كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على نفسها جنت فرنسا

على نفسها جنت فرنسا

تاريخ النشر: 2023-07-06 | 12:52

لم تكن أصول نائل الدافع الأكبر الذي حرك الشارع في فرنسا بقدر ما كانت حالة الشعور بالنقص والعنصرية والاقصاء وازدواجية المعايير في تطبيق القانون هي المحرك الرئيسي في أحداث فرنسا الأخيرة، والتي شهدت أحداث عنف تعطي في تفاصيلها أبعاد المشكلة الاجتماعية التي تعانيها فرنسا والتي امتزجت بشيئ من ملف الذاكرة عندما تعلق الأمر بوفاة شاب من أصول جزائرية. 

لا تعني عودة الحالة الأمنية الى الاستقرار و النجاح في ضبط الأمور وتوقف أعمال الشغب والسرقة التي تخللت الاحتجاجات، وتقديم المتسبب في القتل الشاب نائل الى المحكمة أن فرنسا تعاملت مع القضية كما يجب و فازت بالمعركة ضد المخربين والخارجين عن القانون، ذلك لأن المعالجة الأمنية لا تعني شيئا في غياب المعالجة الاجتماعية لمشاكل تجاهلها ساركوزي ومن وراءه هولاند ويكررها ماكرون اليوم، في جمهورية  يعيش فيها الجيل الجديد أضعاف  ما عاشه آباءهم المهاجرون من عنصرية وتهميش، ويتنامى فيها الشعور بالحقد والكراهية الذي يغديه ارث فرنسا الاستعمارية ، دون أن يتم محاسبة الذين يتسببون فعليا في اثارة هذه المشاعر ويروجون لفكرة أن كل ما هو آت من افريقيا هو سبب مصائب فرنسا . 

" الضجيج والرائحة " كانت إحدى العبارات التي ستبقى خالدة في سيرة الرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، في خطابه الذي القاه أمام حشد من أنصار حزبه " الاتحاد من أجل حركة شعبية " والذي كان طرحا جريئا حين استعرض فيه ضرورة مراجعة سياسة الهجرة خاصة وأن الفرنسيين أصبحوا يتحسسون من أن سياسة التضامن الوطني تصب في مصلحة المهاجرين قبل أن تصب في مصلحة السكان الأصليين، في ذلك الوقت فتح شيراك الباب لمناقشة أحد الملفات الأكثر حساسية، واعتبر أنه من غير المنطقي أن تستفيد الأسر المهاجرة من أصول مغاربية وافريقية من دعم صندوق البطالة ومن امتيازات اجتماعية أخرى من غير أن يكونوا مجبرين على الوفاء بالتزامات يقوم بها فرنسيو الأصل وهو ما يستدعي فتح نقاش أخلاقي حول ضرورة مراجعة مسائل مهمة في قانون الهجرة، وبعبارة ساخرة قال شيراك  اذا أضفنا " الضجيج والرائحة " فان العامل الفرنسي سيصاب بالجنون وهي عبارة على الرغم من ايحاءاتها العنصرية فقد قوبلت بترحيب واسع من قبل الفرنسيين وقد كان ذلك الخطاب الذي قدم فيه شيراك الخطوط العريضة لسياسه حزبه تجاه مسألة الهجرة أحد أقوى الخطابات التي رفعت من شعبيته واختصرت له الطريق للوصول الى قصر الإليزيه، ولكن كعادة السياسيين استعمل شيراك ذلك الملف للمراوغة السياسية ولمنافسة خصومه دون أن يتم بالفعل معالجة المشكلة التي خلقتها عندما كان رئيسا للوزراء  وعندما أسست حكومته آنذاك لقانون لم شمل الأسرة والذي يسمح للمهاجرين الموجودين بالفعل بشكل قانوني في الأراضي الفرنسية لجلب عائلاتهم، لقد اختار شيراك الحرص على مصالح فرنسا الخارجية وعلاقاتها الديبلوماسية مع دول الافريقية التي يأتي منها هؤلاء المهاجرون وأرجأ مسألة معالجة مشكلة عميقة أثارها في المجتمع الفرنسي الى وقت لاحق لكن هذا لم يمنع المشكلة من أن تتطور وتنتقل من جيل الى جيل ومن حكومة الى أخرى . 

لطالما وظفت قضية الهجرة في فرنسا توظيفا سياسيا خالصا، ولطالما أحدثت الأصوات الانتخابية للمهاجرين الفارق في نتائج الانتخابات الفرنسية، لقد ذهب التوظيف السياسي بعيدا عندما أصبح ملف الهجرة والمهاجرين أحد القواعد الرئيسية التي يبني بها اليمين المتطرف شعبيته ويستعرض من خلاله أفكارا وتوجهات سياسية تنادي بطرد المهاجرين وتنادي بمراجعة مبادئ الجمهورية التي كرست للظلم الاجتماعي وهي أفكار يغديها الاعلام الفرنسي المحسوب على التيار المتطرف بالمزيد من التعبئة النفسية ضد المهاجرين، وبما أن السياسيين في الغالب مدركون لمدى الأثر الاجتماعي الذي يخلفه عبتهم بملف الهجرة وخطورة " الأمراض الاجتماعية "  التي يعانيها المجتمع الفرنسي " نتيجة هذا التوظيف السياسي فانه لا مجال لإنكار جزء من مسؤوليتهم في ما يحدث بشكل أو بآخر . 

ورغم حل الكثير من المجموعات اليمينية المتطرفة التي تنادي بخطاب راديكالي وعنصري ضد المتطرفين بموجب قانون الأمن الداخلي الا أن ذلك لا يعد سوى در الرماد على العيون فالمشكلة الأساسية تكمن في غياب حوار حقيقي وشفاف يعالج ملف الهجرة والمهاجرين ويراجع مسألة أخرى في غاية الأهمية وهي مشكلة الذاكرة التي تحمل في طياتها جراحا عميقة لم تعالج، توارثنها أجيال المهاجرين من فرنسا الاستعمارية الى فرنسا الحديثة وتعاملت معها الحكومات المتعاقبة بسياسة الصمت والالتفاف وسياسة الهروب الى الأمام، والى أن يتم وضع النقاط على الحروف فمن غير المستبعد أن تتكرر الأحداث العنيفة في كل مرة يتعرض فيها أبناء المهاجرين الى ظلم اجتماعي كان ولايزال في الأصل سياسيا بأبعاد تاريخية .  

×
أخبار
الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة " الاتحاد الأوروبي يدرج 1650 كياناً وفرداً روسياً جديداً ضمن قوائم العقوبات

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط