كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عن أخطار تلاشي دولة المواطنة الديمقراطية

عن أخطار تلاشي دولة المواطنة الديمقراطية

تاريخ النشر: 2018-10-12 | 22:16

حين لا تجد الدولة من يديرها ويسيّر أمورها ويسوسها، وفق طبائع الأمور وما حدد لها دستوريا كطبيعة ملازمة، معيارية واعتيادية؛ وفي ظل غياب أو تغييب القوانين الناظمة وانتهاك معايير الديمقراطية، تتحول تلك الكيانية الدولتية إلى سلطة قاهرة إكراهية اغتصابية، غالبة وغلابة لكل وعلى كل ما عداها؛ فسلطة القمع والقتل والفوضى، لا تنتهك دور الدولة وتسلبه طبائعه فقط، بل هي تضفي على ذاك الدور كل ما اشتهته وتشتهيه من مسلكيات ضامنة لغلبتها، من دون أن تجد من يحاسبها أو يراقبها، أو يحد من تغولها السلطوي أو التسلطي، فيصبح التغول هو الأساس الذي بنت وتبني السلطة المستبدة قاعدتها الاجتماعية أو السياسية والاقتصادية، ركائز جورها وطغيانها وفق منظوره التسلطي المشوه؛ الفاسد والمفسد، القاتل لبني البشر، والقاتل لكل تقاليد وإرث منطق النزاهة والعدل والطبائع الإنسانية والسياسية والاجتماعية التي تعارفنا عليها، منذ أن جرى قوننة طبائع وأدوار الدول والسلطات على مر الأزمان، وصولا إلى أزمان صار متاحا فيها تطوير وتحديث منظومة قيم الحكم الرشيد والعادل، لصالح الإنسان/المواطن ومجتمعاته المعاصرة. 
السلطة التي لا تعتقد، ولا تؤمن أنها ملزمة بالقيام بوظيفتها الخدمية المنوطة بها، أو برد "جمائلها" وتبادل منافعها مع مطلق أحد؛ فردا، جماعة، أو مجموعة أو مجتمعا، لا تجد أنها ملزمة باتباع نهج سياسي تحفظ فيه الود للآخر: الفرد/المواطن، أو للآخرين مجتمعا وجماعات، وبالتالي لا تجد من يردعها أو يخضعها للرقابة؛ مثل هذه السلطة تذهب في تغولها حتى الأقاصي، في سلوك دروب القمع والإرهاب، وتعليم أدواتها الأمنية والبوليسية العديد من فنون الإجرام والتعذيب والقتل بدم بارد، وفي أحيان كثيرة صارت الأدوات هي السلطة، بتعدد أنواعها المباشرة والعميقة والمدارة من أعلى ومن أسفل، بحسب النظم الهرمية التي بنتها وتبنيها دولة الاستبداد وديكتاتورية الحكم ومجاميع النخب الطائفية والمذهبية، وكذا العائلية قرابيا وماليا وزبائنيا، وهم يشكلون أقطاب الهيمنة والاستحواذ السلطوي والأمني على كل مرافق السلطة/الدولة العسكرية الأمنية والبوليسية، حتى أن أحزابا وتنظيمات سياسية أو دينية، من قبيل بعض قوى "إسلام سياسي" برعت وتبرع في مماهاة استبدادها بالاستبداد السياسي الحديث، ولم تتوان عن اتباع ذات المنهجية سلطويا، للاحتفاظ بسلطة الهيمنة الشمولية. 
في فترة زمنية قصيرة، سبق لنا أن خبرنا وسمعنا وشاهدنا؛ كيف ينفذ وينظم "الدواعش"، ويصورون ببراعة فنية عملياتهم الإجرامية؛ قبل وبعد تنفيذها، بهدف إثارة الرعب وخلق صدمات متتالية، هدفها إرهاب وإرعاب "العدو"، وجعله يخضع لهم بعد أن يخشى بطشهم. وهذه طريقة ليست مبتكرة، بقدر ما يكمن الابتكار فيها، في مجموع الصدمات الترويعية، التي يعتقد أنها أدت مهمتها، وبالتالي لا بد من اكتمال عقد الهيمنة على الآخر، والمضي نحو إخضاعه، تماما كما فعلت وتفعل منظومة استبداد الأنظمة التسلطية، وهي الأكثر تعطشا للمزيد من السلطة، حتى لو خرجت الأدوات الأمنية والقمعية المريضة عن دورها المرسوم لها، نحو اتجاهات أكثر تسلطية وأكثر عنصرية وشوفينية، وهذا بالطبع ما يسعد النظام الحاكم، لا ما يضيره طالما صبت وتصب المسلكيات الإجرامية لتلك الأدوات، في قلب المصالح السلطوية لأهل بيت السلطة، والتسلطية لرأس هرمها الزعاماتي، ولمنافع الجميع وفق تراتبية معينة، كما لمنافع قراباتهم؛ الأقربون منهم والأبعدون. 
وهذا هو حال نظام الاستبداد الأمني في جمهورياتنا الاستملاكية، ذاك الذي بنى "أمجاده" على امتداد عقود من السنوات العجاف؛ أفقر فيها البلاد والعباد، وقتلت سياساته الأمنية وديكتاتورية الفرد؛ السياسة ومنطق المعارضة، وسحقت مستقبل السياسيين، وطاردتهم إلى حيث سمح لهم أن يتواجدوا؛ في بيوتهم وفي المعتقلات وفي المقاهي والمنتزهات، وطوردوا حتى في مخيلات الحكام وأهل بيوتات السلطة، وأقزام السلطة العميقة، وأزلام الاستخبارات، وسرّاق المال العام، ومثقفو السلطان وكتبة التقارير، وكل الوظائف التي تستنبطها وتستبطنها، كي تستثمرها بيوتات السلطة لمصالحها الخاصة والشخصية. 
من يقرأ عن تجارب وخبرات ما يجري في المعتقلات والسجون الأمنية للمعتقلين السياسيين، لا يجد أمامه سوى القيء والغثيان والسخط والغضب في أعلى درجاته، ليس اتجاه من يمارس مهنة القمع والتعذيب والشبح والحرق والقتل البطيء فقط، بل اتجاه المنظومات الأمنية والسياسية التي أطلقت أيادي هؤلاء وزرعت في نفوسهم الكراهية والبغضاء ضد الإنسان ككائن بشري، والإنسان كمواطن له ما لأعلى مستويات السلطة والدولة في الأنظمة الديمقراطية والليبرالية، لا فرق بين مواطن وآخر سوى في درجات الوثوق من وطنية المواطن هنا، ولا وطنية من يجري توصيفه بأنه "المسؤول" عن الوطن وأمن الوطن، وما هو بمسؤول إلا عمن يهينون ويستهينون ويشاركون في سرقة المواطن والوطن على حد سواء، من قبيل ما يجري في أروقة أنظمة بلادنا العصية على التغيير حتى اللحظة. 
مثل هذا الحال، ليس حال نظام استبدادي دون الآخر، فحزمة الأنظمة الاستبدادية إذ تتشابه كثيرا وتتفارق في منسوب وطبيعة مسلكياتها، رغم إنها ليست من طبيعة سياسية واحدة، بل هي في "تعدديتها" و"تنوعها" المسلكي والسياسوي، تكاد تجتمع على صورة جوهرية واحدة، وإن اختلفت بالشكل لا بالمضمون؛ الاستبداد الشمولي المطلق هو ما يجمعها في بوتقة الأنظمة الفردية والديكتاتورية المعادية لأنظمة المواطنة الديمقراطية، فنظام الحكم الإسرائيلي رغم وصفه أو نعته لنفسه كونه نظاما ديمقراطيا، إنما هو نظام استبداد وقمع إجرامي لا يُبارى في مجاله، كذلك تذهب الولايات المتحدة بيمينها الشعبوي وتغوله السياسي والاقتصادي مذاهب شتى في عدائها لدولة المواطنة الديمقراطية، وسوقها نحو مخاطر تلاشيها، فمن يحكم البيت الأبيض اليوم فرد متهور، لا يقيم أي وزن للقيم الديمقراطية ولمعاييرها المتوارثة في دول الغرب، و"النظام الجديد" فيها اليوم يتشابه وأي نظام استبدادي آخر من حزمة ورزم الأنظمة الاستبدادية التي خبرناها في حقبتنا المعاصرة، في منطقتنا وفي غيرها من مناطق العالم. 
في فصل تحت عنوان "القبلية الجديدة والتقوقع على هوية (متجانسة) وأزمة الديمقراطية" من كتابه الصادر حديثا (الهوية: السعي إلى الكرامة وسياسات النقمة) يخلص فرانسيس فوكوياما إلى أن المجموعات التي ترى أن هوياتها - سواء كانت هوية قومية أم دينية أو إتنية أو جنسية أو جندرية أو غيرها - لم تحز قدراً من الاعتراف يليق بها. ولم تعد سياسات الهوية ظاهرة ثانوية تقتصر على حرم الجامعات أو مناوشات هادئة الوطيس في (الحرب الثقافية)، بل صارت مفهوماً بارزاً وراء ما يجري في الشؤون الدولية". وكل هذا علاوة على كونه الاستنتاج المنطقي مما يجري في الواقع، فإنه كذلك حصيلة تحليل لمعنى كون العولمة التي قادت إلى تعميق أزمة الرأسمالية المعاصرة، لم تكن كما أريد لها، فـ "العولمة التي حملت تغيرات اقتصادية واجتماعية سريعة، وعظمت تنوع المجتمعات، ما أدى إلى زيادة الطلب على الاعتراف بمجموعات كانت غير مرئية وعلى هامش المجتمعات. وترتبت على هذه المطالب ردود مجموعات تشعر بخسارة المكانة والاقتلاع أو "الانزياح". وتتذرر المجتمعات الديموقراطية الى هويات ضيقة، ويهدد التذرر هذا إمكان المداولة والعمل الجماعي في المجتمع على أنه كيان موحد غير منفرط العقد. وهذه الطريق تفضي الى الإخفاق والانهيار. وإذا لم تفلح الأنظمة الديموقراطية الليبرالية في العودة الى مفهوم جامع للكرامة الإنسانية، حكمت على نفسها بالنزاعات المزمنة". 
وهذا هو حال عالمنا اليوم بدون رتوش وأوهام الماضي وآيديولوجياته وأنماطه الثقافية التي سقطت سقوطها المريع. ورغم ذلك بقي الاستبداد السلطوي الحاكم في بلادنا وفي غيرها، يغيّر أثوابه كلما "اتسخت" وشارف على السقوط، لولا محفزات الثورة المضادة التي تشكلها تلك الغلالات السقيمة من عديد قوى "إسلام سياسي" بإرهابها الخفيف والثقيل على حد سواء، وهي تقف بالمرصاد لكل احتمالات البناء والتغيير والحداثة والتنوير والثورة.

×
أخبار
تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة ألمانيا: ميرتس أجرى اتصالا هاتفيا بولي العهد السعودي سوريا: قوات الاحتلال الإسرائيلي تفجر تحصينات عسكرية في ريف دمشق ارتفاع ضحايا الحرب العدوانية على قطاع غزة إلى 74,389 شهيدا و175,423 مصابا

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط