كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على هامش الجنون الأمريكي المتدحرج

على هامش الجنون الأمريكي المتدحرج

تاريخ النشر: 2026-04-20 | 11:25

ليس الغرور مجرد خطيئة أخلاقية،بل هو عمى بصيري يجعل الأمم ترى في جزئيتها حقيقة مطلقة،وفي نسبيتها يقينا أبديا.وهذا تحديدا ما آل إليه حال أقوى دولة في التاريخ الحديث،حين ظنت أنها امتلكت مفتاح الحقيقة،فلم تعد ترى حاجة إلى مراجعة أو تجديد،وغابت عنها الحقيقة الكبرى: أن ما تملكه ليس أكثر من شظية صغيرة في مرآة المعرفة الكونية.

في بداية الستينيات،كانت الولايات المتحدة تمثل أقوى دولة في العالم والتاريخ،رمزا ديناميكيا للحرية والديمقراطية.لكنها اليوم صارت تتلقى الصفعات من كل جانب،وتحولت في عيون الملايين إلى رمز للإمبريالية والاستعمار الجديد. وهذا التحول لم يحدث فراغا،بل نتج عن أزمة أخلاقية عميقة اخترقت الضمير الأمريكي العام.

لقد أصيب جونسون بجنون العظمة،واقتنع بأنه أقوى رجل في العالم،وأن الدولار سيد الأحكام في فيتنام.وكانت ووترغيت عنوانا كبيرا للانحطاط، وكشف أن أكبر مدلس في تاريخ الرئاسة الأمريكية كان يجلس في المكتب البيضاوي نفسه.

إن التطرف والإرهاب لا ينبعان من دين معين،بل من ظروف التخلف والجهل،وسيادة الأنظمة القمعية والقيم المغلقة.إن فكرة استبدال شعب بشعب،وثقافة بثقافة عبر الاجتياح المسلح،هي ذات الفكرة التي قامت عليها المشروع الصهيوني: شعب مختار،وعرق متفوق،وأرض موعودة، وضحايا ملعونون.والاعتقاد بأن هناك قدرا خاصا بأمريكا،وأن الأمريكيين هم الإسرائيليون الجدد، يضرب بجذوره في عمق الذاكرة الأمريكية.هذا الاعتقاد يتجلى في كل خطابات التدشين التي يلقيها الرؤساء: أن الله اختار الأمة الأنكلوساكسونية المتفوقة وأعطاها دور المخلّص، الذي يعني حق تقرير الحياة والموت لسكان المجاهل.

ينبغي القول إن الشعب الأمريكي،بموسيقييه وكتّابه وممثليه ورياضييه،ليس موضع الكراهية. جميعنا تأثرنا بشجاعة عمال المطافئ ورجال الإنقاذ في أيام مانهاتن.لكن المؤسف أن أمريكا استخدمت الحدث كفرصة لاغتصاب الحق،لا كفرصة لفهم جذور المأساة،ومارست وحدها الحداد والانتقام.

ها نحن في لب المسألة: التمييز بين الحضارة والوحشية،بين ذبح الأبرياء وصدام الحضارات.كم نحتاج من الموتى العراقيين قبل أن يصبح العالم مكاناً أفضل؟ كم من القتلى الأطفال والنساء الفلسطينيين مقابل كل قتيل إسرائيلي؟ كم من القتلى المجاهدين مقابل استثمار مصرفي نهم؟

الناس يرون استقلالهم مُصادرا،وثرواتهم وأرضهم وأبناءهم مسلوبة،وأصابع الاتهام تتجه إلى الشمال: إلى المواطن الكبرى للنهب والامتياز.ولا مناص من أن الترهيب يستولد الترهيب.

الفقر،الأوبئة العابرة للقارات،التلوث،الإرهاب، الجريمة المنظمة-كلها تهديدات أفرزتها سياسة أمريكية منفلتة من العقال أوصلت العالم إلى شفير الهاوية.والإمبريالية اليوم تعيد تأهيل نفسها، والقوات الأمريكية تعمل من قواعد في خمسين بلدا.!

هل تعلم مدى صبر المقهورين؟! لا أنتظر جوابا.

وهل كانت الحرب في أفغانستان والعراق من أجل الحرية والحضارة والديمقراطية؟ أم أن الانسحاب كان التفافا على حقيقة مؤلمة قالها الزعيم الراحل جمال عبد الناصر: ما اغتصب بالقوة لا يسترد إلا بالقوة.

سنوات مؤلمة من الجثث والقتلى والمبتورين والمشوهين،سنوات من التدمير الجهنمي من كابول إلى بغداد،حيث لا شيء يُذكر قد أعيد بناؤه.كل هذا حصل من رئيس دموي غادر البيت الأبيض دون اعتذار،تاركا إرثا دمويا لا يُنسى.

الحرب على أفغانستان لم تحل مشكلة الإرهاب، ولم تغير مواقف الغاضبين من تحالف أمريكا مع الاستبداد والاحتلال، بل أضافت بنوداً جديدة إلى لائحة المظالم. الحرب المعلنة على الأشباح لم تصب إلا الأبرياء.

تخريب الخراب الأفغاني هو ضرب من العبثية الدموية.فليس في وسع الطائرات الحربية أن تدفع الأشباح إلى الاستسلام،ومهما ازدادت "علب البسكويت" التي ألقتها الطائرات على القتلى،فإنها لم تضف على القتل طابعا إنسانيا.فالموتى لا يأكلون البسكويت.!

أمريكا والغرب خاضا ثماني حروب في دول عربية وإسلامية على مدى خمسة عشر عاما،ربحوها جميعا لكنها كلفتهم أكثر من خمسة آلاف مليار دولار،وسبعة آلاف من جنودهم،وسمعتهم كدولة غازية معتدية.والانهيار الاقتصادي الذي تعيشه الولايات المتحدة ليس إلا نتيجة لهذه الانتصارات الزائفة.

جميع الحروب بدأت بذرائع إنسانية،وتطورت إلى احتلالات وتغيير أنظمة.العراق وليبيا وأفغانستان أمثلة،وطهران لن تكون استثناء.

الشعوب العربية وحدها تستطيع أن تتحدث عن أمل ممكن أن ينبثق من دفقات الدم ووضوح الموت.المواجهة عندهم تعني الفعل الذي لا يقف عند حدود الكلام،بل هي فعل وجود يصرخ بأن الاستعمار غير مقبول،وبأن الحرية والسيادة مبدآن لا يمكن التخلي عنهما.ولن تتم محاربة الإرهاب بقفل الحدود أو بناء الجدران أو محاربة معتنقي أديان بعينها،بل بدعم التنمية والديمقراطية في كل العالم،ومحاربة الفساد،ورفع اليد عن الأنظمة المتسلطة.ولن تتم أيضا محاربة التطرف إلا بجهد ديمقراطي عالمي وتعاون دولي لإطفاء بؤر الفقر والأزمات والحروب،وتثبيت قيم الكرامة الإنسانية، والتخلي عن خطاب الكراهية-أيا كان مصدره.

أما نحن سنظل نسعى لعلاقات صداقة وتعاون مع الولايات المتحدة،ليس من موقع التابع الخانع ولا العدو المراوغ،بل من موقع الندية والكرامة الإنسانية والمصالح المشتركة.فقيم الحرية والديمقراطية،إن انتكست راياتها في البلاد العربية أو بلادكم بفعل حماقات الحكام،فإنها ستنتصر في النهاية بفضل حكمة الشعوب.

أما جائزة نوبل التي تحلمون بها،فهي مجرد أضغاث أحلام.فنوبل العظيمة لا تهدى لتجار الموت.

وما اغتصب بالقوة لا يسترد إلا بالقوة،وما بني على غرور ينهدم بيد التاريخ.

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط