كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب

عندما تنقلب الثورة إلى انقلاب

تاريخ النشر: 2026-02-25 | 12:13

ليست الثورة مجرّد هبّة غضبٍ عابرة، ولا فورة احتجاجٍ تُطفئها الأيام، بل هي في مفهومها السياسي والاجتماعي مشروع تغييرٍ شامل، غايته إصلاح البنية المريضة، واقتلاع الفساد من جذوره، وإعادة بناء العقد الأخلاقي بين السلطة والمجتمع على أسس العدل والكرامة والمساءلة.

الثورة وعدٌ أخلاقي قبل أن تكون فعلاً سياسياً، وتعهدٌ بأن لا يعود الاستبداد بوجهٍ آخر، ولا يتقمّص الفساد ثوباً جديداً.

غير أنّ التاريخ قديمه وحديثه يعلّمنا أن الطريق بين الثورة وغاياتها ليس مستقيماً دائماً، وأن المنعطف الأخطر فيها هو لحظة التحوّل الصامت: حين تنقلب الثورة انقلاباً، لا بالدبابات وحدها، بل بالعقول والنيات، وبالتأويل الانتهازي لشعاراتها. هنا لا يُلغى الفساد، بل يُعاد توزيعه؛ لا تُسترد الحقوق، بل تُقايَض؛ ولا تُصان التضحيات، بل تُستثمر.

في هذا المنعطف، تتقدّم قوى مسيطرة لا تحمل من الثورة إلا اسمها، فتسعى إلى المكاسب والمناصب، وتتعامل مع الدولة بوصفها غنيمة، ومع السلطة باعتبارها صفقة.

 تُرفع اللافتات ذاتها، لكن تُفرَّغ من معناها؛ ويُردَّد خطاب الإصلاح، بينما تُترك منظومات الفساد على حالها  أو تُضخّ فيها دماءٌ أشدّ شراهة.

 ويستغلها اتباع النظام المهزوم بترديد المقولة الماكرة لتبرير الانحراف: «الفاسدون الأوائل شبعوا وخفّ نهمهم، ومن حلّ مكانهم ما زالوا جائعين فلو حافظنا على من شبعوا لكان أفضل لنا».

وكأن الجوع إلى الفساد قدرٌ لا يُقاوَم، وكأن الدولة حقل صيدٍ يتناوب عليه الصيّادون.

بهذا المنطق، يتحوّل السباق إلى الزمن نفسه: من ينهب أسرع، ومن يُحكم قبضته أقوى، ومن يسبق إلى الامتيازات قبل أن يُغلق الباب. وتغيب الأسئلة الكبرى: أين الإصلاح؟ أين العدالة؟ أين المحاسبة؟ بل تُستبدل بسؤال واحدٍ فظّ: من معنا ومن علينا؟ فتُقاس الكفاءة بالولاء، وتُقاس الوطنية بالتصفيق، ويُختزل الدم المسفوك في سُلّم ترقية.

وعند إسقاط هذا المشهد على الواقع السوري، تتجلّى المأساة بوضوحٍ أشدّ إيلاماً. فقد خرج السوريون على نظامٍ مجرمٍ فاسدٍ، صادر الدولة وحوّلها إلى مزرعة، وأدار البلاد بمنطق العصابة لا بمنطق القانون. كان الهدف واضحاً: إسقاط الاستبداد وبناء دولة الحق. غير أنّ المأساة لم تقف عند حدّ النظام المخلوع؛ إذ تسلّق على الثورة من تسلّق، وتكاثر حولها من امتهنوا المراوغة والتكويع، فبدّلوا البوصلة، وضيّقوا الأفق، وحوّلوا بعض ساحاتها إلى مسارح نفوذ.

هؤلاء لم يأتوا لإزالة الفساد، بل لإعادة تدويره. لم يحملوا مشروع دولة، بل مشروع حصة. وحين أُتيح لهم موقعٌ أو نفوذ، أعادوا إنتاج الأساليب ذاتها التي ثار الناس عليها: إقصاء، محسوبية، تبرير للانتهاكات، وتسويغ للفشل بلغة المظلومية. وهكذا، بدا وكأن الثورة في بعض تجلياتها تُختطف مرتين: مرةً بقمع النظام، ومرةً بابتذال من ادّعوا تمثيلها.

إن الثورة التي لا تُنقّي ذاتها، ولا تُقيم ميزان القيم قبل ميزان القوى، مهددةٌ بأن تنقلب انقلاباً ناعماً، يبدّل الوجوه ويُبقي الجوهر. والنجاة من هذا المصير لا تكون بالشعارات، بل ببناء مؤسسات، وتكريس الشفافية، وتقديم العدالة على الغنيمة، والحق على الصفقة. فالثورة إمّا أن تكون إصلاحاً شاملاً يقتلع الفساد، أو تتحوّل إن خانتها النخب إلى فصلٍ جديدٍ من كتاب الاستبداد.

وما بين هذين الحدّين، يقف الشعب في سوريا شاهداً على حقيقةٍ لا تقبل التزييف: أن الثورة ليست ضدّ شخصٍ أو نظامٍ فحسب، بل ضدّ ثقافةٍ كاملة.

وأن إسقاط الطغيان لا يكتمل إلا بإسقاط منطقه.

-----

 

×
أخبار
مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو تقرير: عقيدة ما بعد 7 أكتوبر تُعلي الهوية اليهودية وتضع إسرائيل في حالة مواجهة عسكرية دائمة تباين حاد بين استطلاعات الرأي الإسرائيلية حول موازين القوى قبل أسبوعين من انتخابات الكنيست الدفاع المدني السعودي: إطلاق الإنذار المبكر في مدينة الرياض بسبب تهديد جوي أردوغان يدين هجوم مطار الملك خالد ويتوعد الحوثيين: "سيتم تفعيل بند الدفاع المشترك في اتفاق مكة "

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط