كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عندما يمرض حارس الذاكرة...من يزوره؟

في السينما...

هناك مشهد يتكرر كثيرًا.

تُغلق الكاميرا على بطل الفيلم في نهايته.

يمضي الجميع.

تنطفئ الأضواء.

ويبقى الرجل وحده...

ليس لأن الحكاية انتهت...

بل لأن الآخرين انشغلوا بفيلم جديد.

كلما تذكرت الصديق الكبير، والمناضل، والكاتب، والأديب يحيى يخلف، عاد هذا المشهد إلى ذاكرتي.

لا أريد أن أكتب عن مرضه.

فالمرض امتحان الإنسان.

أما ما أريد أن أكتب عنه فهو صحة ذاكرتنا الوطنية.

كيف يمكن لرجلٍ بدأ حياته فدائيًا في الأردن، وحمل مسؤوليات تنظيمية وسياسية في واحدة من أهم مراحل الثورة الفلسطينية، وكان نائبًا لمسؤول جهاز شؤون الأردن، أحد أهم أجهزة حركة فتح والثورة الفلسطينية آنذاك، ثم تحول إلى واحد من أبرز الروائيين العرب، أن يغيب عن المشهد الثقافي الفلسطيني، وكأن غيابه لا يعني أحدًا؟

أنا لا أكتب عن شخصية عامة قرأت سيرتها في موسوعة.

أكتب عن رجل عرفته عن قرب.

وكان مسؤولي التنظيمي.

قبل الوزارة...

وقبل اتحاد الكتّاب...

وقبل أن يصبح اسمه واحدًا من أهم الأسماء في الرواية الفلسطينية.

عرفته كما عرفه كثيرون من أبناء جيله...

هادئًا...

لكن هدوءه كان يشبه الجبال.

لا يرفع صوته...

لكن حضوره كان يكفي ليمنح الآخرين ثقة بالطريق.

ذلك الجيل لم يكن يعرف الفصل بين النضال والثقافة.

كان الفدائي يقرأ.

وكان الكاتب يحمل حقيبته كما يحمل المناضل بندقيته.

وكانت الرواية امتدادًا للثورة...

وليست استراحة منها.

لهذا لم يكن غريبًا أن يصبح يحيى يخلف واحدًا من أهم الروائيين الفلسطينيين.

كتب عن الإنسان الفلسطيني قبل أن يكتب عن الشعارات.

كتب عن المنفى، والحب، والهزيمة، والكرامة، والذاكرة.

كتب "نجران تحت الصفر"...

وكتب "نورما ورجل الثلج"...

وكتب بحيرة طبريا، وغيرها من الأعمال التي لم تكن مجرد روايات، بل صفحات من السيرة الفلسطينية، مكتوبة بلغة الأدب، لا بلغة البيانات.

ثم حمل مسؤولية الثقافة الفلسطينية.

وزيرًا للثقافة.

ورئيسًا للاتحاد العام للكتّاب والأدباء الفلسطينيين.

ورئيسًا لاتحاد الكتّاب والأدباء الأفروآسيويين.

وكان يدرك أن الثقافة ليست دائرة حكومية...

بل خط الدفاع الأخير عن هوية الشعب.

لكن يحيى يخلف لا يمكن اختصاره في المناصب.

لقد كان ابن جيل استثنائي.

جيل كان يجلس فيه محمود درويش إلى جانب ماجد أبو شرار.

وصخر حبش.

وجمعة الناجي.

وأبو سلمى عبد الكريم الكرمي.

وإميل حبيبي.

جيل لم يكن يسأل:

من الوزير؟

بل كان يسأل:

ماذا سنكتب لفلسطين غدًا؟

كانوا يختلفون...

ويتجادلون...

ويتنافسون...

لكنهم كانوا يعرفون أن الثقافة ليست مهنة...

بل جزء من مشروع التحرر الوطني.

ولذلك بقيت أعمالهم أطول عمرًا من كثير من المناصب التي شغلوها.

اليوم...

لا يؤلمني أن يحيى يخلف مريض.

فالعمر قانون الحياة.

لكن يؤلمني أن تبدو الحركة الثقافية الفلسطينية وكأنها نسيت واحدًا من آبائها.

أين وزارة الثقافة؟

أين الاتحاد العام للكتّاب والأدباء؟

أين الجامعات؟

أين الندوات؟

أين طلاب الأدب الذين يدرسون الرواية الفلسطينية؟

هل أصبح المبدع الفلسطيني لا يستحق الالتفات إليه إلا عندما يتحول خبر وفاته إلى بيان نعي؟

وهل أصبح التكريم فعلًا مؤجلًا... حتى يغيب صاحبه؟

إن الأمم التي تنسى كتّابها...

لا تخسر أشخاصًا فقط.

بل تخسر ذاكرتها.

وأخطر ما يمكن أن يصيب شعبًا يقاتل من أجل روايته،

أن يهمل الذين كتبوا هذه الرواية.

أما أنا...

فما زلت أؤمن أن المثقف الحقيقي ليس زينة المجتمع.

وليس ضيفًا على المناسبات.

المثقف هو ضمير الشعب عندما يصمت الجميع.

والكاتب هو الذاكرة التي تمنع الأمة من أن تنسى نفسها.

والشاعر هو الذي يحرس اللغة من الهزيمة.

والفنان هو الذي يرى المستقبل قبل أن يراه السياسي.

وحين يمرض ضمير المجتمع...

لا يكفي أن نسأل عن صحته.

علينا أن نسأل عن صحة المجتمع نفسه.

لأن الشعوب التي تترك حرّاس ذاكرتها وحيدين في آخر الطريق...

تكتشف، بعد فوات الأوان،

أن الطريق نفسه قد أصبح بلا ذاكرة.

إلى استاذي ومعلمي وصديقي الكبير يحيى يخلف.

لا أكتب هذه الكلمات رثاءً، بل محبةً ووفاءً.

أعرف أن المرض جزء من رحلة العمر، لكنني أعرف أيضًا أن الأمم تحتاج إلى حكماء ذاكرتها، كما تحتاج إلى شبابها.

لذلك أتمنى لك من القلب الشفاء والعافية، وأن تستعيد صحتك،

وأن تعود إلى مكتبك، وإلى أوراقك، وإلى روايتك التي كنت تكتبها،

لأن فلسطين ما زالت بحاجة إلى قلمك، كما كانت بحاجة إلى حضورك في سنوات الثورة.

وأتمنى أن تمنحك الأيام وقتًا لتكتب ما لم يُكتب بعد، فما زالت في الذاكرة الفلسطينية حكايات كثيرة،

وأنت واحد من الذين يعرفون كيف تتحول الحكاية إلى أدب، والأدب إلى ذاكرة، والذاكرة إلى وطن.

سلامتك يا أبا هيثم

ودمت شاهدًا على زمنٍ كنت فيه واحدًا من الذين كتبوا فلسطين،

لا بالحبر وحده، بل بالعمر كله.

فالحركة الثقافية الفلسطينية لا تحتاج إلى تكريم يحيى يخلف

بقدر ما تحتاج إلى حضوره. فالمبدعون الكبار لا تُقاس قيمتهم بما كتبوه فقط، بل بما يستطيعون أن يضيفوه ما دام في القلب نبض،

وفي اليد قلم، وفي الذاكرة وطن.

*مخرج وكاتب سينمائي

 

×
أخبار
نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا جيش الاحتلال يقتحم ساحة مجمع فلسطين الطبي وينشر قناصته بمدينة رام الله نصح فرنسا مقبول..وصايتها مرفوضة على فلسطين! بلاغ مجهول عن قنبلة على متن طائرة أمريكية هبطت في مطار اللد إسرائيل تمنع طائرة إثيوبية من دخول أجوائها بسبب هوية الطيار وزير الخارجية: مصر ستلبي أي طلب دعم للسعودية دون تحفظات وبمختلف الأشكال ترامب: لا أعتقد أن الصين وروسيا تساعدان إيران: لديهما الكثير لتخسراه لو حدث بريطانيا تفتح تحقيقا علنيا في مقتل يهوديين في هجوم على كنيس عام 2025 قوات الاحتلال تواصل حربها العدوانية على الضفة والقدس..وإصابة مواطنين جراء اعتداء مستوطنين المغرب: أربعة أحزاب تتفق على تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري تحذيرات استخباراتية من تصعيد روسي لاغتيال قادة الصناعات الدفاعية في أوروبا «نيويورك تايمز»: عزلة إسرائيل الدولية تتفاقم بسبب الاستيطان وتخنق اقتصادها رغم بدائل معارضي نتنياهو

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط