى مرحلة المراوغة الاستراتيجية، مستفيدة من اتساع جغرافيتها، وتشابك ساحات الاشتباك، وتعقيد البيئة الإقليمية المحيطة بها.


وفى ظل هذا التعقيد، تحولت المفاوضات من مسار موازٍ للحرب إلى ساحة صراع قائمة بذاتها. فقد شهدت الأشهر الماضية جولات تفاوضية متعددة بدأت قبل الحرب في جنيف، ثم انتقلت بعدها إلى إسلام آباد، في محاولة لإيجاد مخرج سياسي يوازن بين منطق القوة ومنطق التسوية. غير أن تعليق الجولة الثانية من مفاوضات إسلام آباد، تحت وطأة التصعيد المتبادل، كشف عن عمق الخلافات، وأظهر أن ما يُطرح على الطاولة لم يعد مجرد ترتيبات تقنية تخص الملف النووي أو القيود العسكرية، بل ترتيبات سياسية تعيد رسم شكل العلاقة بين الطرفين لسنوات طويلة مقبلة.


وفى قلب هذه المعادلة، برز الحصار البحري باعتباره الأداة الأكثر حساسية فى الاستراتيجية الأمريكية. ففرض السيطرة على الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها مضيق هرمز، لم يكن مجرد خطوة عسكرية، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن واشنطن قادرة على خنق الاقتصاد الإيراني متى شاءت. غير أن هذه الرسالة حملت في طياتها مخاطر مضاعفة، لأن استمرار الحصار دون أفق سياسى واضح يجعل أي هدنة مؤقتة مجرد استراحة قصيرة قبل جولة تصعيد جديدة.


ولهذا لم يكن إعلان وقف إطلاق النار الأخير بلا سقف زمنى محدد خطوة عادية، بل كان مؤشراً على حالة تردد استراتيجية داخل واشنطن. فالهدنة المفتوحة تمنح الإدارة الأمريكية فرصة لإعادة ترتيب أوراقها، وتعويض ما استُنزف من مخزونها العسكري، لكنها في الوقت نفسه تعكس إدراكاً ضمنياً بأن العودة إلى الحرب الشاملة ليست خياراً سهلاً، وأن كلفتها قد تتجاوز حدود المكاسب المتوقعة.


وتزداد هذه المعادلة تعقيداً مع دخول العامل الاقتصادي بقوة في حسابات القرار. فكل تصعيد فى محيط مضيق هرمز كان ينعكس مباشرة على أسعار النفط، وكل تهديد بإغلاق الممرات البحرية كان يثير اضطرابات فى الأسواق العالمية. ومن هنا بدا واضحاً أن تهدئة الأسواق أصبحت هدفاً لا يقل أهمية عن إدارة العمليات العسكرية، وأن الخطاب السياسى الأمريكى بات يتحرك بين حدين متناقضين: لغة تصعيد تحافظ على صورة الردع، ورسائل تهدئة تحاول احتواء مخاوف الاقتصاد.


أما إيران، فقد أظهرت -رغم الخسائر الكبيرة التى لحقت بقياداتها ومؤسساتها- قدرة لافتة على إعادة تنظيم صفوفها بسرعة، مستندة إلى بنية مؤسسية متعددة المستويات تسمح بملء الفراغ القيادى دون انهيار شامل. وهذه الحقيقة تجعل الرهان على تفكك الداخل الإيراني رهاناً محفوفاً بالمخاطر، بل وربما خطأً استراتيجياً يعيد إنتاج أخطاء تاريخية سابقة، حين ظنت قوى كبرى أن الضغط العسكرى وحده كفيل بإسقاط خصومها.


إن السؤال الحقيقي الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق فقط بمستقبل هذه الحرب، بل بمستقبل القيادة الأمريكية نفسها في اختبار تاريخي مفتوح. فالتاريخ يعلمنا أن الانتصارات العسكرية، إذا لم تُترجم إلى تسويات سياسية واقعية، تتحول مع مرور الوقت إلى أعباء ثقيلة تستنزف القوة وتُضعف المكانة الدولية.


وبينما تتسارع الأحداث في الخليج، تبقى المفاوضات معلقة بين التهديد والوعود، ويظل السؤال مفتوحاً على احتمالات متعددة: هل يتعلم ترامب من دروس إيدن ونيكسون، أم يكرر أخطاءهما في لحظة تاريخية لم تعد تحتمل المغامرة؟

×
أخبار
انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط