كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على هامش تفجير موكب رئيس الحكومة

على هامش تفجير موكب رئيس الحكومة

تاريخ النشر: 2018-03-20 | 12:51

أوحت جريمة تفجير موكب رئيس الحكومة، للوهلة الأولى، بأن الجهود التي تبذل لإنجاح الجولة الجديدة من جولات المصالحة تبخرت، وأن الأمور ستعود إلى نقطة الصفر، أي إلى ما قبل الرعاية المصرية.

وأذكى هذا التوقع العديد من التصريحات التوتيرية التي جرى فيها تبادل الاتهامات، لدرجة صَوَّرَ مطلقيها أن اتهاماتهم صحيحة، والإنذار بأن الأمور بعد هذه العملية الإجرامية لن تعود بعدها إلى ما كانت عليه قبلها، ما يوحي بأن قرارات غير عادية يمكن اتخاذها وسط ادعاءات متبادلة بأن منفذي العملية في روايتين متضادتين كليًا: الأولى، أن المنفذين ينتمون إلى جناح متطرف في حركة حماس، والثانية، أنهم من الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة الفلسطينية.

ولكن، بعدما "ذهبت السكرة وجاءت الفكرة"، تيقن مختلف الأطراف بصورة متزايدة وبضغط مصري مستمر أن عملية المصالحة، مع أنها شكلية، يجب أن تستمر، فلا أحد يريد أن يتحمل المسؤولية عن انهيارها، لأن البديل عنها أسوأ، وتم تجريبه سابقًا، وقادنا إلى ما نحن فيه من وضع كارثي.

في كل الأحوال، أشعلت الجريمة الأضواء الحمر لما يمكن أن نصل إليه من فوضى وفلتان أمني واقتتال ما لم يتم تدراك الموقف. كما طرحت الأمن بقوة، وجعلته على رأس جدول الأعمال بعدما جرى تأجيله إلى مرحلة متأخرة ضمن المساعي لتمكين الحكومة، حيث تم البدء بتمكينها في الجهاز المدني الذي لا يزال عالقًا في دوامة من يسبق من: تمكين الحكومة بشكل كامل، بما يشمل تسليم الجباية المالية لوزارة المالية أولًا، أم الالتزام بصرف سلف لرواتب الموظفين المدنيين كخطوة أولى على طريق اعتمادهم، وصرف رواتبهم فيما بعد على طريق صرف رواتب جميع الموظفين، بمن فيهم الأمنيين؟

قلنا سابقًا ونؤكد حاليًا، ضرورة الاتفاق على الملف الأمني بمختلف جوانبه والشروع في تطبيقه منذ البداية، لأن تأجيله وصفة مؤكدة للفشل، فلقد سقطت حكومة الوحدة الوطنية عقب توقيع "اتفاق مكة" في شباط 2007 على صخرة الخلاف حول مسؤولية الأمن، إذ لم يتمكن وزير الداخلية من ممارسة سلطاته وصلاحياته على الأجهزة الأمنية التي كانت تحت إمرته، ما دفعه إلى الاستقالة، وصولًا إلى انهيار حكومة الوحدة.

على هذة الخلفية التي توضح أهمية الأمن، أكدت وثيقة الوحدة الوطنية التي أنتجها مركز مسارات في العام 2016 في سياق الحوارات والمبادرات التي بذلت لإنهاء الانقسام واستعادة الوحدة، على ضرورة الالتزام بتطبيق ما جاء في اتفاق القاهرة كرزمة شاملة، تشمل: الحكومة، والمنظمة، والأمن، والانتخابات، والمصالحة المجتمعية، وعلى إضافة قضيتي البرنامج السياسي وأسس الشراكة.

في هذا السياق، لا يمكن التقدم على طريق تمكين الحكومة وتأجيل الاتفاق على كيفية التعامل مع المقاومة والمفاوضات والعملية السياسية وصفقة ترامب ... إلخ. كما لا يمكن تمكين الحكومة من دون أن تكون سيطرتها كاملة على مختلف المجالات، وخصوصًا الأمن، ولا يمكن أن تسمح "حماس" بذلك، أي أن تغادر الحكم كليًا وليس الحكومة فقط، من دون ضمان أن تصبح شريكة في السلطة والمنظمة.

من هنا، تكتسب أهمية فائقة مسألة تطبيق ما جاء في اتفاق القاهرة حول إعادة بناء الأجهزة الأمنية، وتجديدها، وإصلاحها، وتفعيلها على أسس وطنية ومهنية بعيدًا عن الحزبية.

كان من توصيات برنامج نحو إصلاح وتوحيد قطاع الأمن الفلسطيني الذي نفذه مركز مسارات، أنه يصعب تحقيق مصالحة حقيقية من دون بلورة سياسات أمنية فلسطينية توافقية، تؤدي إلى نشوء قيادة موحدة للمؤسسة الأمنية خاضعة للسلطة السياسية العليا، وتساعد على بلورة رؤية موحدة لإعادة هيكلة المؤسسة الأمنية مستقبلًا بصورة تتناسب مع الاحتياجات الأمنية الفلسطينية.

ولا يمكن تحقيق ذلك من دون أن تصبح الأجهزة الأمنية أجهزة وطنية مهنية في الضفة والقطاع، إذ لا ينتمي أفرادها وكوادرها وقادتها إلى هذا الفصيل أو ذاك، تطبيقًا لما هو وارد في القوانين الفلسطينية ذات الصِّلة، في ظل استمرار هيمنة وسيطرة الفصائل، وتحديدًا "فتح" و"حماس" على الأجهزة الأمنية في الضفة والقطاع.
إن استمرار هذا الواقع يؤدي إلى عدم الفصل بين السلطة، وخاصة الأجهزة الأمنية، والأحزاب، ما يعني وصفة مؤكدة لتحول كل خلاف جوهري بين الفصائل إلى اقتتال، أما إذا كانت الأجهزة تخضع لسيادة القانون وللمؤسسات الوطنية الموحدة، وتعبر عن مصلحة الشعب لا الفصيل فالأمر مختلف في هذه الحالة، لأن الخلاف سيحل ضمن الأطر السياسية الشرعية بطريقة سلمية وديمقراطية.

وكان من توصيات البرنامج المذكور البدء بإعادة بناء جهاز الشرطة في الضفة والقطاع، ووضع الأسس والمعايير الكفيلة بتحقيق ذلك، خلال مدة أقصاها ثلاثة أشهر، وتعميم التجرية بعد ذلك على مختلف الأجهزة.

إن الاندماج ما بين الأجهزة الأمنية والفصائل نابع من طبيعة المرحلة التي يمر بها الشعب الفلسطيني بوصفها حركة تحرر وطني، تعطي الحق في مقاومة الاحتلال بكافة الأشكال التي يقرها القانون الدولي، ولم يتم استيعاب أن تأسيس السلطة أوجد تداخلًا ما بين طبيعة مرحلة التحرر الوطني ومتطلبات بناء السلطة، مما يوجب الفصل ما بين الأجهزة الأمنية والفصائل.

إن السلطة بناء على ما سبق، وفي ضوء وصول اتفاق أوسلو وبرنامج التوصل إلى حل سياسي يتضمن الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية عبر المفاوضات، والرهان على المجتمع الدولي، وتقديم التنازلات، وإثبات حسن النية؛ إلى طريق مسدود، أصبحت بحاجة ملحة إلى تغيير طبيعتها ووظائفها والتزاماتها، لتصبح أداة في خدمة المنظمة والبرنامج الوطني. ويمكن أن يتم ذلك من خلال عملية تراكمية إلا أنها يجب أن تبدأ وتكتمل.

بعد تغيير السلطة على هذا الأساس، يمكن ويجب تطبيق شعارات سلطة واحدة وسلاح واحد، شريطة أن تكون هناك قيادة واحدة تمثل مختلف ألوان الطيف السياسي والاجتماعي.

أما بالنسبة إلى سلاح المقاومة، فهناك ترتيب آخر من المفترض وضعه بما يستجيب لحق الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال بالمقاومة، ويتناسب مع المنطقة والظروف الخاصة التي تميز كل تجمع فلسطيني، فما يناسب الضفة المحتلة بشكل مباشر والتي تتعرض مختلف مناطقها لاقتحامات يومية لا يناسب قطاع غزة المحتل من خلال الحصار والعدوان، ما يحول دون وجود أجنحة عسكرية للمقاومة في الضفة، في حين سمح بوجودها في القطاع، حيث شاهدنا كيف حالت المقاومة رغم الثمن الباهظ دون تمكين الاحتلال من تحقيق أهدافه من خلال العدوانات الثلاثة التي شنها على غزة.

لا يعقل أن يكون الحل من خلال تفكيك الأجنحة العسكرية للمقاومة التي من المفترض أنها أنشئت من أجل التحرير، ويجب أن تبقى ما دام التحرير والتسوية ليسا على الأبواب.

طبعًا، لا يعني هذا تبرير استخدام الأجنحة العسكرية كأدوات للصراع والتنافس الداخلي لحماية مصالح مراكز القوى، أو هذا الفصيل أو ذاك، فكما رأينا أصبحت المقاومة في خدمة السلطة وليس العكس.

يمكن التعامل مع الأجنحة العسكرية وفق ما ورد في وثيقة الوفاق الوطني أو أي صيغة شبيهة بها، حيث نصت على "تشكيل جبهة مقاومة موحدة باسم جبهة المقاومة الفلسطينية، لقيادة وخوض المقاومة ضد الاحتلال، وتوحيد وتنسيق العمل والفعل المقاوم، والعمل على تحديد مرجعية سياسية موحدة لها".

ختامًا، نعم، تستدعي جريمة التفجير إجراء تحويل في مسار المصالحة القائمة، بحيث تعتمد معادلة لا غالب ولا مغلوب، أي خروج الجميع منتصرين، ولا تقتصر على تمكين الحكومة، وإعطاء الأولوية للجانب المدني، وإنما أن تسير ضمن مسارات متعددة بشكل متوازٍ وليس بالضرورة أن يكون متزامنًا تمامًا، تشمل البرنامج الوطني، والسلطة/الدولة، والمنظمة، والانتخابات، وبحيث يكون الأمن وتلبية احتياجات الناس المعيشية وحقوقهم المدنية ومقومات صمودهم ضمن الأولويات الملحة غير القابلة للتأجيل.

×
أخبار
السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط