كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عمق الألم..وصدق الإحساس في قصيدة "وَداعاً مُطفّرَ النّوّاب" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

عمق الألم..وصدق الإحساس في قصيدة "وَداعاً مُطفّرَ النّوّاب" للشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي

تاريخ النشر: 2022-05-21 | 16:37

عودنا الشعر العربي منذ قرون طويلة على كتابة قصائد المراثي ، الامر الذي تمكنت قصائد الرثاء بشتى انواعها من تخليد  شخصيات مختلفة جراء تلك المراثي التي بقيت في ذهن الانسان العربي من المحيط الى الخليج ، ولعل قصائد الخنساء في رثاء اخويها صخر ومعاوية قبل اكثر من اربعة عشر قرناً مازالت خالدة في الاذهان،ناهيك عن فعل وديمومة الشعر في الرثاء الذي يجسد حالات هي غالباً ما تصلح للكثير من الازمان والاوقات،ان ترثي الخنساء صخر فهذا نابع من حرقة قلب اخت لاخيها،أو ان يرثي شاعر حديث مثل البياتي صديقه الشاعر بلند الحيدري فهذا ايضاً بالامر الطبيعي بالنسبة للشعرية العربية وبمختلف مدارسها واتجاهاتها الشعرية،وكذلك ينطبق الحال على الشعر الفرنسي والانكليزي والامريكي والروسي،فلطالما قرأنا الكثير من المراثي التي لا تختلف كثيراً عن مراثينا في الشعرية العربية والتي تبدو للدارس انها تمتاز بطابع الرثاء اكثر من غيرها من المدارس الاوروبية،ولهذا فالرثاء داخل الجسد الشعري يشكل حلقة مهمة من الهيمنة النوعية للتفرد بأحاسيس ووجدان الانسان المتلقي الذي بالتأكيد قد عاش مأساة فقدان عزيز ما،الامر الذي سيعيد في ذلك ذكريات وجراحات قديمة وعميقة لم تتمكن سنوات الماضي من نسيانها مهما طال الزمن .

إن مهمة الشاعر الذي يكتب في هذا الغرض (الرثاء) اليوم كما في غيره من الأغراض صعبةً بالنظر إلى حجم المدوّنة الشعرية العربية،ممّا يجعل الشاعر مطالبا بتحقيق الإضافة والاختلاف،خاصّة ونحن في زمن الحداثة الشعريّة ومتطلباتها.

والسؤال الذي ينبت على حواشي الواقع :

كيف يمكن للشاعر اليوم أن يكتب قصيدة رثاء بمعجم لغويّ جديد،واللغة هي اللّغة ذاتها منذ الأزل،وكيف يعبّر عن الأحاسيس ذاته ا:الألم والحزن والتأثر ووصف المرثيّ دون أن نجد في تعبيره شبيهًا أو ظلالاً لما قرأنا لرموز شعر الرثاء وما ترسّب في الذاكرةِ منه.

والرّثاء موضوع إنسانيّ سيظلّ قائما باقيا بقاء الإنسان يتأثر ويحزن،ويؤلمه الفقد فيحتاج إلى التعبير.

وعندما قرأت أخيرًا قصيدة الشاعر التونسي الكبير د-طاهر مشي في رثاء القامة الشعرية الشاهقة التي فارقتنا بالأمس وأقصد الشاعر"العملاق" مظفر النواب،تذكرّتُ موقف أبي نواس بين يدي الرّاوية خلف الأحمر وهو يمتحنه حين طلب منه أن يرثيه حتى بلغ منه الإعجاب-بعد لأي وطول امتحان-إلى أن صاح ” تمنّيتُ لو مُتُّ فعلا لتكون لي هذه المرثية."

واستحضرتُ حكايات عن وصايا زعماء ومشاهير أوْصوا أن يرثيهم عند موتهم شاعر محدّد لما يلمسون فيه من مقدرة عالية.

فقد استوقفتني قصيدة د-طاهر مشي منذ مطلعها (وَداعا مظفّرْ! هجرتَ المَكانا!  /أمِنْ قسوةِ الناسِ أم مِن هَوانا/سكنتَ القلوبَ وجُبتَ الدّروب/وكُنتَ المُغرِّدَ تَعلو  رُبانا..) وأدركت أسباب حرص الشعراء في القديم على أهميّة مطلع القصيدة ودوره في التأثير في المتلقي وشدّه إليها،وكلّنا يذكر قصّة الأعشى مع قصيدته الشهيرة “ودّع هريرة” وكيف بقي سنة كاملة لم يعلن عنها،لأنه لم يعثر على العجز الملائم لمطلعها.

إضافةً إلى عنصر مهمّ لا يخفى على الشاعر النبّيه لإنجاح قصيدة الرثاء والإقدام على قولها ألا وهو قيمة الممدوح لدى الشاعر أولاً ثم قيمته ووزنه في المجتمع. فكلما كان الممدوح شخصية ذات وزن وقيمة اعتبارية،كبرت مهمة الشاعر،فمهما كان مطبوعا وصادقا،فإن الشاعر المتمكّن لابد أن يستحضر مرجعيات هذا الغرض من أدوات يحتاجها قصيد الرثاء، ومحاذير لابدّ له أن يتجنّبها حتى لا يقع في التقليد ووعي بتحقيق الإضافة ونجاح في تحقيق الاختلاف دون الحديث طبعا عن القول انّه لابدّ من توفّر عناصر الصدق والتلقائيّة والباعث الحقيقي والأساسيّ للقول ألا وهو الحزن، وهذا يذكّرنا بقول خلف الأحمر عند امتحانه لأبي نواس: “كأنّك قد قصّرت” فأجابه: ” لا.. ولكن أين باعث الحزن؟”  فلابدّ من تَوَفر عناصر نجاح قصيد الرثاء وتأثيره وأوّلها عنصر الباعث على القول وصدق الإحساس وملاءمة الشكل للموضوع ومقتضياته من إيقاع وقافية ومعجم لغويّ لا تخفى عن الشاعر المتمرّس.

لقد مضى الشاعر طاهر مشي في تطريز قصيدته تطريزًا نابعا من صدق الإحساس المفجّر لصور إبداعيّة فيها عمق الألم المولّد لقوة العبارة والاختلاف تجعلنا ندرك الفرق بين حزين وحزين فَحَدَثُ الفَقْد تجد له ألف حزين، بينما تجد حزينا متفرّدًا في حزنه يعبّر عنه بشكل يغوص في أعماق جُرحِهِ فيبدع ويعلو وهو يحلّق بعيدًا خارج السرب..

فهذا الفقيد الكبير المجلّل بالمجد (الشاعر الكبير مظفر النواب-رحمه الله) مقيم في منعطفات الوطن العربي من البحر إلى البحر وفي حنايا كل القوى العربية التقدمية،وقد أبدع الشاعر د-طاهر مشي في التعبير عن خلود المرثيّ في قلوبنا جميعا في صور شعريّة غير مسبوقة حيث يقول:

 

وَداعاً مُطفّرَ النّوّاب

 

وَداعا مظفّرْ! هجرتَ المَكانا!  

أمِنْ قسوةِ الناسِ أم مِن هَوانا؟

سكنتَ القلوبَ وجُبتَ الدّروبَ

وكُنتَ المُغرِّدَ تَعلو  رُبانا    

وَداعاً، رحلتَ الورى يفتَقِدْكَ  

وكلُّ العراقِ يراكَ الزّمانا

وكلُّ القوافي أتتْ تستجيرُ    

فصبْراً جميلاً لحُزنٍ دَمانا

سجدْنا، دعوْنا الإلهَ كثيراً      

لِيغفِرْ وتسكنْ حبيبي الجِنانا

تركتَ العراقَ وكنتَ الوَنيسَ

وفيهِ الشّجونُ وَقهرٌ  رَمانا    

وصهيونٌ  بِقُدْسٍ لنَا يستبيحُ  

وأقصى يُدنَّسُ، ذاق الهَوانا

سَتلقى بداركَ مَنْ يعشقوك

فَفي دارِ حقٍّ أُناسٌ سِوانا

ونحنُ على العهدِ نُعلِي الحقوقَ  

ليبقى الضياءُ  مُنيراً سَمانا

وتبقى قوافيكَ رمزَ الصّمودِ  

ويبقَى العِراقُ  أبيّاً، مُصانا

(عُروسُ العُروبَةِ) بعدَكْ تصيحُ

صدًى يستحِثُّ لِأقصَى الأمانا

فكيف أقول وداعاً مظفّرْ      

وذاك الصّدى قويّاً مَعانا؟!

وداعا وداعا فقد ودعوك      

وما ودّعوكَ ولكن…لِقانا!

ونخلص إلى القول إلى أن مرثية مظفر النواب للشاعر التونسي القدير د-طاهر مشي  مرثيّة متفردة،تتنزّل في مدارها الزمني الحداثيّ بتناولها تناولاً مختلفا جديدا لغرض قديم مطروق بمعجم لغويّ غير معجم الرّثاء التقليدي،وصور شعريّة مكثفة..داعبت الذائقة الفنية للمتلقي بهدوء مطرّز بالدموع..

وقد لا أبالغ إذا قلت أنها قصيدة جديرة بقراءات ودراسات متعددة لغةً ومبنى ومعنىً

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط