كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عمال غزة في عيد الأضحى بين سراب العمل وتكاليف البقاء.. رؤية للإنقاذ والتعافي

عمال غزة في عيد الأضحى بين سراب العمل وتكاليف البقاء.. رؤية للإنقاذ والتعافي

تاريخ النشر: 2026-05-30 | 07:44

د. سلامه أبو زعيتر
د. سلامه أبو زعيتر

يتنفس العالم بهجة عيد الأضحى المبارك، وتغمر الفرحة بيوت المسلمين، لكن في قطاع غزة، يأتي العيد ليقلّب مواجع فئة العمال التي طالما كانت صمام الأمان للاقتصاد والوطن؛ فاليوم، وبعد مرور ثلاثين شهراً على أحداث السابع من أكتوبر، يجد العامل الغزي نفسه يكتوي بنيران واقع مرير، ومآسٍ مركبة فرضها العدوان والحصار، مستهدفةً كرامته وقدرته على البقاء.
إن المراقب لواقع العمال يدرك حجم التحديات الجسام التي عصفت بهم؛ فقد استُهدِفت البنية التحتية، ودُمّرت المصانع والمنشآت، وشُلّ القطاع الخاص تماماً، حيث لم يفقد العامل الغزي فرصة عمله فحسب، بل فقد منزله وأمانه وأحبته، ليجد نفسه نازحاً في خيمة أو مركز إيواء، في ظروف مأساوية لا ترتقي للحد الأدنى من الحياة الآدمية.
هؤلاء الرجال والنساء الذين كانوا يقتاتون على عرق جبينهم ويبنون الوطن بكبريائهم، باتوا اليوم ينتظرون في طوابير "التكايا" ليقتاتوا، والمساعدات الإغاثية ليعيلوا أطفالهم. وهذا التحول القسري أجهز على ما تبقى من كرامتهم الاقتصادية، وتسبب في صدمة حادة للهوية الاجتماعية والمهنية للعامل؛ فتحول أصحاب الحرف المهرة والمهنيون إلى باحثين عن مقومات البقاء اليومي البسيط، مما يشكل عليهم عبئاً نفسياً واجتماعياً ثقيلاً. إن هذا الواقع يمثل ناقوس خطر يدعونا جميعاً إلى إعادة النظر في طبيعة التدخلات والبرامج التي تستهدفهم، فإننا اليوم لا نتحدث عن رفاهية، بل عن مقومات صمود ومساعدة أهلنا على مواجهة واقع فرضته القوة الطاغية، وظلم الحرب وآثارها وانعكاساتها على كل مقومات الحياة، وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال الجوهري: كيف يمكننا أن نقف على حقيقة واقع العمال؟ وكيف ننصفهم من خلال البرامج والتدخلات المتاحة؟
ثمة العديد من التجارب الدولية والإقليمية الناجحة للتعامل مع الكوارث والحروب، والتي قد تنجح في واقعنا الفلسطيني لخلق حالة من التوازن بين الإغاثة البحتة والعمل، وهي ما تُعرف بمعادلة "العمل مقابل الإغاثة"؛ لضمان صون كرامة الإنسان واستثمار طاقته بدلاً من تحويله إلى متلقٍّ سلبي للمساعدات.
إن الواقع الحالي يلزم الكل الفلسطيني والمؤسسات الدولية بالنظر بجدية إلى ملف العمال، وربط إنعاشهم بإنعاش القطاع الخاص، ويفرض علينا هذا التحدي أن نفكر إيجابياً و"خارج الصندوق" لتطوير "سوسيولوجيا العمل واقتصاد الضرورة"؛ فالمجتمع الغزي يُظهر اليوم ما يمكن تسميته بـ "إبداع الحاجة والضرورة"، حيث يعيد تنظيم نفسه من أسفل إلى أعلى لمواجهة سحق البنية التحتية. وإن فهم المهن المستحدثة والجديدة التي أوجدتها الظروف والمستجدات في غزة، يفرض فلسفة اقتصادية تقوم على الاقتصاد التضامني والتعاوني لتحدي الأزمة، وهو ما يتطلب دوراً محورياً للحكومة والاتحادات المهنية والنقابات العمالية لـمأسسة هذه الأنشطة وحماية عمال المياومة والقطاع غير المنظم من الاستغلال، والعمل على تشبيك المبادرات الفردية في تعاونيات إنتاجية صغيرة تملك قدرة أعلى على الصمود.
إن الأعمال المتوفرة اليوم في غزة معظمها مبادرات فردية لمهن بسيطة وتقليدية ارتبطت بواقع النزوح وبنيته التحتية البدائية لمساعدة الناس على العيش (مثل: نقل المياه، جمع الحطب، صيانة الخيام البدائية، وتصليح "بوابير الكاز"، وإعادة تدوير واستخدام الأدوات... إلخ). إن هذه المهن ذات تكاليف متدنية وعوائد شبه معدومة، لدرجة أن دخل العامل الشهري منها قد لا يغطي أحياناً "أجرة الأرض أو الخيمة" التي تؤوي أسرته! وأصبح يعيش العامل في حلقة مفرغة، فهو يعمل ليسدد إيجار إقامته، ويعتاش على التكايا، ويواجه شبح الجوع الشديد إذا أُغلقت التكية أو تأخرت المساعدات. ومع غياب شبكات الأمان الاجتماعي، برزت ظواهر قاسية تمس الفئات الأكثر هشاشة، لا سيما اضطرار بعض النساء والأطفال لدخول سوق هذه المهن الشاقة لتأمين لقمة العيش، ومع حلول عيد الأضحى، تجلت هذه المعاناة بأقسى صورها، حيث وقف العمال عاجزين حتى عن توفير أبسط متطلبات أطفالهم للعيد.
وللانتقال من مربع الإغاثة السلبية إلى مربع التمكين والصمود، يجب العمل فوراً على خطة وطنية وإغاثية تتضمن المحاور التالية:
- إنعاش القطاع الخاص وتعزيز القطاعات الإنتاجية وذلك عبر تقديم تسهيلات وضمانات للمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي تحاول العمل متحدية الظروف وتداعيات الحرب، وضخ سيولة نقدية في الأسواق المحلية.
- دعم وتطوير المهن الجديدة وتحويلها لتعاونيات وذلك بتبني واحتضان المبادرات الفردية والمهن المستحدثة المرتبطة بالواقع الحالي، وتنظيمها نقابياً وتطويرها لتصبح أكثر إنتاجية وأماناً للعاملين فيها، مع التركيز على دعم وحماية عمال المياومة.
- التدريب والتأهيل المستمر من خلال البدء فوراً في تدريب وتأهيل العمال لمهن تنسجم مع المتغيرات والمستجدات مع مراعاة شروط السلامة والصحة المهنية، وخاصة المهن التي سيتطلبها قطاع "إعادة الإعمار" والترميم البيئي والإنشائي فور توقف العدوان، على أن يتلازم ذلك مع نشر ثقافة "السلامة والصحة المهنية" لحماية العمال من مخاطر مخلفات الحرب والركام.
- اعتماد "الكود المالي" كمساعدات نقدية شهرية ثابتة تقوم على تقديم مساعدات مالية نقدية مباشرة للعمال بشكل دوري وثابت؛ لتعزيز قوتهم الشرائية وتحريك عجلة السوق التجارية الداخلية، وحفظ كرامتهم وحريتهم في اختيار احتياجاتهم الأساسية بدلاً من الاقتصار على المساعدات العينية.
- تطبيق برامج "الإغاثة مقابل العمل" وذلك بتصميم برامج تشغيل مؤقتة مدعومة من المؤسسات الدولية، مع مراعاة خصوصية العمال ومنحهم تمييزاً إيجابياً يعكس حجم تضحياتهم وتضررهم، وضمان حظر عمالة الأطفال وحماية الفئات المستضعفة.
أخيراً:
إن عمال غزة ليسوا أرقاماً في كشوفات المساعدات، بل هم القوة النابضة التي بنت الوطن واجتهدت على مدار عقود للارتقاء باقتصاده وصناعته، ولا يجوز استمرار الصمت أمام ما يواجهونه من تحديات وظلم. وإن الوقوف معهم اليوم في ظل هذا العيد ليس منّة من أحد، بل هو واجب وطني وأخلاقي وإنساني. دعونا نعمل معاً، بمبادرات مبتكرة وجريئة، لنعيد لمن بنوا الوطن قدراتهم، ولنحفظ كرامة الجباه التي لم تنحنِ إلا لله.
• عضو الأمانة العامة للاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين

×
أخبار
وعد ترامب..بلفور 2: لا دولة..لا كيان فلسطيني موحد! نتنياهو بحث مع ترامب مهاجمة إيران قبيل الانتخابات الإسرائيلية أمريكا: القبض على مهندس "يحمل الجنسية السعودية" في "أوبن أل" جيش الاحتلال يغتال مواطنة فلسطينية ويصيب أخرين في قصف على قطاع غزة مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين"

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط