كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عمامة سوداء للرئيس اللبناني

عمامة سوداء للرئيس اللبناني

تاريخ النشر: 2018-03-20 | 11:11

المكان في بيروت، والزمان يسبق انطلاقة الثورة السورية بأشهر قليلة، كنت وأحد الأصدقاء مدعوين للعشاء في منزل رجل أعمال لبناني بارز، وسط حضور متنوع من السياسيين ورجال الأعمال والصحافيين والمثقفين من أطياف مختلفة، لا يمكن أن تجتمع في مكان واحد وعلى مائدة واحدة إلا في بيروت وفي ضيافة رجل من نوع مضيفنا الذي يسمو على الطائفية الضيقة، ويرفض أن يجعل من السياسة عنصر هدم للإبداع اللبناني في النشاط الاقتصادي والعلمي والثقافي.

تكرّم علينا مضيفنا بالحفاوة حين أجلسنا في الركن الرئيس من صالونه الفسيح برفقة وجوه وأسماء دائمة الحضور في المشهد اللبناني، منهم وزراء ونواب حاليون وسابقون، وكانت أحداث الربيع العربي مسيطرة على مجرى الحديث كونها ما زالت شديدة السخونة، وللحقيقة فإنني أعترف أنني كنت أرعن حين طرحت سؤالاً لم أعرف كيف يمكن أن أرجعه إلى حبالي الصوتية، ولم أدرك فداحته إلا حين رأيت الحدقات تتسع والوجوم يسيطر على وجوه وملامح غضب على وجوه أخرى. كان سؤالي هو: هل ستكون سورية هي الساحة المقبلة؟ وببراعة أنقذ أحد الحضور الموقف بإدارة الحديث وجهة أخرى، بعد أن أكد أن سورية ستظل قوية وصامدة في عهد الرئيس القائد بشار الأسد «الله يطول بعمرو» كما قال.

أدركت في تلك الليلة أن بيروت لم تتغير وأن «الردع السوري» ما زال يجثم على صدرها، مثلما كانت الحال في ذلك اليوم من شهر كانون الثاني (يناير) 1994، حين وصلت إلى مطار بيروت وفوجئت عند دخولي إلى صالة الجمارك بصورة جدارية ضخمة تنعى باسل الأسد الشهيد الفارس العقيد... (وسطر طويل من الألقاب)، ووجدت القسم الغربي من بيروت الذي ما زال يلملم جراح الحرب الأهلية، في حال حداد قسرية، ولم يكن من الممكن للزائر أن يخرج من كآبتها وثقلها على النفس إلا بالانتقال إلى القسم الشرقي من العاصمة الذي حافظ على حاله الزاهية كأن لم تمسه الحرب.

هذه مقدمة طويلة كان لا بد منها لفهم تصريحات السيد حسن نصرالله الأخيرة، التي سارع حزبه لنفيها، ولمحاولة فهم هذا النفي السريع والقاطع.

أصبح معروفاً لدى اللبنانيين أن صيغة التعايش التي قام لبنان على أساسها، والتي تم تأكيدها في اتفاق الطائف 1989 الذي أنهى الحرب الأهلية برعاية الملك فهد بن عبدالعزيز، لم تعد قائمة منذ اغتيال رفيق الحريري 2005 واجتياح بيروت من ميليشيات حزب الله 2008 وتعطيل الاستحقاق الرئاسي لأكثر من عامين، وأن هذه الصيغة غير قابلة للعودة للحياة أو تطويرها ما دام «الشريك المخالف» يرفع سلاحه فوق سلطة الدولة.

تصريحات نصرالله التي نفاها حزبه، نشرت في موقع «فردا نيوز» الإيراني المقرب من المرشد الأعلى خامنئي، وقال الموقع أنه أدلى بها في اجتماع خاص مع أفراد من الجالية الإيرانية في لبنان، وبعد أن نفى حزب الله هذه التصريحات ووصفها بأنها ملفقة من أساسها، اضطر الموقع لسحبها والاعتذار عن نشرها موجهاً اللوم للمراسل الذي نقلها عن «مصادر غير موثوقة».

أبرز ما جاء في هذه التصريحات المنسوبة لنصرالله هو قوله: «أن مكانة ولاية الفقيه فوق الدستور اللبناني، وتنفيذ أوامره واجب إجباري»، وهذا تصريح ليس جديداً منه فهو بنفسه سبق أن قال في تصريح متلفز وموثق أن مشروعه للبنان «ليس أن يكون جمهورية إسلامية، بل أن يكون جزءاً من الجمهورية الإسلامية التي يقودها صاحب الزمان ونائبه في الحق الولي الفقيه الإمام الخميني».

وفي التصريحات «المنفية» جاء قوله إن «حزب الله ولد مع الثورة الإيرانية، وهو أهم تجربة لولاية الفقيه خارج إيران»، والجديد في هذه العبارة هو الربط المباشر بين نشأة حزب الله ومشروع ولاية الفقيه التوسعي في المنطقة، وإلا فإن نصرالله سبق وأن قال كلاماً مشابهاً في خطاب متلفز وموثق: «نقولها ونحن فوق السطح، إن معاشات حزب الله وأكله وشربه وسلاحه وصواريخه تأتي من الجمهورية الإسلامية الإيرانية».

إلا أن النقطة الأبرز في هذه التصريحات جاء في قوله عن سورية: «نحن لا نقاتل من أجل بشار الأسد، بل من أجل التشيع... ولولا حزب الله وإيران لسقطت سورية»، ويبدو أن هذا التصريح هو سبب سحب التصريحات ونفيها بهذه الحدة من حسن نصرالله والموقع الإخباري الإيراني، فعلى رغم أن نصرالله قال لمقاتليه وهو يدفع بهم إلى ساحات القتال إنهم ذاهبون للدفاع عن وحماية المراقد المقدسة في الشام التي تتعرض لهجمات «التكفيريين»، إلا أن إطلاق هذا التصريح في هذا التوقيت بالذات يسيء في شكل بالغ للتحالف الذي يدافع عن نظام بشار الأسد، لذا أتخيل أن الاتصالات لم تنقطع بين الضاحية الجنوبية ودمشق وموسكو وطهران حتى صدر النفي وتم سحب التصريحات من الموقع.

و «السيد» حسن نصرالله، وهو سيد لأنه ينتمي لآل البيت كما يقول، ومن موقعه المقدس لم ينس في تصريحاته أن يروي تاريخ التشيع في لبنان من وجهة نظره، كما أنه سمح لنفسه بتوزيع بعض القداسة على حلفائه فهو يقول، كما نسب إليه، إن الرئيس اللبناني ميشال عون هو من سلالة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وبغض النظر عن كون هذا التصريح صدر عن نصرالله شخصياً أو أنه من تأليف آلة الإعلام «الخامنئية»، فإنني لست واثقاً بأن الرئيس عون سيرتدي عمامة سوداء في أي وقت قريب.

لهفي على لبنان الحضارة والديموقراطية والحرية الذي لا يستطيع أن يوجه تهمة الخيانة العظمى والعمالة لدولة أجنبية وتحقير الدستور والخروج عليه لرجل يتحدث بلغة من خارج التاريخ.

* كاتب سعودي

عن الحياة اللندنية

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط