كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

على هامش رحيل تمار بن عامي "ريتا"* التي خلدها محمود درويش في قصائده

على هامش رحيل تمار بن عامي "ريتا"* التي خلدها محمود درويش في قصائده

تاريخ النشر: 2026-02-28 | 11:52

ريتا..والبندقية : تشريح جثة وطن

(الشتاء الطويل: حكاية حب تحت الثلج..وفوق الركام )

بين عسليتها والخضرة التي تأتي مع الربيع،كان محمود درويش يبحث عن وطن آخر.ليس الوطن الذي يُحتَل،بل الذي يُحتَلُّ به القلب.وريتا لم تكن امرأة،كانت سؤالا وجوديا: هل يمكن للحب أن يكون جواز سفر؟!

 في جامعة موسكو،حيث الثلج يمحو الحدود،ظنا أن الجغرافيا تهزم إذا تشابكت الأصابع.لكن البندقية الإسرائيلية لم تكن قطعة حديد في زاوية الغرفة،كانت ذاكرة الجسد،وصية الأجداد،والنبض الذي يوقظك في الليل ليسألك: لمن تنتمي؟!

ما فعله درويش لم يكن كتابة عن حب عابر،بل تشريحا دقيقا لكيفية اغتيال الاحتمالات.كيف تموت المرات المقبلة قبل أن تولد.كيف تصير ريتا أسيرة في جسد محررها،ويصير محمود غريبا في امرأة كانت وطنه البديل..!

ريتا التي قرأت شعره بالعبرية،وبكت عليه بالعربية،تدرك الآن أن البندقية لم تكن بينهما فقط، بل كانت بينها وبين نفسها.بين امرأة تريد أن تعشق،وجسد دربته المدرسة على أن يكون ثكنة.!

كانت عيناها عسليتين،تميلان إلى الخضرة كلما اقترب الربيع.ريتا..التي علمت محمود درويش أن الحب يمكن أن يكون فلسطينيا وإسرائيليا في آن،وأن القلوب لا تعرف حدود المعابر.

التقيا في جامعة موسكو،حيث كانت الثلوج تتساقط على أكتافهما كأنها تخفيهما من سطوة الجغرافيا.هناك،بعيدا عن رائحة البارود،كان الحب ممكنا.كانت هي تدرس الأدب العبري،وهو يكتب قصائده العربية،وبين اللغتين كانا يخترعان لغة ثالثة..لغة الأصابع المتشابكة،والنظرات التي لا تحتاج ترجمة.

لكن..البندقية لم تكن بعيدة.!

حين عادت ريتا إلى حيفا،وحين عاد محمود إلى وطنه المسجون،وجدا أن البحر واحد لكن الشاطئين متخاصمان.كانت البندقية الإسرائيلية هناك،في زاوية الغرفة،تتذكر مهمتها.لم تكن مجرد قطعة حديد،بل وصية أجداد،وذاكرة حروب، وندبة لا تلتئم.

في قصيدته "ريتا والبندقية"،لم يقتلها محمود.لم يجعلها خائنة،ولا ضحية.جعلها إنسانة تحبه،لكن البندقية كانت أقوى.فكتب: "بين ريتا وعينيّ... بندقية".ليس اتهاما لها،بل اعترافا بأن الحب أحيانا لا يكفي.

بكت ريتا حين قرأت القصيدة بعد سنوات.بكت لأنها رأت نفسها فيه،ورأت وطنها الذي لم يختره. قالت لصديقاتها: "لم أكن العدو،كنت امرأة أحب شاعراً".لكن البندقية التي علقت على كتف أبيها، والتي دربتها عليها المدرسة،والتي لم تستطع خلعها من ذاكرتها،كانت هناك..دائما هناك.

في آخر قصائده،حين كان محمود درويش يحتضر،كتب عن ريتا من جديد.لم يعد يراها عسكرية ولا إسرائيلية.رآها امرأة في الستين،تمشي على شاطئ حيفا،ويدها اليسرى فارغة،تبحث عن ظل شاعر فلسطيني رحل.

ريتا..التي أحبته باللغة العبرية،وحين غادرته تعلمت أن تحزن بالعربية.

تلك هي اللعنة الفلسطينية الإسرائيلية: أن تحب، ثم تكتشف أن بين قلبيكما بندقية.ليست بندقية ريتا،ولا بندقية محمود درويش.لكنها هناك..تنتظر أن يأتي شاعر يكتب نقيض القصيدة: أن يحول البندقية إلى زيتونة.

بين ريتا والبندقية..قصيدة لم تكتمل،وحب لم ينتصر،ووطن لم يعد لأحد.

هذه هي المأساة في أنقى تجلياتها: أن تحب من علّمتك أن الحب بلا حدود،ثم تكتشف أنك أنت نفسك الحدود.أن تكون أنت فلسطين وهي إسرائيل،وأن تكون هي ريتا وأنت محمود،لكن البندقية لا تختار.هي فقط تنحاز للذاكرة.

ما فعله درويش في قصيدته لم يكن بكاء على حب ضائع،بل تشريحا لجثة وطن.لقد فضح المستحيل: أن العسلي لا يلتقي بالبني،حتى لو التقى الجسدان.أن النظرة الواحدة قد تحمل وطنا كاملا في شحرة عينيها،وتحمل نكبة كاملة في شحرة عينيك.وأن القبلة الواحدة لا تكفي لترميم ما هدمته عقود من نكبة أوغل ليلها في الدياجير.

لكن الأكثر إيلاما من الفراق،هو أن ريتا نفسها لم تكن تملك البندقية.كانت هي أيضا أسيرة لها. أسيرة شارع تعلمت فيه أن درويش "إرهابي"، وأسيرة جسد دربته المدرسة على حمل السلاح لا على الحضن.وأسيرة وصية أجداد لم تسأل رأيها فيمن تحب.فكانت الضحية الثانية بعد الشاعر. ضحية الحب الذي جاء في غير أوانه،وضحية السلام الذي تأخر كثيرا،وضحية التاريخ الذي يكتب نفسه بنفسه ولا يسأل القلوب.

هكذا يصبح الحب الفلسطيني الإسرائيلي نادرا كالماء في الصحراء،ومرا كالزيتون قبل نضجه، وغريبا كلغة الضاد في شوارع حيفا.إنه حب محكوم عليه بالموت منذ الولادة،لأنه وُلد وفي فمه بندقية.

وربما لهذا السبب كتب درويش:

وعدتني يا ريتا أن تخلعي البندقيه

وتعيديني إلى عينيك عسليين

كنهرين تشابكا في موسكو

حيث لا وطن يحكم القلبين

لكن البندقية كانت وصية جد

والوصايا لا تموت بقبلة

ولا تنكسر بشعر

ولا تخاف من العينين

فمضيت وحيدة في شارع حيفا

تحملين اسمي في فمك العبري

وتبحثين عن ظلي

في زحام الغائبين

ريتا..

أنا مت مرتين:

مرة حين غادرتني

ومرة حين علمت

أنك كنت تبكين علي

بلغة الياسمين

واللعنة أن البندقية لم تقتل جسدا،بل اغتالت احتمالات.احتمالات أن يمتدّ زمن ريتا ومحمود.أن يقعدا يوما في مقهى بحيفا،هرمين،يحتسيان قهوة مرة،ويتبادلان حديث الجليد في موسكو. احتمالات أن تلفظ البندقية أنفاسها موتا عاديّا،لا موت الأبطال.

لكن درويش رحل.ورحلت معه القصيدة التي كانت تمسك بيد ريتا.وبقيت هي وحدها على شاطئ حيفا،تمشي بيدٍ فارغة،تبحث في الأفق عن ظل شاعر علمها أن الحزن له لغتان: لغة اسمها "غصة"،ولغة اسمها "أشواق".وكلتاهما تؤلمان، وكلتاهما لا تلتقيان..

ربما لهذا لم يمت درويش مرة واحدة.مات كلما قرأت ريتا قصيدته،وكلما مشت على شاطئ حيفا بيدها اليسرى الفارغة،وكلما تذكرت أن الثلج في موسكو كان أبيض مثل الكفن،لكنهما ظناه زهرا..!

مات كلما مرّ طفل من مخيم وهو يحمل مفتاحا لا يذكر شكله،وكلما كبرت زيتونة في الجليل وظلت تنتظر من يقطفها،وكلما قال شاعر على مسرح بعيد: "كان لي وطن". 

فمنذ رحيله صار الموت لا يكتمل،وكأن درويش ترك وصية أن يُدفن في كل حرف لا يموت..!

*في صمتٍ بعيد عن الأضواء،رحلت يوم الثلاثاء 24 فيفري 2026،المرأة التي خلدها الشاعر الفلسطيني محمود درويش في واحدة من أشهر قصائده،وغنّاها الفنان اللبناني مارسيل خليفة بصوته الذي حمل الوجع الفلسطيني إلى العالم: “بين ريتا وعيوني بندقية”.ريتا..الاسم الذي تحوّل من حكاية حب شخصية إلى رمز شعري كثيف، يختزل التناقض بين العاطفة والوطن،بين القلب والحرب..

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط