كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عمـر القاسم: مانديلا فلسطين

عمـر القاسم: مانديلا فلسطين

تاريخ النشر: 2020-06-04 | 12:32

الشهادة، هي الجود بالنفس، وهي أعظم أشكال التضحية، وليس هناك من تضحية بعدها، حيث ينال الشهيد وسام شرف وعزة، في الدنيا والآخرة. أما الشهادة خلف قضبان سجون الاحتلال، فيُضاف إليها من العظمة الكثير، بالتضحية خلف القيد والقضبان، بالحياة على طريق الأجل المحتوم. فللشهادة حينئذ معنى خاص. وكما ان من الكلمات  أساطير. فكذلك هناك من الشهداء تيجان فوق الرؤوس، ونماذج اقتداء، وقناديل مستقبل. ذلك إنهم هم من ضحوا بحياتهم من أجل تحرير وطننا، وتطهير مقدساتنا، ضماناً لمستقبل أفضل لأبنائنا.

إن مسيرة شعبنا حافلة بالشهداء، ولكل شهيد من هؤلاء حكاية، حكاية البطل الذي صنع التاريخ، وخط حروفه بالدم، فمات الناس، وبقي البطل خالداً في أعماق الأحياء من بعده، وستظل حروف التاريخ محفورة في ذاكرة الأجيال، وعمر القاسم هو واحد من أولئك الشهداء، الذين سقطوا وراء قضبان سجون الاحتلال الإسرائيلي، ليلتحق بقافلة شهداء فلسطين وشهداء الحركة الوطنية الأسيرة.

في الثامن والعشرين من تشرين أول/أكتوبر عام 1988 مرت الذكرى العشرين لاعتقال عمر القاسم، فكان أول أسير يجاوز سجنه العقدين من الزمن. فانتفض رفضاً وانتفض معه رفاقه دعماً، وطالب الجميع بالإفراج عن "مانديلا فلسطين". كان رقم عشرين في ذلك التاريخ هو الأعلى، لكن مرت سنوات صار رقم عشرين رقماً مكروراً بين أرقام تجاوزته، فقد جاء وقت استحق فيه مئات الأسرى الفلسطينيين لقب "مانديلا فلسطين" بعد أن تجاوزت سنوات اعتقالهم العشرين عاماً، بل بعد أن تجاوزوا السنوات التي أمضاها الزعيم الأفريقي نفسه في سجون العزل العنصري في جنوب أفريقيا.

لكن الرابع من حزيران/يونيو للعام الذي يليه. 1989. شهد صدمة الأسرى جميعاً. إذ سقط  زميلهم عمر شهيداً ًفي سجنه، قبل أن ينعم بالحرية، ليكشف بموته عمق همجية الجلاد وحقد سلطة الاحتلال على كل ما هو فلسطيني. فعاد عمر القاسم إلى مدينة القدس محمولاً على الأكتاف، ليدفن في مقابر المدينة المقدسة، ويبقى اسمه خالداً في سجلات التاريخ وقلوب الملايين.

 

عمر القاسم قائد وطني فذ، وعلم من أعلام القدس والحركة الوطنية الفلسطينية، ومناضل شرس قاوم الاحتلال ببسالة، فاعتقل، وكان نداً للسجان، وشكّل رمزاً من رموز الحركة الوطنية الأسيرة، وأحد بُناتها الأساسيين، وكان على الدوام عماداً أساسياً من أعمدتها الراسخة، وبعد مماته تحول إلى شهيد خالد في الأعماق.

يبدو أن القلم يعجز بالفعل عن وصف خصال عمر القاسم، إذ يجف المداد بعجز الكلمات، فلا تكفي لسرد سيرته.

لست مضطراً لأن تنتمي للجبهة الديموقراطية لتحرير فلسطين، كي تقرأ سيرة حياة مناضل كعمر القاسم، أو تقرأ رسائله وقصص بطولاته وأمجاده في وثائق الجبهة، وأدبياتها. فقد التحق بحركة القوميين العرب في مطلع شبابه، وكان مثقفاً ونشطاً وفعالاً ومؤثراً بذات الوقت، وسافر إلى خارج الوطن، والتحق بمعسكرات الثورة الفلسطينية هناك، وحصل على العديد من الدورات العسكرية، ومن ثم التحق بالجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منذ انطلاقتها عام 1967. ثم ساهم في تأسيس الجبهة الديموقراطية، في فبراير 1969، التاريخ الذي شهد انفصالها عن الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. حيث كان له الدور المؤسس في تصليب عودها، وتطوير بنيتها، وتعزيز وجودها، واتساع شعبيتها، وتثقيف رفاقها في السجون.

كما أنك لن تكون مضطراً لأن تكون قد عايشت عمر القاسم داخل السجون الإسرائيلية، لتتعرف على شخصيته وخصاله ومواقفه. إذ سيكفيك أن تكون عربياً مؤمناً بفلسطين، حتى تتمكن من ذلك.

ولد عمر محمود القاسم في حارة السعدية بمدينة القدس، في الثالث عشر من تشرين الثاني/نوفمبر عام1941، وتعلم ودرس في مدارسها، فدرس الابتدائية في المدرسة العمرية القريبة من المسجد الأقصى، وأنهى دراسته الثانوية في المدرسة الرشيدية الثانوية عام 1958، وعمل مدرساً في مدارس القدس، وواصل تعليمه ليلتحق بعدها بالانتساب إلى كلية الآداب بجامعه دمشق، فتخرج منها وقد حاز على شهادة الليسانس الأدب الانجليزي.

لكنه اختار الثورة، وانحاز إليها، وناضل في صفوفها، فقاوم واستبسل من أجل فلسطين. وكان لا بد له من أن يُعتقل، فسجنوه لعقدين ونيف من الزمن، لكنه لم ينكسر. ففخرت به الحركة الوطنية الأسيرة، وحفرت اسمه بحروف من نور في سجلاتها، ومنحته لقب "عميد الأسرى" فكان أول فلسطيني ينال هذا الوسام.

كان يواصل تدريبه العسكري في قواعد الثورة بالأردن، حين شعر القاسم أن موعده مع العودة قد حان. كان ذلك هو يوم الثامن والعشرين من أكتوبر 1968، حين عبر نهر الأردن على رأس خلية فدائية، تهدف إلى التمركز في رام الله، لتنطلق منها عملياتها العسكرية.

في الطريق اصطدمت الخلية بكمين إسرائيلي، قرب قرية كفر مالك. فتبادل الفريقان إطلاق النار. وغني عن الذكر أن المعركة لم تكن متكافئة، فنفدت ذخيرة الخلية الفدائية، وتمر أسر أفرادها وقائدها. ثم أخضعوا جميعاً لتعذيب قاسٍ جداً، قبل أن تصدر المحكمة العسكرية حكمها عليهم بمدد طويلة كان المؤبد من نصيب قائدها عمر القاسم.

وفي السجن مثل عمر القاسم قاسماً مشتركاً بين كافة الأسرى، على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم السياسية والفكرية، وكرس جهده لتحويل السجون إلى أكاديميات وطنية، فأقام دورات عديدة للكادر، واهتم بالمواهب الناشئة، وأسس لذلك في كافة المعتقلات، ودرّس الأسرى اللغة الإنجليزية، وقدم للحركة الأسيرة دراسات قيمة لأوضاع المعتقلين، وتجارب حركات التحرر العالمية.

ساهم في التعبئة والحشد المعنوي لإعداد الأسرى، لمواجهة إدارات القمع الإسرائيلية، بهدف تحسين ظروف الاعتقال. وشارك في العديد من الإضرابات عن الطعام، بل كان من أبرز قيادات الإضرابات ومن المحرضين عليها، باعتبارها شكلاً من أشكال المقاومة. كما نسج مع الجميع علاقات قائمة على الاحترام، ففرض نفسه بقوة على الساحة الاعتقالية، بأخلاقه وسلوكه وحسن تعامله، فغدا قائداً للحركة الوطنية الأسيرة، ونموذجاً لكل أطيافها.

زاد العبء على عاتق عمر، عقب صفقة التبادل عام 1985 التي تحرر بموجبها المئات من قيادات وكوادر الحركة الأسيرة، فظنت إدارة السجون أن بإمكانها الانقضاض على الأسرى والاستفراد بهم والنيل من إرادتهم، بعد غياب الكثيرين من المؤثرين. فتعرضت الحركة الأسيرة في حينها، إلى هجمة شرسة تهدف لإذلالها. فتصدى عمر ورفاقه لكل ذلك، بحزم وبسالة، حفاظاً على إنجازات السابقين.

تمتع عمر بمعنويات عالية، وتسلح بإرادة قوية وعزيمة لا تلين، فنجح في المحافظة على ما حققه السابقون، ثم ناضل ـ مع إخوانه ورفاقه ـ من أجل انتزاع المزيد.

كان دوماً يتطلع إلى الحرية، ويؤمن أن فجرها آتٍ لا محالة. لكن وجع المرض اللعين كان أقوى من جبروت الإنسان وقهر السجان، يزيده الإهمال الطبي المتعمد، فأعلنت مسيرة حياته توقفها عن الاستمرار، فقضى شهيدنا نحبه ـ رحمه الله ـ في يونيو 1989، داخل أسوار سجن عسقلان، بعد واحد وعشرين عاماً من الاعتقال، فحُمل حُراً على الأكتاف في شوارع القدس، عائداً إلى مسقط رأسه. ودفن في مقبرة الأسباط، في جنازة مهيبة شارك فيها الآلاف من الفلسطينيين. وفي نفس الوقت نظمت العديد من المسيرات والمظاهرات والجنازات الرمزية، تكريما للمناضل الشهيد، في الوطن وخارج الوطن.

لم يكن وحده عمر القاسم من دفع هذا الثمن، فمثله كثيرون، منهم من قضى نحبه داخل السجون، ومنهم من توفي بعد خروجه، بسبب الأمراض التي ورثها هناك،

غيب الموت عمر عن الدنيا، لكنه لم يغب عن قلوب من عرفه، جراء المحبة التي نشأت والعلاقة التي توطدت بينه وبينهم، بفعل ما خلفه من حضور دائم في النفس والفؤاد، وإرث نضالي عريق. بموته بُعث عمر من جديد، في عقول ووجدان ملايين من البشر الذين لم يعرفوه في حياته. أحبوه بعد مماته، ورددوا اسمه على ألسنتهم. فحفر اسمه في سجلات التاريخ، وكُتبت له القصائد والأشعار، وحملت العديد من العمليات العسكرية اسمه، وزينت الشوارع بصوره، وتغنى الأسرى والمحررون باسمه، الذي ما زال مبعث صمود وإلهام، وسنبقى نفخر بسيرته كفلسطينيين وأحرار.

إنه عمر القاسم، الاسم الذي يصدح في الآذان سمفونية صمود فلسطيني.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط