كرامة السيادة الوطنية تعلو فوق كل مظاهر الاستعراض بكل أشكاله.

عن الانتفاضات العربية: قراءة في أسباب الإخفاق.. وحتمية التجدد؟

عن الانتفاضات العربية: قراءة في أسباب الإخفاق.. وحتمية التجدد؟

تاريخ النشر: 2016-01-20 | 09:40

بعد سبات طويل تبدّى وكأنه إغماء وغياب عن الوعي، تفجرت الأرض العربية بانتفاضات شعبية عارمة كانت أسبابها قاطعة في وضوحها وشاملة في تعاظم أعداد المدفوعين إليها باليأس، فقبل خمس سنوات أو أكثر قليلاً، غادرت الجموع البيوت والمكاتب والمقاهي لتملأ الشوارع والميادين وساحات الجامعات.
أما أسباب الخروج لمواجهة السلطة بعد سقوط الخوف فكانت مــتعددة ومتنوعــة وموجــعة، أخطرها الأزمات الاقتصادية التي شلّت الدولة والقطاع الخاص الذي كان يحظى دائماً برعاية أهل الحكم، نظراً للشراكة بين الفريقين على حساب الشعب المتروك لقدره في وهدة فقره وامتناع أسباب التقدم عليه.
بعد خمس سنوات طويلة وحافلة بالتطورات، يسود الآن شعور بالخيبة والإحباط ومرارة انطفاء الأمل، وتتفجر الأسئلة موجعة:
هل انطفأ الغضب الشعبي بالعجز عن التغيير المرتجى أو بالمخادعة والتحايل وحرفه عن مساره لإعادة استيلاء الطغيان بصورة ملطّفة ببعض شكليات الديموقراطية التي لا تفعل غير إعلان اغتيال الانتفاضة وإقفال الشوارع أمام احتمال تفجرها من جديد؟
أين اختفت الملايين التي خرجت إلى الميادين والشوارع تهدر بمطالبها وأولها استعادة حقوقها في وطنها وحقوقها على دولتها؟ هل توفَّر «العيش»؟ هل سادت الحرية؟ هل عادت الدولة إلى شعبها؟
هل لحقت انتفاضة 25 يناير 2011 بشعار ـ عيش ـ حرية ـ وحدة وطنية ـ ميدان التحرير في القاهرة بانتفاضة 25 يناير 1972، في القاهرة أيضاً ضد إضعاف الجيش بطرد الخبراء الروس وكان شعارها «ح نحارب!، «أم هي لحقت بانتفاضة الخبز في العام 1977؟
وهل الخيار الوحيد المتاح: الحرب الأهلية أو تجديد النظام من داخله، بما يغتال حلم التغيير الجذري.
إن أخطر إنجاز للانتفاضات العربية المتوالية التي بدلت في الخريطة السياسية لهذه المنطقة، أنها كشفت غربة الأنظمة الحاكمة عن فهم شعوبها بهويتها الأصلية غير القابلة للتعديل أو التغيير، وطموحاتها إلى مستقبل أفضل، وعن تلبية مطالبها في حياة مقبولة، كرامة المواطن فيها محفوظة وحقه في وطنه وبناء مستقبله مؤكد ومضمون.
فعلى امتداد دهر الضياع والفساد، تمّ طمس الهوية الجامعة لأبناء الشعب الواحد، فكيف بهوية الأمة الواحدة!
لقد تمت ضروب من الممارسات بهدف طمس الهوية الجامعة لشعوب هذه المنطقة العربية: جرى تنميه الإقليمية الكيانية التي تنتهي بعدائية مطلقة للعروبة، من نماذجها ما كان يقال ويجري تعميمه من شعارات كيانية تخدم المستعمر والمحتل، كمثل القول: «اصرف فلوسي على ثورة الجزائر؟ ليه؟! أنا عايز أعيش أحسن!».
في المقابل، فإن ممارسات خاطئة، صادرة عن الجهل أو عن نقص في الوعي طالما ترددت خلال فترة الوحدة بين مصر وسوريا في «الجمهورية العربية المتحدة» والتي فرضت على الكثير من القوى المؤمنة بالوحدة (إذا ما استبعدنا الانتهازيين والهاربيــن بمشــاكلهم إلى الغير): «نتعامل مع الوحدة كاستعمار مصري لسوريا أو نخربها بالانفصال... وهكذا نستعيد سوريا ضعيفة بحيث نستطيع حكمها، ونترك عبد الناصر ضعيفاً بحيث يمكن إسقاطه!».
بل إن الهرب من الهوية الجامعة ومسؤوليتها الطبيعية لحق حتى بالقضية المقدسة، فلسطين: «أتريدني أن أحارب من أجل فلسطين وأنا بحاجة إلى الرغيف لإطعام أطفالي؟!».
كذلك تمّ بعث الطائفية (والمذهبية) من رقادها، بعد تهاوي «العلمانية» ـ وقد كانت هشة وطارئة، بعد، لأن الأحزاب القومية العلمانية (من حيث منطلقاتها) تطأفت وهي تسعى إلى السلطة، مستعينة دائماً بالعسكر. صار حزب البعث في العراق «سنياً» بمعنى قوى الــسيطرة، بعيداً عن المبادئ ـ أما في سوريا فقد صار حزب «البعث» «علوياً» في حين ظلت الأحزاب الشيوعية أحزاب أقليات: أكراد، أرمن، مستعربون متمصرون إلخ.
ولقد قامت أنظمة عاتية على قاعدة الكيانية والطائفية تحت الشعار القومي. كذلك فقد أتمت القيادات الحزبية (التي كان العسكر قد استولى على قرارها) السيطرة على السلطة برفع رايات «حزب البعث العربي الاشتراكي»، كما في العراق وسوريا، أو راية حركة «القومييــن العرب، كما في اليمن الجنوبي. والطــريف أن «القوميين العرب» في جنوب اليمن قد تحــولوا ـ فجأة ـ إلى ماركسيين لينينيين عندما حوصروا (من الداخل والخارج) فلم يجدوا الحماية إلا في الاتحاد السوفياتي.
لقد تلاقت فتحالفت الكيانية والطائفية، وغالباً مع العسكر، تحت الشعار القومي. وهكذا فقد لعب العسكر دوراً أساسياً في تخريب اللعبة السياسية وضرب التجربة الديموقراطية النامية، والتي كان يحتضنها ويتاجر بها ـ كشعار ـ الإقطاع السياسي، جديده والقديم. وسقطت العروبة ضحية القوى الطامحة إلى السلطة جميعاً، والتي طالما رفعت شعاراتها كطريق للوصول.
لقد ضربت «سنّية» البعث في العراق، العروبة، بقدر ما ضربتها «علوية» البعث في سوريا، و «شافعية» الماركسية في جنوب اليمن.
أما في مصر، فكانت الماركسية أضعف من أن تؤثر في الشارع (المؤمن بطبيعته)، خصوصاً وأن المؤسسين وأوائل من اعتنقها من الأجانب أو من الأقليات وليس من الكثرة الغالبة بين المصريين.
إن «الميدان» الذي أٌخرج ـ بالتحايل ـ من موقع القرار، يحتاج ـ بقواه الفاعلة ـ إلى مراجعة جدية وشاملة، تتناول أساليب النضال وآلياته.
فمن المفجع أن تعيد الانتفاضة في تونس إنتاج البورقيبية حتى بأشخاصها القياديين القدامى (عمر الرئيس التي حملته الثورة إلى سدة الحكم، الآن، يقارب التسعين عاماً) وكل ذلك نتيجة عجزها عن إنتاج قيادة جديدة... من دون أن ننسى أن الإسلاميين، ممثلين بحزب «النهضة»، قد أفادوا من تجاربهم، كما من تجارب القوى السياسية الأخرى، فحاذروا أن يتصدوا لتحمل مسؤولية «العهد الجديد» بعد تجربة قصيرة سرعان ما فتحت عيونهم على مخاطرها غير المحدودة (سيطرة «الإخوان» على السلطة في مصر لسنة واحدة، بكل تداعياتها على الإسلاميين في المنطقة العربية).
ومن المفجع أن تسقط الانتفاضات أو مشاريع انتفاضــات التغيــير فــي المـشـرق العربي (العراق، سوريا، اليمن) في فخ الطائفية التي هي استثمار عظيم لأعداء الانتفاضات والتغيير نحو الأفضل.
ولعل بين الدروس المستفادة من تجارب انتفاضات الشعوب أن «الانترنت» ـ بمختلف تنوعات وسائل التواصل ـ لا يصنع ثورة، إنه قد يظهّر فيؤكد حالة الغضب ويربط - نظرياً ـ بين أطرافها. لكنه لا يمكن أن يكون قيادة الثورة، ولا هو مؤهل لتجميع جماهيرها خلف شعارات موحدة ودفعها على مواجهة الرصاص، في مختلف مواقع المتعاملين عبر أجهزة التواصل.
قد تلتقي جموع غفيرة على رفض القائم بالأمر، لكنها لا تملك تصوراً موحداً للمستقبل: ماذا عن اليوم الأول بعد إسقاط الطغيان؟
إن المنتفضين بالملايين عدداً، لكن أهدافهم شتى. كلهم يريد التغيير، لكن أكثرهم لا يعرفون الطريق، والوسائل، وأسباب التنظيم والضبط والربط وإدارة «العملية».
ليست مصادفة أن معظم إن لم يكن «كل» عمليات التغير في الوطن العربي، مشرقاً ومغرباً، قد تولاها، أو سيطر عليها فقادها الجيش (وغالباً من خارج قيادته الرسمية)، ليس لأنه «خزان الثورة» بل لأنه «الحزب» الوحيد بقيادة محددة، وأجهزة اتصال وتواصل، ثمّ إنه يعتمد «الضبط والربط» بين مختلف وحداته ومهما تباعدت مواقع انتشارها.
إن التغيير حتمي.
ولكن، المؤسف أن العرب يتبدون الآن متباعدين إلى حد التخاصم، مقتتلين إلى حد الحرب، ولقد ضيعوا يومهم بالتأكيد، وهم في صدد إضاعة الطريق إلى مستقبلهم إلا إذا «استيقظوا وتنبهوا» مرة أخرى.

عن السفير

×
أخبار
مسؤولان: إيران تغير أساليبها في استهداف السفن عبر المضيق قبل الانتخابات الأمريكية الخارجية الأميركية تنتقد ملاحقة سفيرة لبنان في واشنطن بعد لقاء إسرائيلي نتنياهو يقرّ بزيارة رئيس المخابرات المصرية قبل 7 أكتوبر وينفي لقاءه تقرير: خمسة سيناريوهات ترسم خريطة الانتخابات الإسرائيلية في ظل استقطاب حاد وتقارب بين الكتل «واشنطن بوست»: فشل «دبلوماسية الدولار» لترامب وتصاعد الشبهات بشأن صفقات مبعوثيه النفطية مع روسيا تصاعد ضربات الحوثيين على مطار الرياض يضع القيادة السعودية أمام خيارات محدودة ويهدد طموحاتها الاستثمارية الاستخبارات البريطانية: إيران تتجه لاستهداف قواعد عسكرية.. اعتقال مشبوهين بيان لـ 60 دولة تؤيد إعلاناً يعارض فرض رسوم في المضائق: "عبور بلا شروط" بعد الفضيحة..سفيرة أمريكا في اليونان تستقيل رسميًا بطلب البيت الأبيض مركزية "فتح" ترحب بقرار "اللجنة التنفيذية" والمرسوم الرئاسي بتأجيل الانتخابات إريتريا تتهم إثيوبيا بتلقي 365 شحنة عسكرية من دولة عربية خلال 9 أشهر العليمي: ماضون قدماً في عملية "فجر اليمن" لإنهاء انقلاب الحوثيين نتنياهو يعلن خطة التطهير العرقي من طولكرم: لا عودة للسكان انتخاب أعضاء جدد لمجلس حقوق الإنسان بينهم الأردن والكويت دول غربية تأسف لتأجيل الانتخابات الفلسطينية وتطالب اعادة النظر بالقرار ترامب يلوح بطلب تدخل تركي لمواجهة الحوثيين في اليمن ويصف إيران بـ"الدولة الفاشلة" السعودية: الحوثيون سيواجهون عواقب اعتداءاتهم.. ولن نسمح بتهديد حرية الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب الجامعة العربية تدعو إلى تدخل دولي فوري لحماية الشعب الفلسطيني مسؤول أمني إسرائيلي سابق ينقد استراتيجية التعامل مع غزة ويؤكد: هجوم 7 أكتوبر كان حرباً شنتها قوة منظمة الخارجية الأمريكية: إعادة إعمار غزة عملية شاقة لسنوات.. ونحرز تقدماً نحو قطاع منزوع السلاح تصعيد عسكري في اليمن: غارات سعودية على صنعاء والحوثيون يهددون بالرد حوار تحليلي يوعز صعود اليمين المتطرف بـ «أزمة الهوية» والتمدد المستمر بين ناخبي يمين الوسط في أوروبا نتنياهو يهاجم معارضيه ويتهم حزب منصور عباس بالارتباط بحركة حماس لعرقلة تشكيل حكومة منافسة الحكومة الفلسطينية تحذر من تفاقم الأزمة الإنسانية بقطاع غزة وانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية رصد منشورات كاتي زكريا المتحدثة باسم البيت الأبيض الجديدة.. وماضيها الرقمي ينفجر شرط سوداني أساسي لانتقال ديمقراطي حقيقي: "استبعاد الإسلاميين" أمير قطر: ما حدث في قطاع غزة "إبادة جماعية"..وأمن دول مجلس التعاون أمر لا يمكن التهاون فيه البابا لاون الرابع عشر يدخل المستشفى لإجراء عملية في الرئة فهمي يدعو للانتقال إلى "المبادرة وصناعة الفعل" وتطوير آليات العمل العربي "التنمية الاجتماعية" بغزة تطلق نداء استغاثة وتُحذّر من سيناريو "غرق جماعي" لـ 300 ألف عائلة

جميع الحقوق محفوظة لـ أمد للاعلام © 2007 - 2026

✔ تم نسخ الرابط