كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على هامش المشهد الإعلامي التونسي

على هامش المشهد الإعلامي التونسي

تاريخ النشر: 2026-02-04 | 16:12

الإعلام التونسِي ما بعد الثورة: بين وهج الحرية.. وعقد المَاضي

-حملة الأقلام-في مجملهم-هم ضمائر مجتمعاتهم و بمثابة الناطقين الرسميين الصادعين بالحق..

قد لا أجانب الصواب إذا قلت إنّ الشرط الأساسي للعملية الديمقراطية يقتضي وجوبا استثمار الواقع الجديد الذي أنتجته الثورة التونسية المجيدة في الرابع عشر من جانفي2011،ومن ثم الشروع في بناء مقومات الدولة الديمقراطية وتوفير شروط الإرادة السياسية،بما يجعلنا نقطع مع الماضي ونؤسّس لتطوير مبادئ ثورتنا بدون السقوط في اختلالات التطبيق.

ولعلّ ما دفعني لإثارة هذا الموضوع هو ما في المشهد الإعلامي التونسي من تجاذبات عنيفة بين العديد من الصحافيين ووسائل الإعلام والحكومة، صبغت المنتوج الإعلامي بصبغة سلبية،وأثرت سلبا على مردود الرسالة الإعلامية.

كلنا يعرف جسامة المسؤولية المناطة بعاتق الصحافي،باعتباره مؤتمنا على نقل الأحداث والوقائع وتقديم مادة إعلامية تنير الرأي العام وترقى إلى مستوى المسؤولية الضميرية،بدون زيادة ولا نقصان،تكريسا لنهج الشفافية والوضوح الذي جاءت به ثورة الكرامة المجيدة.وكلنا يعرف كذلك أنّ سقف الحريات بعد ثورة الرابع عشر من جانفي لا يزال دون استحقاقات الثورة. فالصحافي يلهث بدون كلل أو ملل خلف الخبر اليقين،متحديا جدار التابوهات والممنوعات الذي شيّد صرحه"البوليس الإعلامي"عبر عقدين ونيف من الزمن الجائر،واجتثته من أسسه الهشّة ثورة الكرامة.

هذا الصحافي كما أسلفت،يؤسس لنهج إعلامي جديد يقطع مع الإسفاف والرداءة وينأى عن كل أشكال المحاباة والمجاملة.

هذا النهج هو الحرية الإعلامية لرجال الإعلام وهو (نهج الحرية) الذي سيفضي حتما إلى مرحلة من الاستقرار السياسي،ويضع الأسس الصلبة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية والتنمية العادلة.

ومن هنا فإننا مطالبون جميعا بالانخراط في المشهد الديمقراطي تناغما مع إيقاع الثورة التونسية الذي أطرب سكان المعمورة من فنزويلا إلى طنجة بدون الوقوع في مطب الإسفاف،ذلك أننا في طور بناء صرح ديمقراطي متين يستدعي منا التأسيس للتعددية الفكرية وحرية التعبير بمنأى عن مقص الرقابة وأسلوب تكميم الأفواه.

هذا المشهد الديمقراطي الذي نرومه جميعا،نفيا لعهد الفساد والاستبداد،يستوجب تقبّل الرأي والرأي الآخر،خاصة النقد البناء،باعتباره (النقد الوجيه) ظاهرة صحية في مجتمع تتبلور آفاقه ويصبو إلى أن يكون قي مصاف الشعوب المتحضرة،منتجا وخلاّقا.وبما أنّ الصحافي عنصر فاعل في العملية الديمقراطية،فإنّ واجب حمايته وتسهيل مهمته من الضروريات،حتى يتعافى الجسم الصحافي من كل الأمراض والآفات التي نخرته طويلا زمن الفساد والاستبداد.

لكن إن كانت الثورة التونسية قد أحدثت"ثورة فعلية"على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي،فإنّ المؤسسات الإعلامية حافظت على مضمون إعلامي يمكن القول بأنّه مازال بعيدا عن الموضوعية والمهنية،في وقت تحتاج فيه تونس إلى إعلام صادق يراعي إرهاصات الثورة وارتداداتها،في ظل مرحلة انتقال سياسي،ووسط تجاذبات بين الفرقاء السياسيين.فغياب الشفافية والحيادية وظهور الاصطفاف العلني والمفضوح، بمعنى غياب المقاربات المهنية التي تنضبط تحت لواء قواعد ممارسة المهنة الصحافية،كلها عوامل ساعدت على إخراج المهمة الإعلامية عن سياقها ودورها الرئيسي.

ومن بين العوامل التي زادت من حالة الغموض والإرباك،ما يعانيه المشهد الإعلامي بشكل عام من تسيب واختلاط في الأوراق،وعودة للأساليب القديمة،في ثلب الأعراض وهتك أخلاقيات المهنة بعيدا عن أي هيئة حيادية يمكنها أن تتدخل بقوة القانون لوضع حد لتشوه كهذا تتعرض له المهنة الصحافية في مرحلة ما بعد الثورة.

وبقطع النظر عن كل هذا الجدل،يبدو مؤكدا أن الإعلام التونسي يعيش حركية جديدة مختلفة عن-صمت المقابر-الذي كان يُهيمن على البلاد في عهد الرئيس المخلوع/الراحل.لكن مع أهمية هذا السقف العالي لحرية التعبير،إلا أن ذلك لا يعني أن الجسم الإعلامي خال من الأمراض والعوائق،التي لا تزال تفعل فعلها للحد من إمكانية تطوره في أجواء صحية.وعلى هذا الأساس بات لزاما على الإعلاميين ممارسة نقدهم الذاتي،والعمل على تخليص مهنتهم من العاهات القاتلة للصحافة.

وهنا أؤكّد على ضرورة تطبيق المبادئ،التي قامت عليها الثورة في تونس بمعنى التعجيل بالمحاسبة،لاسيما أنّ كل الحكومات المتعاقبة بعد هروب المخلوع،وحتى الشرعية منها-في تقديري- تبدو شريكة في ما يحصل اليوم بعد الثورة على مستوى الإعلام بعيدا عن قراءة النوايا،لأن هناك نظرة مكيافيلية للإعلام بنوايا ثورية،علما بأنّ المال السياسي يتمترس دوما خلال الثورات وراء وسائل الإعلام.فاليوم تقوم رؤوس الأموال الفاسدة،من أجل الدفاع عن نفسها من أي محاسبة،بضخ الأموال سواء ببعث صحف وقنوات تلفزيونية وإذاعية،أو بمحاولة شراء بعض الضمائر وتوظيفها لصالح أهدافها الضيقة ونواياها السيئة.ولذلك ولبلوغ مرحلة اللاعودة مع ممارسات التضييق وكل أشكال الوصاية على الإعلام ولتحقيق إصلاح شامل وجذري للمنظومة الإعلامية لتتماشى ومتطلبات الثورة وطموحات المواطن،يجب اتخاذ جملة من الاجراءات والخطوات الفعالة،لعل من أهمها إدخال تعديلات على المنظومة التشريعية الإعلامية،بما يتماشى مع المعايير الدولية،وتشكيل مجالس إدارية مستقلة بكل المؤسسات الإعلامية باعتبارها الضامن لقيادة عملية الإصلاح،بدون تدخل الحكومة،بالإضافة إلى توفير ضمانات قانونية تحمي الصحافيين والمؤسسات الإعلامية عموما من الجانب الزجري،وبالتالي إعادة بناء العلاقة بين الإعلام ومختلف السلط وفتح حوار واسع بين أهل المهنة والقطاعات الاخرى.كما لا ننسى ضرورة الاستفادة من خبرات الكوادر الإعلامية والأكاديمية،التي يمكن أن تساهم في انضاج الرؤى واستراتيجيات الإعلام في تونس،وبالتالي بناء مجتمع ديمقراطي مدني منفتح،من أجل محاسبة السلطة وضمان القطع مع الاستبداد مهما كانت طبيعته.

 إنّ الإعلام التونسي في مختلف أجهزته وآلياته مدعوّ إلى التوسّل بأدوات حرفية عالية،وإلى الإنخراط العميق في المشهد الثوري الذي تعيشه بلادنا على إيقاع ثورة الكرامة،التي انبلج صبحها في 2011،لما له من دور مهم في تفعيل المشهد الديمقراطي والارتقاء به إلى مستوى أفضل،من خلال معالجته لجملة من القضايا والمسائل ذات الارتباط الحميم بهموم المواطن التونسي وشواغله بمنأى عن الرداءة والإسفاف والمزايدات،التي يراد بها إقصاء الآخر وتهميشه،على غرار ما يحصل-بين الحين والآخر-من تراشق بالاتهامات بين عدد من الإعلاميين،بدون إيلاء الميثاق الأخلاقي لمهنة الصحافة أدنى اهتمام.

وهنا أختم: ستظل الرسالة الإعلامية في تجلياتها الخلاقة من الأهمية بمكان من حيث كونها ترمي إلى مؤازرة الجهود التي يبذلها الشعب التونسي في سبيل تجاوز ترسبات"سنوات الجمر"،ومن ثم الارتقاء بطموحاته نحو الأفضل،إيمانا منا-جميعا- بأنّ البناء الديمقــــراطي في تونس التحرير يستوجب توفير جملة من الشروط والضمانات،لعلّ من أهمها الشفافية والوضوح والنزاهة في الخطاب الإعلامي، بما من شأنه أن يقطع مع النمطية و"إعلام الزعيم"علنا ننجح في إفراز إعلام الرأي العام،الذي طالما كان حلما يراودنا على امتداد نحو ستة عقود.

و يبقى التحدي الأكبر يتمثل في تحويل هذه الحرية الجديدة إلى مسؤولية مؤسسية.فالإعلام الحر ليس غاية في ذاته،بل هو أداة حيوية لبناء العقد الاجتماعي الجديد.وهذا يتطلب أكثر من مجرد رفع الرقابة،إذ يجب بناء نموذج إعلامي قائم على التنافسية المهنية الشريفة،والتمويل الشفاف،والانضباط الأخلاقي الذاتي،بحيث يتحول من ساحة للصراعات الشخصية والمصالح الضيقة إلى فضاء للحوار العمومي الرصين الذي يثري المسار الديمقراطي ويحمي مكتسبات الثورة من الانحراف.

 

 

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط